درس بليغ في التغيير … من النيبال هذه المرة

حجم الخط
0

درس بليغ في التغيير … من النيبال هذه المرة

د. سعيد الشهابيدرس بليغ في التغيير … من النيبال هذه المرةقبل ثلاثة اعوام خرجنا في جماعة الي احدي حدائق الريف البريطاني بالقرب من مدينة غيلفورد لقضاء اجازة يوم الاحد. فوجئنا لدي وصولنا بعرض عسكري رائع يضم اكثر من مائتي من الجنود البريطانيين، ومعهم مجموعة من الجنود داكني البشرة قليلا، يقتربون في الشكل من مواطني بلدان شرق آسيا. وعرفنا لاحقا انهم ينتمون لكتيبة بالجيش البريطاني تعرف ب جيرخا مكونة من جنود من النيبال. كان اداؤهم في العرض العسكري رائعا، اذ تميزوا بسرعة الحركة ومهارة التصويب. اسم الفرقة لم يكن غريبا، فقد اعتدنا سماعه في كل عام عندما يحتفل البريطانيون بذكري انتهاء الحرب العالمية الاولي، حيث يشارك لواء الجيرخا في العرض العسكري بجانب القوات البريطانية، وهو اللواء الاجنبي الوحيد الذي يشارك في هذه الاحتفالات. وبعد البحث اتضح ان هذه الفرقة لها تاريخ طويل يتصل بتاريخ شركة الهند الشرقية التي سيطرت علي الهند في 1757 وان اسمها مستمد من قرية تقع علي هضبة في غرب النيبال. وبعد خمسين عاما من ذلك الوقت بدأت مناوشات عسكرية بين البريطانيين والنيباليين انتهت بتوقيع اتفاقية بين الطرفين في 1816. ووفقا لبنود تلك الاتفاقية سمح لاعداد كيبرة من الجيرخا بالانضواء ضمن جيش شركة الهند الشرقية، واصبح هناك لواء خاص يعرف بـ لواء الجيرخا . وتواصلت العلاقات بين النيبال وبريطانيا حتي اصبحت أقدم حليف لها في آسيا. وبقي ولاء الجيرخا لبريطانيا عميقا، وخاض جنودها حروبا عديدة ضمن الجيش البريطاني، بما في ذلك الحربان العالميتان، الاولي والثانية. ومن جانبها حرصت بريطانيا علي استقرار الحكم في تلك البلاد علي مدي ما يقرب من قرنين.نسوق هذه المقدمة لتوضيح حقيقة أساسية وهي ان الدعم الاجنبي لأي نظام لا يستطيع هزيمة قوة الشعب في حالة غضبه، وان اصرار الجماهير علي المشاركة في ادارة بلدانها لا بد ان يؤدي في النهاية الي تحقق قدر من هذه المطالب. هذه الحقيقة تعلمناها، ليس في كتب التاريخ فحسب، بل عشنا فصولا منها في حياتنا. قرأنا في كتب التاريخ كيف استطاع الشعب البريطاني الاطاحة بحكم الملك تشارلز الاول الذي سعي لنزع سلطة البرلمان واحتكارها لنفسه، وكيف ان الجماهير الغاضبة هزمت ارادته، ثم حاكمته ونفذت حكم الاعدام فيه في 30 كانون الثاني (يناير) 1649، في شارع وايتهول امام مبني بانكويتينغ هاوس . وقرأنا قصة الثورة الفرنسية وكيف اطاحت بحكم الملك لويس السادس عشر بمشاركة الجماهير التي كانت تبحث عن الحرية واحترام حقوق الانسان، ثم أعدمته في 21 كانون الثاني (يناير) 1793. وفي العام الماضي استقال عسكر أكاييف، من رئاسة قرغيزستان بعد اسابيع من التظاهرات والاحتجاجات ضد حكمه. حدثت تلك الاحتجاجات بعد انتخابات متنازع عليها في شباط (فبراير) 2005، وعلي جولة ثانية جرت في 13 آذار (مارس)، شهدت خفض حصة المعارضة