باريس:
في هذا العمل المسرحي، تجتاحنا أمواج الشعر منذ البداية، والخيال النموذجي الذي يليق بفرجينيا وولف، مثلما تجتاحنا أيضا الجمل المتشابكة والأفكار والصور واللوحات التي تم اختيار الكلمات فيها بعناية فائقة، ثم كلمات أخرى تصطدم بما يليها من جمل أكثر لذة وجمال.
في البداية، لا بد من الذكر بأن مهما كان جمال هذا النص، ووضوح كتابته، فإنه لا يمنح نفسه بسهولة لأول قادم. هذا بالإضافة، إلى أن فرجينيا وولف نفسها، لم تحدد نوع هذا الكتاب، الذي نشر في عام 1931، ولم تذكر فيما إذا كان رواية أو شيء أخر هجين، مثل أدبها الذي فتح مجالات جديدة في الكتابة، وإنها كانت ترغب دائما أن تسميه (لعبة شعرية). ويبدو أن هذا المصطلح أقرب على الأرجح إلى الكتابة التي لم تعد تميز بين الشعر والنثر. ففي هذا النص، لم تخلق المؤلفة لا فعل ولا حوار، وإن شخصياته الست هم رواة، اكثر مما هم أصوات تعبر، في آن واحد، عن الشخصية والفرد والجماعة. وكل واحد منهم يروي حسب دوره في الكلام، ويتحدث عن مشاعره ويحلل في الكثير من الأحيان بوضوح وجوده الخاص، من خلال اسلوب تصاعد الوعي الذهني للأشخاص، وتزامنه مع التصاعد السردي للحدث، بحيث أن الكتل الزمنية تتراص بشكل متواز مع الذاكرة، وبالتالي في الرؤية الدرامية. فتبدو المشاهد المسرحية غير مكتملة ومتقاطعة ومتشابكة، لتخلق لوحات رحبة ومعقدة. وان هذا التداخل الأسلوبي في طريقة القص يذكر المتفرج دائما بأن هناك ثمة خطأ شعري أو خيالي متورط في العمل.
تعتبر رواية (أمواج) من أعقد روايات فرجينيا وولف، إذ تتابع فيها هذه الكاتبة، حياة ستة أشخاص منذ الطفولة الأولى وحتى مراحل الشيخوخة، عبر حوار ذاتي أحادي (مونولوج) يناجي كل واحد فيه نفسه. ومن أجل أن تقوم ماري كريستين سوما، بإعدادها للمسرح، لا بد لها من أن ترمي نفسها كليا، في احضان عوالم وكتابات فرجينيا وولف، وهذا ما يمكن ملاحظته ولمسه سريعا عند مشاهدة العرض. إنه عمل يصعب نقله إلى المسرح، لأنه خال من القص الخيالي، وشخصياته لا ترتبط مع بعضها بعضا كما يحدث عادة في المسرح، وإذا أردنا الحديث عن نوع الدراما التي فيه، فعلينا ان نصفها أو ننعتها بالميتافيزيقية وفي نفس الوقت، بالشعرية.
إن إعداد هذه الرواية من قبل ماري كريستين سوما، يعتبر نوعا من التحدي، المصحوب بالدقة والبراعة، التي وضعت من خلالها على خشبة المسرح قصة هشة وسريعة الزوال، وجمالا مبهرا ومثيرا للسخرية، مثلما قدمت اثني عشر ممثلا لتجسيد ست شخصيات، في مرحلتي الشباب والشيخوخة. ولقد قدمت لنا في النهاية، عملا مدهشا، وذكيا، ومشوقا لدرجة أننا ولمدة ثلاث ساعات بلا انقطاع لم نتعرض لأغراء الملل، ولم نشعر بمرور الزمن.
ستة شباب، ثلاثة رجال، وثلاث نساء، يفترقون مع بعضهم بعضا في آخر يوم من ايام الجامعة. خائفين ومنبهرين في ذات الوقت، من الصفحة البيضاء التي عليهم أن يملأوها بعد تخرجهم، واكتشاف كل واحد منهم لمساره المفترض. (برنارد)، مأخوذ ومشغول في ابداع الجمل الجميلة؛ (لويس) يبحث عن الاعتراف به والسعي إلى النجاح؛ (نيفيل)، ترغب في ممارسة الحب من خلال سلسلة علاقات مع الرجال؛ (جيني)؛ غنية، ومتأكدة من جمالها وتأثيرها على الأخرين؛ (سوزان)، تعيش بالريف ومشغولة بعواطفها وتشكيكها بالأمومة؛ (رودا)، يفضل العزلة، ويرفض التسوية والمظاهر الكاذبة. وبكل سرور وسعادة يجدون أنفسهم في مراحل مختلفة من حياتهم، ويتواصلون من خلال أفكارهم الصامتة ، كما لو أن كلمات الحوار بالنسبة لهم تعتبر مثل اتفاق خاطئ للتواصل مع النفوس. وفي مركز اهتمام الجميع، هناك شخصية بيرسيفال الغامضة والغائبة دوما، التي نكتشف وجودها من خلال استحضار الآخرين لها.
تتألف مسرحية (أمواج) من ستة أصوات، لستة أصدقاء، يتحدثون فيها عن مصائرهم، من خلال المنولوجات التأملية والغنائية أحيانا، إنهم لا يتبادلون الحديث مباشرة، حتى وإن تقاطعت كلماتهم فإنهم لا يلتقون، وإن الاتصال الوحيد الذي بينهم هو داخلي. وهكذا فإن المسرحية عبارة عن استحضار للذكريات التي تمتد من سنوات الشباب حتى العمر الأخير، ورصد للحظات محددة تغذيها المشاعر، مثلما تلقي الأسئلة الكثيرة عن الزمن الذي مضى ومعنى الأشياء.
تتساءل فرجينيا وولف في (يوميات كاتبة)، الصادر في 4 يناير 1929، فيما إذا (كانت الحياة قوية جدا، أم أنها غير مستقرة ؟). وتقول: (إنني مسكونة بهذين الافتراضين المتصارعين.. وهذا قائم وموجود منذ الأبد ولكنه أيضا عابر وغابر وشفاف).
تحاول فرجينيا وولف، من خلال شخصيات هذا العمل،أن تتبع وبنظرة ثاقبة تيار الوعي، بكيفية تشبه إلى حد كبير حركة الأمواج والارتجاف اللامحدود الذي تخلفه قوانين الطبيعة. إنها تبني تيار الوعي في السرد الذي يتراوح بين التفاصيل الدنيوية اليومية العادية وبين الإسهاب الغنائي. فلا شيء يدوم أو يبقى، مثل الفراشات الليلية التي تحترق على ضوء المصابيح، بل حتى اللحظات الكاملة والمطلقة لابد لها أن تغيب أو تفر في لحظة من اللحظات. بالنسبة لفرجينيا وولف، إن الذي يوقظ اللاوعي هو الصدمة الشعورية. ولهذا نلاحظ أن كلام شخصياتها في هذا العمل، بمثابة صدى داخلي لهذا الاستكشاف، وإن بناء الجمل فيه يقلد انحسار وتدفق الأمواج، هذا بالإضافة إلى أن هناك شعور بالمأساة يخرج من الأصوات والإيقاعات التي لا يمكن تميزها، ووجوه سلسة ومصقولة ممتدة نحو الضوء والظلمة، وفي لعبة دائمة أمامية.
إن من الاشياء المثيرة في إخراج ماري كريستين سوما، هو تصميمها لإضاءة العرض، وتصميم الإضاءة تعتبر مهنتها الأولى. ولهذا نرى أن الحساسية العالية التي صممت فيها إضاءتها قد منحت هذا النص العديد من الأوصاف والأجواء الطبيعية. وكذلك استخدمها للفيديو باستمرار وبتفنن عال قد جعل الخشبة تبدو كما لو انها لوحات متحركة، تتدفق الواحدة تلو الأخرى، على غرار الممثلين. ولقد ارتدت جميع الشخصيات ملابس ألوانها باهته ذات ظلال رمادية. وإن تصميماتها لا تشبه بالضرورة الملابس الإنكليزية ولا تنتمي إلى بداية القرن العشرين وإنها يمكن أن تستخدم في أي مكان وزمان.
استخدمت المخرجة لمناخ هذه الدراما النفسية، سينوغرافيا نقية جدا: بعض الكراسي، والهياكل التي تصل الغرف ببعض الأبواب، وقماش رقيق وشفاف يقسم هذه الأماكن ويفصلها عن بعضها بعضا. بحيث نرى أن كل شخصية من الشخصيات في غرفة من الغرف، وهذا ما رمز وبشكل فعال إلى المراحل الزمنية التي مرت بها الشخصيات، أو بالأحرى، إلى جزء من حياتهم، وخاصة عندما تلعب الشخصيات من قبل الممثلين الشباب، حيث نراهم دائما وحيدين، تفصلهم الغرف عن بعضهم البعض، ولكنهم عندما يصلون إلى مرحلة البلوغ أو الشيخوخة، نراهم يجتمعون لتناول العشاء، ويجلسون على طاولة كبيرة عليها غطاء نظيف ونقي، تنتشر عليها الشموع. ونشاهد، في أعلى السقف، نيون كبير ينتج بياضا مشعا يكاد أن يكون عدوانيا من شدة قوته. وفي هذا المشهد نرى الشخصيات جميعها جالسة في صف واحد، ومشغولة بمشاكلها الشخصية ولا يجمعها سوى هم واحد، وسؤال مشترك يتلخص في بحثهم عن شخصية (بيرسيفال) التي لن تأتي في نهاية الأمر. مثلما نشاهد أيضا، وفي آن واحد، الجزء الثاني من حياتهم في الغرف الأخرى وهو في حالة انتظار، والمقصود هنا، الممثلين الستة الاخرين الذين يمثلون فترة الشباب. وفي نهاية المطاف وبعد أن ييأس الجميع من عدم مجيء بيرسيفال المنتظر، يردد الجميع، مثل جوقة مزدوجة، أنشودة صدى فشلهم الخاص، بصوت شبه مكتوم.