درس الأسري
الياس خوريدرس الأسريأهم ما في وثيقة الأسري، التي يناقشها المتحاورون الفلسطينيون، انها تعيد الاعتبار الي ثلاث مسائل شكلت في العقود الأربعة الماضية، العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية. وليس مستغربا ان يلعب الأسري الفلسطينيون في سجون الاحتلال الاسرائيلي دور الضمير الوطني، في لحظة مفصلية خطرة، تتهدد فلسطين وقضيتها، بعد غياب القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني. المسألة لم تعد تحتمل التأجيل، ومحمود عباّس علي حق في هذه النقطة. اذ ان ترك الأمور كي تتطور علي هواها لن يقود الا الي حرب اهلية مدمرة او ما يشبهها.المسألة الأولي: هي الثوابت الوطنية، في مرحلة نضالية لها سمتان: الاستقلال وبناء الدولة. العودة الي الثوابت، من وثيقة الاستقلال الي مبادرة السلام العربية، تحمل رسالة واضحة الي طرفين: الطرف الأول هو بعض الرؤوس الحامية في اجهزة حركة فتح التي تعتقد ان ما يشبه الانقلاب العسكري بدعم امريكي، كفيل باستعادة السلطة، مهما كان الثمن، أي حتي لو كان تنازلات تمس جوهر الموضوع الوطني. ورسالة الي القيادة الحمساوية بأن ضرب هذه الثوابت، عبر اللجوء الي لغة المزايدات والشعارات، سوف يترك الشعب الفلسطيني عاريا ووحيدا، معيدا الحال الي التشرذم واليأس الذي خيم علي الفلسطينيين بعد نكبة 1948.العودة الي الثوابت، يجب ان تكون مقدمة من أجل استخلاص دروس الانتفاضة الثانية، وخصوصا من أجل مواجهة مشروع المعازل العنصرية التي تعدها الحكومة الاسرائيلية، انطلاقا من مواصلة الحصار علي غزة، واستكمال بناء الجدار العنصري في الضفة الغربية.يعي الأسري، وفيهم طاقات نضالية كبري، ان حماية فكرة النضال الاستقلالي لا يعادلها سوي تطهير السلطة من الفساد والمفسدين، وان فلسطين في حاجة الي قيادات جديدة وشابة.المسألة الثانية: هي استقلالية القرار الوطني الفلسطيني. لقد خاضت الحركة الوطنية الفلسطينية معارك ضارية من اجل منع النظام العربي من استخدام فلسطين كورقة في خدمته. ولقد وسم هذا النضال الصعب المرحلة اللبنانية برمتها. كان انفكاك فلسطين عن الخطاب القومجي الذي صنعه الديكتاتور العربي بالغ الصعوبة، كما كان ثمنه غاليا. ولقد نجحت فتح، باعتبارها العمود الفقري للثورة الفلسطينية، في بلورة وطنية فلسطينية متماسكة في المنفي، مهدت لمشروع الاستقلال وجعلته ممكنا.لم يكن النضال من اجل الاستقلالية معاديا للفكرة العربية، بل كان خطوة لتحريرها من قبضة الضباط الذين جعلوا منها وسيلة لكم الأفواه، وبناء انظمة الانتظار والخوف. وبهذا المعني وجهت استقلالية القرار الفلسطيني ضربة معنوية للنظام العربي، نازعة عنه شرعية التكلم باسم فلسطين ونكبتها.هكذا ولدت وطنية فلسطينية استطاعت بلورة مشاريعها المرحلية، كما استطاعت الصمود في مواجهات كبري غير متكافئة، من غزو لبنان الي غزو المقاطعة. لذا تأتي وثيقة الأسري اليوم كي تحذر الجميع، وخصوصا قيادات حركة حماس، من منزلق السقوط في هاوية التخلي عن القرار الفلسطيني المستقل، والسماح لأنظمة عربية او غير عربية باستخدام فلسطين ورقة في صراعها من اجل البقاء.من المستغرب ان تنجح الحركة الوطنية الفلسطينية في بناء استقلالها خارج الأرض المحتلة، ووسط عواصف الحروب الأهلية التي فرضت عليها، بينما تبدو اليوم، وهي في ارضها، وكأنها فقدت مناعاتها.علي الاسلاميين ان يعوا، ان مشاركتهم في قيادة النضال الفلسطيني، مرهونة بمحافظتهم علي الاستقلالية التي هي بداية طريق الوصول الي الاستقلال، وان التلاعب الاستراتيجي بهذه المسألة يعرض القضية الوطنية لاخطار لا تحصي.المسألة الثالثة: تحريم الحرب الأهلية. يجب ان لا ينسي أحد ان القيادة التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية مارست هذا التحريم طوال عقود اربعة، في المنفي وفي الوطن. وان ياسر عرفات دفع حياته ثمنا لوعيه بأن الحرب الأهلية هي الفخ الامريكي ـ الاسرائيلي من اجل القضاء علي فكرة فلسطين.الصراع شرعي علي السلطة او علي القيادة، لكن حدود الصراع هو حائط السلاح. ان اي اندفاعة حمقاء نحو هذا الخيار هي الاندثار بعينه.هذا لا يعني ان الأجهزة الأمنية والسياسية ليست في حاجة الي اصلاح جذري، بل يعني ان طريق الاصلاح ليست تأسيس اجهزة موازية، تتحكم بها العصبوية التنظيمية، بل هو طريق تحرير الأجهزة من الاستتباع السياسي، وجعلها في خدمة الوطن.هذه المسائل التي وضعتها وثيقة الأسري، وشكلت من خلالها مخرجا ممكنا من الأزمة السياسية الفلسطينية، يجب ان تكون اليوم رافعة بناء استراتيجية فلسطينية جديدة، من اجل تأسيس افق نضالي جديد.الوضع بالغ التعقيد، تجد فلسطين نفسها اليوم في حصارين:حصار اسرائيلي ـ امريكي، هو امتداد للسياسة الامريكية الحمقاء في المشرق العربي، التي تهدد بدفع المنطقة برمتها الي الحروب الأهلية.وحصار عربي يصنعه العجز والانتظارية والانحطاط، ولا يقدم لفلسطين وشعبها سوي خيار التشرذم والهوان.من داخل الحصارين تأتي عقلانية المناضلين الأسري لترسم حدا فاصلا مع زمن اللاقرار الذي وسم الواقع الفلسطيني في المراحل الأخيرة من انتفاضة الاقصي.هل يستمع المتحاورون الي نداء العقل؟وهل يستطيع السجن الفلسطيني ان يهز اركان هذا السجن العربي الكبير؟ 0