إلي عدد ضئيل للغاية من المقاعد في البرلمان الذي يضم 75 مقعدا. ومما زاد من حدة الاضطراب في قرغيزستان، البلد الجبلي الفقير ذي الاهمية الاستراتيجية، المشكلات الاقتصادية والفساد الحكومي الذي استشري في عهد أكاييف. ويتم المقارنة بين ما جري في قرغيزستان وما جري في جمهوريتين سوفيتيتين سابقتين وهما جورجيا وأوكرانيا، حيث أطاحت انتفاضات شعبية بالحكومة في كلتيهما. فقد جاءت حوادث قيرغيزستان بعد ما سمي ثورة الزهور في جورجيا في إثر اتهامات بالتلاعب في انتخابات 2003 التي أسقطت شيفاردنادزه وأتت بميخائيل ساكاشفيلي. وشهدت اوكرانيا قبل اكثر من خمسة عشر شهرا ثورة شهدت خروج مئات الآلاف من الأوكرانيين في مظاهرات احتجاجا علي تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية وجاءت بفيكتور يوشينكو.هذه المقدمة ضرورية لاستيعاب ما حدث في النيبال، تلك البلاد المحاطة جغرافيا بأعلي سلسلة جبال في العالم وسياسيا بالهند والصين، اقوي قوتين في جنوب أسيا، والمرتبطة تاريخيا ببريطانيا كأقوي حليف في تلك المنطقة. فقد اثبتت قوة الشعب المكون من 27 مليونا، مرة اخري قدرتها علي احداث التغيير السياسي الذي يسعي الحكام المستبدون لمنع حدوثه، ويستعملون أقصي درجات العنف والشدة ضد من يعمل من اجله. فبعد عشرين يوما من الاضطرابات الشعبية المتواصلة، والتظاهرات والاحتجاجات، لم يجد ملكها، جيانندرا، مجالا للاستمرار في تحدي الارادة الشعبية، فأقدم مرغما علي الغاء قراره الذي اصدره العام الماضي، وأعاد البرلمان الي الحياة، وسمح لرئيس الوزراء باستئناف عمله وتشكيل حكومة جديدة. وما فعله ملك النيبال اسلوب يتبعه المستبدون الذين يسعون لفرض ارادتهم علي شعوبهم، ويمارسون الديكتاتورية كلما سمح لهم الوضع بذلك. والواضح ان ملك النيبال لم يهنأ كثيرا في منصبه الذي تقلده في 2001 بعد مقتل اخيه، الملك بيرندرا في مجزرة حدثت في القصر.بدأت التظاهرات الاخيرة في شهر نيسان (ابريل) بمشاركة المواطنين من كافة المشارب والاتجاهات السياسية، وكانت الاوسع منذ خمسة عشر عاما عندما اجبرت الجماهير ملكهم آنذاك، بيرندرا، علي الموافقة علي تخفيف قبضته والسماح بالممارسة الديمقراطية واجراء اول انتخابات ديمقراطية. وبعد تصاعد الاحتجاجات الأخيرة ظهر الملك جيانندرا علي شاشات التلفزيون مرتين، اعلن في اولاهما عزمه علي اعادة السلطة الي الجماهير، بينما أعلن في الثانية قراره بالسماح للبرلمان بالعودة للانعقاد وممارسة تلك السلطة. ولم يكن امام الملك خيار آخر سوي الاستسلام لارادة الجماهير الغاضبة التي قد لا تكتفي باعادة البرلمان، بل قد تصر علي مطالبتها بالتحول الي نظام جمهوري والتخلص من الحكم الملكي نهائيا. وليس مستبعدا ان تتواصل الضغوط علي الملك جيانندرا لمحاكمة العناصر التي أطلقت النار علي المتظاهرين وقتلت اربعة عشر منهم. وكانت هذه الفكرة قد طرحت في الاتفاق الذي ابرم في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بين الملك جيانندرا و الثوار الماويين. وأشارت تلك الاتفاقية الي الحاجة لانهاء الملكية المستبدة ، كما ان الاحزاب السياسية السبعة التي تصدرت الاحتجاجات الاخيرة توافق الثوار الماويين حول ضرورة اجراء انتخابات جديدة لمجلس تأسيسي لطرح شكل المستقبل السياسي في البلاد. وجاء هذا التصعيد في اثر حملات القمع ضد الناشطين السياسيين في الفترة الاخيرة، من قبل جهاز أمر الملك بتشكيله لمكافحة الفساد. وتصر المعارضة علي ان ذلك الجهاز ليس سوي اداة سياسية ضد المعارضين، وان المحكمة العليا قد قضت اخيرا بعدم شرعيته، وكان ذلك فشلا كبيرا للملك.وتجدر الاشارة الي انه منذ تحول البلاد الي ملكية دستورية في 1990 انتشرت ظاهرة الفساد والنزاعات السياسية الداخلية والحكومات غير الفاعلة، وبالتالي ففي ظل حكم الملك جيانندرا لا يبدو في الأفق ما يدفع للتفاؤل بحدوث تغير جوهري في الوضع السياسي. وزاد الوضع تعقيدا قوة الثوار الماويين الذين يسيطرون علي اغلب الريف النيبالي. فهؤلاء يمارسون حرب العصابات بشكل فاعل، اذ يشنون عملياتهم العسكرية وما ان تصل القوات الحكومية حتي يختفوا في الجبال والغابات. وكثيرا ما فرضوا حصارا علي المدن الاساسية بشكل شبه كامل، واثبتوا قدرتهم علي شل الحركة الاقتصادية في البلاد. ويقدر عدد المسلحين الماويين ما بين 10 و15 الفا يمثلون عصب حركة التمرد، وبامكانهم تعبئة اكثر من 50 الفا عند الحاجة. ومع ان لدي الجيش اسلحة افضل فان الطبيعة الوعرة في النيبال والدعم الشعبي للتمرد في بعض المناطق يجعل مهمة الملك في القضاء علي التمرد شاقة جدا. ويمكن اعتبار التوازن العسكري بين الطرفين حائلا دون حسم الموقف لأي منهما. وجاءت الاحتجاجات الاخيرة لتهز موقع النظام الملكي ولتضيف الي القوة المعنوية لدي المعارضين والمتمردين المسلحين. كما ان السجل الدموي المرعب أصبح يضغط علي اصدقاء النيبال للبحث بشكل جاد عن بديل سياسي لوقف النزيف الدموي. ووفقا للاحصاءات المتوفرة فقد قتل اكثر من 13 الف شخص علي ايدي الطرفين خلال السنوات العشر الاخيرة، بالاضافة الي الجرحي والمعتقلين. ويزعم الماويون انهم كانوا مصدر الهام للزعيم الصيني، ماو تسي تونغ، ويسعون لاقامة دولة شيوعية، وانهم أنشأوا حركتهم علي غرار حركة الطريق الساطع الماوية في بيرو.ماذا بعد؟ لا شك ان النيبال، ذلك البلد الرازح عند سفوح الهيمالايا، تطرق بوابة عهد جديد، بعد ان قررت القفز علي ماضيها الملكي، والولوج الي عصر يمارس فيه شعبها السيادة والحكم. فهل العهد الجديد الذي بدأ بالجلسة الاولي للبرلمان يوم الاحد الماضي، نهاية المشاكل ام استمرار لها؟ انعقد البرلمان في اول جلسة له بعد انصياع الملك جيانندرا لمطالب المتظاهرين، بحضور رئيس الوزراء غيريجا براساد كويرالا، الذي قدم القسم امام الملك. تلك الجلسة اسفرت عن اجماع علي اقتراح من رئيس الوزراء باجراء انتخابات لمجلس خاص يضع دستورا جديدا يقرر مستقبل الملكية في البلاد. اعضاء المجلس الـ205 وجدوا انفسهم في توافق لاول مرة حول مسألة جوهرية تتجاوز صلاحيات برلمانهم، وتفتح الباب امام مستقبل يختلف عن الحاضر الذي عاشوه بقضاياه واتعابه. ولكن الجدول الزمني للانتخابات المزمعة لمجلس صياغة الدستور لم يحدد، بل ترك أمره للحكومة التي ستجري اتصالات مع الثوار الماويين لتحقيق اجماع علي انهاء الازمة التي ازدادت تعقيدا بعد قرار الحزب الشيوعي الماوي في 1996 بخوض كفاح مسلح ضد الملكية الدستورية التي تجاوزت حدود صلاحياتها وتحولت الي حكم مطلق. وخلال السنوات الثماني الماضية سقط آلاف القتلي واغلبهم من الثوار الماويين والشرطة والمخبرين والمدنيين. في الوقت نفسه كانت الاحزاب الاخري تخوض الانتخابات البرلمانية وتسعي للمشاركة السياسية حتي قرار حل البرلمان قبل اربعة اعوام ايار (مايو) 2002. اتخذ قرار الحل رئيس الوزراء آنذاك شير باهادور ديوبا، بعد ان اتضح ان الاحزاب السياسية لن توافق علي تجديد احكام الطوارئ التي فرضت قبل ذلك بستة شهور تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 في اثر هجوم من قبل الثوار الماويين علي قاعدة عسكرية في غرب النيبال. كان ذلك القرار كارثيا، اذ كرس حالة الطوارئ وشجع الماويين علي تصعيد هجماتهم بلا هوادة. وازداد الوضع توترا في مطلع العام الماضي عندما أقدم الملك علي حل الحكومة واتهامها بالعجز عن حل المشكلات الامنية في البلاد، وقام بتشكيل مجلس اداري من عشرة اشخاص برئاسته لحكم البلاد. كان رد الفعل العالمي فوريا علي هذا الاجراء الذي اعتبره الامين العام للامم المتحدة خطوة الي الوراء وطالب بالعودة الي الممارسة الديمقراطية في اقرب فرصة. وحتي حلفاء الملك في واشنطن ولندن لم يجدوا بديلا عن شجب خطوته التي اعتبرت غير ديمقراطية، وكرست الازمة بدلا من حلها. وجاء انعقاد البرلمان في الايام الاخيرة ليضع، اذا ما حظيت قراراته بموافقة الثوار الماويين، نهاية لحقبة سوداء من تاريخ النيبال.النيبال اليوم تقدم درسا للشعوب الاخري المتطلعة للحرية والديمقراطية وسيادة الشعب وحريته في تقرير مصيره. فالنظام الملكي الاستبدادي لم يعد خيارا مقبولا لدي شعوب العالم، خصوصا اذا كان حكما مطلقا كما هو الحال في اغلب الدول العربية. وتجربة شعب النيبال، والشعوب الآسيوية الاخري التي تمت الاشارة اليها، تقدم نماذج لامكان احداث التغيير من الداخل بدون الحاجة للتدخلات الخارجية. كما تؤكد حقيقة مهمة وهي ان ممالك الاستبداد غير مؤهلة لمواجهة اصرار شعوبها اذا أرادت التغيير وأصرت عليه. العالم يتحرك من حول هذه الامة، وشعوبها تراقب التغييرات حولها متلهفة للاصلاح والتغيير في بلدانها، وراغبة في حياة أكثر أمنا وتقدما وانسانية، ولكنها غير قادرة علي تحقيق ذلك. فلتأخذ شعوب المنطقة دروسا في الاصلاح والتغيير من تجارب الآخرين، وآخرها شعب النيبال. فقد تكون لتلك الدروس أصداء عملية، بعد ان بلغ السيل الزبي، والديكتاتورية كافة انحاء بلاد العرب، وأصبح التغيير أقرب الي الحلم منه الي الواقع. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية