درس سياسي مهم في الأردن بعد ما حصل في الطفيلة: قرارات صغار المسؤولين ذات الصبغة الأمنية تسحب من رصيد النظام

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ من بسام البدارين: كان يمكن بكل الأحوال الإستغناء عن المشهد الذي انشغلت به وكالات الأنباء والرأي العام الأردني وكبار المسؤولين ظهر أمس الأول الإثنين لما حصل في مدينة الطفيلة جنوبي البلاد، لو تصرف المستوى الأمني الميداني ومعه الحاكم الإداري بقليل من الحنكة أثناء زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني للمدينة الغاضبة.

لكن ما حصل يقدم دليلا مباشرا على ما تقوله المعارضة الوطنية وما يقوله كثيرون من أبناء النظام ودعاة الحريات حول الإجراءات التنفيذية والقرارات الميدانية والإدارية التي تسحب من رصيد النظام عند الناس بدون مناسبة حقيقية، فكل دعاة الإصلاح والتغيير في الأردن عندما خرجوا للشارع تخندقوا حول الدعوة للإصلاح وإسقاط الحكومة منطلقين من التقدم بشكواهم للقصر الملكي ليس أكثر.

وبالمعنى الدقيق لا يوجد أي تعبير لمعارضة ضد النظام في الأردن، فحتى أشرس المعارضين الأفراد مثل ليث الشبيلات وأحمد عبيدات وزكي بني إرشيد يقولون علنا انهم يطالبون النظام بإصلاحات ميدانية وتنفيذية يبدو ان الواقع الموضوعي تجاوزها بعدما أصبحت من المهام الصعبة جدا.

وعليه يصلح ما حصل في الطفيلة من فوضى ظهر الإثنين على هوامش موكب ملكي يزور المدينة التي خرجت للشوارع منذ شهرين بمعدل أسبوعي داعية لإقالة وزارة معروف البخيت.. يصلح كمنطلق لمناقشة مجمل التقاليد البالية في المؤسسة البروقراطية الأردنية.

والطفيلة هنا كانت على موعد مع استقبال القائد لكي تشكو له تصرفات وتجاهلات حكومته كما يلاحظ ممثلها في البرلمان حازم العوران. وزيارة الملك حصلت في إطار التواصل بعدما أحبط أبناء الطفيلة في وقت سابق زيارة ميدانية لهم قام بها رئيس الوزراء معروف البخيت.

ومن الثابت تماما الآن أن المسؤولين الميدانيين في المدينة الجنوبية الموالية بقوة للنظام وللملك إجتهدوا عندما قرروا إبعاد نشطاء الحراك الشبابي عن المربع الأول في الزيارة الملكية فكان اجتهاد في غير مكانه على الإطلاق ونتجت عنه بعض الفوضى التي اقتنصتها وكالات أنباء أجنبية استخدمت صيغة ‘مصدر أمني’ وهي تتحدث عن رشق الحجارة على الموكب الملكي.

ولا أحد يعرف بعد لماذا قرر المستوى الأمني في محافظة الطفيلة التلاعب مع ممثلي الحراك الشبابي الذين وعدوا بالتواجد في مكان استقبال الملك وإلقاء كلمة بين يديه وهو استبعاد إداري مفصل على المقاس الأمني فقط ويخلو من الروح السياسية وبسببه حصريا حصل التدافع الذي انتهى برشق حجارة على رجال أمن بعيدا تماما عن الموكب الأمني، حسب النائب العوران الذي تحدث عن سوء تفاهم مع قوات الدرك في أحد أجزاء ساحة استقبال الموكب الملكي.

ويبدو واضحا من سياق الأحداث ان حرمان القوى الشابة من تمثيل نفسها ومخاطبة الملك في زيارة مهمة تسبب بالإحتقان أصلا، فيما تم عمليا وبقرار محلي ميداني يخلو من الحكمة حرمان الملك أيضا من الإستماع لرأي الشباب الذين يمثلون عمليا من ينادون بإسقاط حكومته أسبوعيا في الطفيلة.

يعني ذلك ان قرارا تنظيميا بسيطا إتخذ محليا وبعيدا عن الجهاز الإستشاري للملك قصر الكلمات التي ستلقى أمام الزائر القائد على النخب الكلاسيكية التي لا تخرج أصلا للشارع فيما ترك الشباب بعدما وعدوا إداريا بأن يتم تمكينهم من إلقاء كلمتهم في الحضرة الملكية.

وهذا سبب الإحتقان الذي طال نحو 60 شابا أصروا على الحصول على حصتهم من الوقت في الزيارة الملكية فتصدت لهم قوات الدرك التي تحرس طريق الموكب الملكي، وليس الموكب نفسه، فحصلت فوضى وتزاحم وتبادل بعض رجال الدرك اللكمات والحجارة مع بعض المواطنين وأصبح هذا الجزء من مشهد وطني كبير ومهم هو ‘الخبر’ عمليا بالنسبة لوكالات الأنباء رغم ان أحدا عمليا لم يرشق موكب الملك بالحجارة، كما قال النائب يحيى السعود شاهد العيان الأبرز في المكان.

لا يمكن بطبيعة الحال إسقاط الجزئية المتعلقة بالخلاف القديم والعلني بين الديوان الملكي ووكالة الأنباء الفرنسية عن حسابات التركيز الإعلامي على قصة ما حصل في الطفيلة.

لكن الأهم أن بين يدي الجميع الآن صورة طبق الأصل عن الفوضى التي يمكن ان تنتج عن قرار إداري بسيط مرسوم على مسطرة الأمن فقط لحاكم إداري أو مسؤول محلي أمني تناط به مهمة تصنيف المواطنين وتحديد من سيجلس إلى جانب الملك ومن يتحدث إليه، وفقا لعادة قديمة في البيروقراطية الأردنية لم تهزمها بعد كل خطط ومشاريع الإصلاح. لذلك خرج شباب الحراك في الطفيلة ببيان يتهمون فيه الأجهزة الأمنية بالحيلولة بينهم وبين الملك. وعلى منوال ما حصل في الطفيلة يحصل دوما في الواقع، فرغم ان الحكم الأردني لا يبحث عن شرعيات ولا يحتاجها لا تزال جهة ما في الحكومة تتدخل لتحديد من سيتحدث في حضرة الملك وماذا سيقول.

وما زالت جهة تنظيمية مقابلة في القصر الملكي تسمح بذلك وتقبل به علما بأن الملك نفسه حرض الشباب علنا وعدة مرات على قول رأيهم وبقوة، لكن ما حصل في الطفيلة يثبت للمرة الألف بأن مفاصل الإدارة التنفيذية لا تريد ان تسمع ذلك لا من القصر ولا من الشباب أنفسهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية