درب الموت وقوفاً

حجم الخط
0

كانت البداية من كتب التاريخ، واستمرت عبر صفحاتها، وانتهت تأملاً بحال النفس البشرية. تمور في الذاكرة تفاصيلها وثناياها وريحها، فتنتشي الروح وتحلق عالياً في سماوات بعيدة وأراض قريبة. يخالجها لحظات ولادة وقبس من نور، ويخالطها لحظات موت ونهاية. وبين هذه وتلك، حكاية مخلوق! وفي كل منها، أدب وثقافة من شروق شمسها حتى غروبها في الأفق.
دأبنا نبش لحظات الولادة، والبحث عن كينونتها وحالها وكنهها، وانشغلنا بتفسير ظروفها عن مرحلة أخرى ليست بعيدة. فكما للولادة حق في الفرح والدراسة، للموت ثقافة ونمط. الأولى تبدأ دوماً بصيحة مولود جديد، والثانية تنتهي بأحوال مختلفة؛ تختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والظروف. قلة من أدرك صواب حالها وامتهن فنها واعتقد بأهميتها وتحدثت نفسه عنها. شئنا أم أبينا، سيداهمنا الموت على حين غرة، وسيمتحن صلابة الاعتقاد، وسيختبر قوة المبادئ التي اعتنقناها. فإن كانت قوية المنشأ عميقة الجذور، كانت لحظات الموت قروناً مخلدة في الذكرى البشرية، ووهج ضياء يشع عبر الأزمنة. هناك من غلبه الموت، وهناك أيضاً من انتصر عليه، لكن بطريقته وعزيمته وإيمانه.
يقول غسان كنفاني: ‘لا تمت، قبل أن تكون نداً’، وهذه المقولة أثارت العديد من التساؤلات في جوفي، وكيف الند يكون، وكيف المعركة تحدث، ومع من؟! أخذت أسأل وأجيب، أصيب وأخطئ، أحدث نفسي وأصمت؛ فأذهب إلى الكتب وأكتشف جهلي أكثر وأجدني إلى الحقيقة أقرب. عندما قال خالد من الوليد جملته المشهورة مواسياً نفسه: ‘فلا نامت أعين الجبناء!’، كان يخاطب نفسه أولاً لأنه طالما حلم بالموت وقوفاً دفاعاً عن مبدأ آمن به. ربما احتضر على السرير، إنما هامته كانت قائمة ما انحنت لظلم جابهه. وعندما قتل الأديب الإسباني ‘لوركا’ على أيدي الثوار، كان يريد يقيناً أن ينهي حضوره في هذه الدنيا مؤثراً لا متأثراً، قائداً لا منقاداً، رافعاً رأسه لا مطأطئه. وعندما تم إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، هزم غريمه بابتسامة المنتصر وصوت حنجرة الحق. لم يرتعد خوفاً، ولم ينحن، بل تماسك بعنفوان في ساحة معركته الأخيرة. قد نختلف وقد نتفق مع صحة فكرهم، لكن لا بد أن نكبر فيهم الثبات ساعة الشدائد، والقتال حتى الرمق الأخير من أجل مبادئ جعلوها أسلوب حياة لهم.
الأمثلة كثيرة، وما أسلفت منها ليس سوى غيض من فيض، وتتركنا أسرى لخواطر عديدة. الأيام دول، والأرض تدور، والشمس تشرق وتغرب، والأحوال تتقلب بين سراء وضراء، والنفوس تتغير مهما قاومنا وكافحنا، وهذه سنة الحياة. فقانونها التغيير، وشعارها الحركة والتبديل، وكلمات رايتها امتحانات دائمة لمن عقل وتدبر، ومن ينجو هو الثابت على المبدأ الحق. النجاة لا تكون بالعيش الرغيد الهانئ، بل بالتسجيل في صفحات الزمان كصدى لصوت الحقيقة لا انهزاماً للباطل ووهمه. وإن حدث وانسحبنا من المعركة، فلتكن في لحظة قوة لا لحظة انكسار. وإن كان لنهايتنا لون، فلتكن طيف عزة وكرامة. قد لا يأتي النصر على الباطل من جبهتنا، لكن من الوجوب أن لا ينهزم الحق من ضعف نفس فينا. إن لم نكن الموج الهادر في المعركة، فلنكن قطرة ماء فيه تعينه وتدعم نضاله. فالموت وقوفاً وثباتاً درب آخر للانتصار مخبأ في حجرة سرية، لم يصلها إلا الصناديد، ولم يدر مقبض بابها إلا بشر قليل من عصور خلت. أصبحوا أساطير وأبطالاً في أوراق التاريخ لأن نهج حياتهم كان الموت وقوفاً!
حسام خطاب الأردن’
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية