درس في تهمة الإستقواء بالأجنبي وآخر في مساوئ الديمقراطية …
خميس الخياطيدرس في تهمة الإستقواء بالأجنبي وآخر في مساوئ الديمقراطية …والله، إن العرب اليوم لهم من أغرب أجناس العالم علي الإطلاق… من الطبيعي أن تخترق الكيان الإجتماعي ـ وأي كيان إجتماعي ـ تيارات عقائدية وفكرية وسياسية وعاطفية وما شابه ذلك حتي مجاري الهواء القيمية المسببة لأفلونزا الإنسان، فتلك علامة صحية تكسب الكيان مناعته لتجعله يتطور وينمو. في هذا، كياننا العربي لا يختلف عن سائر شعوب الأرض حتي وإن صرخ عن خصوصيته البعض من أبنائه بملء فيهم. ولأن عالمنا العربي مهد الحضارات ومصدر الديانات السماوية، يبسط أجنحته علي قارتين ويحمل في أحشائه الدر كامن من أصناف الطاقة النفطية حتي الشمسية، يفصل شمالا وجنوبا بين بحرين وجنسين مختلفين وشرقا وغربا بين ثقافتين لا علاقة بينهما ليحمي أكثر من مئتي مليون نسمة، كل فرد منهم هو عالم بذاته من ثقل معتقدات وواقع تناقضات وحلم شهوات وهلم جرا… ولذلك كله وأكثر من ذلك، لم تكف منذ عصور غابرة وحتي اليوم عمليات إستهدافه لتقطيع أوصاله والتفرقة بين أبنائه والمؤمنين به والقائلين بشرعية وجوده وحقه في المستقل… ولا داعي للإستشهاد بصليبيات الأمس ولا بـ بوشيات اليوم وهي كلها جارفة من الشمال الإستعماري ، ناهيك عن الصراعات الداخلية التي لولاها لأصبحنا كما بتنا. كل ذلك مشروع ولا أحد قد تحوم بخاطره غربان التشكيك. الإستقواء بالأجنبي إلا أن هذا الكائن له حاليا، الآن وهنا، من الغرابة بين الأمم ما يجعله ينشئ فيروسا جديدا من لدن قادته وحكامه الحريصين علي صحوته ومناعته والمؤمنين لشرعيته ومستقبله. فذهب بهم حب الوطن إلي إبتداع الجمهوريات الوراثية. أخذهم حب التضحية من أجل الفقراء لله إلي تمطيط الدساتير. دفعتهم غيرتهم علي حيوية بلدانهم إلي إنشاء باقة من الأحزاب والمنابر المتناسلة الواحدة من الأخري مزينة للديقراطية الإفتراضية و مبرقشة لها إلي حد أن الذي تسول له نفسه التشكيك في أدني درجات الإنصهار بين الرئيس ـ القائد ومرؤوسيه المقودين في جمهورياتنا وممالكنا العربية، ينقلب ليله نهارا… وتتعفن أموره لو قيل أنه ومن شابهه طلبوا المعونة من سفارة أجنبية ، حينها لن تتذكر أمه أنها ولدته حقا يوما… لذلك تهمة الإستقواء بالأجنبي أصبحت اليوم وفي عالمنا العربي أبشع التهم المعروضة علي رفوف حكوماتنا الفاضلات وعلي راحة حكامنا الأكارم… بمناسبة مناقشة لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومقرها جنيف قضية تقدم بها الأقباط ضد الحكومة المصرية ومفادها عدم إحترام حقوقهم وهذا قبل أن تتبدل اللجنة لتصبح مجلسا أمميا لأن عديد الحكومات (ومنها العربية) والمتهمة من طرف جمعيات غير حكومية بالتعدي علي حقوق الإنسان أصبحت أعضاء في اللجنة وغيرت من مسارها، بثت القناة المصرية الخاصة دريم 2 (نايل سات، تردد 11900) منذ مدة حلقة من برنامج الحقيقة الذي يخرجه عماد الغول ويعده ويقدمه وائل الإبراشي… كان موضوع الحلقة الأقباط والإستقواء بالأجنبي . قبل أن نعرض للبعض من حيثيات البرنامج كما تلقيناها، إسم البرنامج وموضوع الحلقة يستدعيان بعض الملاحضات أهمها أنه من الغرابة وما يعبر عنه بـ الغش الإعلاني أن يكون عنوانا تلفزيا الحقيقة لأن يقيننا اليوم أن الحقيقة، مهما كانت، هي نسبية وملونة بالزاوية التي ينظر منها إليها كقول المثل الفرنسي القديم حقيقة هي ما قبل جبال البيريني وخطأ ما وراءها . ثانيا، طرح مثل هذه المواضيع دون أن يحاط بكل المحاذير حتي لا يتعدي – ضمنيا ولدي المشاهد في عقر داره وفي خلوة مع ضميره – حدود المناقشة الحرة المفترضة قد يصب في وادي التخوين ومعاداة الوطن، لهو من الخطورة بمكان إذ ما زلنا، كمجتمعات عربية، نجر وراءنا مخلدات الفكر القبلي الحديدية لحد أننا أصبحنا أساتذة في مادة التخوين إن وجدنا واحدا منا لا يؤمن بما نؤمن. وهذه ميزة تنضاف إلي الميزات الأخري… ده حصل في المريخ مش في مصر مع المعد ـ المقدم، حضر البرنامج من جهة الإتهام الكاتب السياسي طلعت رميح والمحامي القبطي لبيب معوض القريب من الكنيسة المصرية. من جانب الدفاع حضر محام قبطي آخر ومن سويسرا كان الإتصال هاتفيا بالسيد عدلي أبادير الذي قدم علي أنه العقل المدبر للقضية المقدمة ضد الحكومة المصرية أمام لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وإن كان هذا الأخير صلبا وفولاذيا في إتهاماته بمعني أنه لم يترك الباب مفتوحا لأي بصيص أمل في المراجعة (وليس التراجع) كقوله نحن مظلومين ونريد أن نأخذ حقوقنا (…) أحنا كذابين، تعالوا قولوا : ده حصل في المريخ وما حصلش في مصر (…) وإذا لم تحل المشاكل في الداخل سأشعلها نارا. إلغوا التعصب الهميوني وسنقفل الموضوع فإن الجانب الآخر ذهب هو كذلك إلي أقصي حدود الإتهام والتخوين. كان الكاتب السياسي طلعت رميح سجاليا كما لو كان في قبة البرلمان أو في إحتفال إنتخابي… يكفي أنه عرج في إتهاماته علي أمريكا ودارفور ليقول بأن القضية أصبحت تنسيقا كاملا بين حركة التمرد والسفير الأمريكي وأن دارفور ليست مسألة عرقية ولا دينية لأن 95 في المئة من متساكنيها هم من المسلمين (؟). واعتبر أن هذا الفعل يفتح باب التدخل السياسي من هذه اللجان. لجان دولية لم تكن في مصلحة الأمة علي الإطلاق وذكر بلجنة مخيم جنين التي وصفها بأنها لعبة أمريكية ـ صهيونية . ثم دق المسمار بقوله لا يمكن لأي إنسان وطني أن يلجأ إلي هذا الأسلوب لأنكم ذهبتم بالقضية إلي من هم أعداء الوطن. وهكذا إنغلق الفخ. فخ الخيانة وتهمة الإستقواء بالأجنبي .مثل هذا المنطق ـ وهو منتشر كالعدوي بين الحكام العرب الذين يرون قرب زوال حكمهم دون أن نعرف من سيرثهم ـ منطق منحرف يطيح بجرة قلم بـ الحق في المقاومة أو الحق في الإنتفاضة وهما حقان مؤمنان في المواثيق الأممية وحقان شرعيان ما دام الفضاء العام عندنا محكم الغلق وأبواق السلط تحرض علي التخوين والحريات الفردية والاساسية تعطي بالقطارة. وبالتالي كل من لا يصفق للإنجازات تصديقا لوحي القائد ـ الحاكم بأمر قبيلته وشلته وطبقته هو خائن للوطن. وكما يقول بيت من أبيات نشيد وطني ولا عاش في (ضعوا هنا إسم البلد الذي تريدون) من خانها … إن مسألة الأقباط عوض أن ينظر فيها من طرف الحكومة المصرية نظرة مساواة بين جميع المواطنين، تركت فتعفنت لتصبح حصان طروادة . والخطأ لا يقع علي من أدخل الحصان المدينة بل علي من جعل خدعة الحصان ممكنة. لقد أجاب مرة فهمي هويدي في أكثر من رأي لسامي حداد حول موضوع الأقباط أنه في الأساس موضوع ديمقراطية وموضوع حريات، وكتب صديقي جمال الغيطاني في عدد سابق من أخبار الأدب حول الأقباط والمسلمين في مصر أنه ولي زمن الهلال مع الصليب وانتهت علامات ثورة 19. هذه نتائج جد مؤلمة لأن بذوبان الأقلية وبتهمتي التعامل مع السفارات و الإستقواء بالأجنبي تضمحل الحريات ويضيق الفضاء العام لتصبح كل طروحات الحكومات العربية حول التعددية والديمقراطية وما شابههما طروحات خاوية، كاذبة وخدعة لن تنطلي علي أحد. وهي السبب الأول والرئيسي في جلب حصان طروادة .ّ الديمقراطية ملازمة للشرك قناة كوثر (هوتبورد، تردد 12437) أعطتنا مؤخرا درسا في مفهوم الديقراطية، درس جعلني أعيد مراجعة معارفي الأكاديمية فيها وأعيد فتح الكتب من جديد لعلني أهتدي إلي تعريف يؤكد ما سمعته في برنامج معا علي الهواء بحضور أستاذ بالحوزة، الأستاذ عبد الكريم آل نجف. لن أعلق ولن أستشهد ولن أناقش ولن نخدم دماغي (بالشدة علي الدال الأولي). سأكتفي بذكر البعض القليل مما سمعت ليلتها. هاكم: الديمقراطية إختراع العقل البشري المنقطع عن السماء وهي تطبق علي الآخرين بحسب المصالح. فهي كالسرقة التي لا تصح لا علي المسروق ولا علي السارق (…) الديمقراطية نشأت مع المبادئ الأرضية وحينما كان الفكر السفسطائي منتشرا في أثينا. والفكر الديمقراطي ملازما للشرك والنسبية. حينما ظهرت الديانة المسيحية، سقطت الديمقراطية. إنها قدر الإنسان القوي المنقطع عن السماء في خكم الضعيف ولا أقصد المسيحية كدين مهذب ومستقيم … الإنسان له طبع أولي وطبع ثاني. ألأولي مع الله. وحينما يعيش في نظام طاغوتي، ينشأ لديه طبع ثان. الطبع الأول ضد الحيف والثاني مع الخيف وحينما يظهر النبي، سيكون في مواجهة مع الطبع الثاني الذي ستؤمن به الأكثرية. الطاغوت إنسان أو فئة أو طبقة أو جماعة يحكم بشهواته إستنادا علي مبدأ القوة والرأسمالية. الأكثرية تؤيده بحكم الطبع الثاني. إنها الطاغوت… الراسمالية الأمريكية تسيطر علي صندوق الإنتخابات من خلال الإنحلال الأخلاقي والفضائيات والعنصرية (…)بعد هذا القليل من تهمتي التحالف مع السفارات و الإستقواء بالأجنبي ، بعد هذين المثالين مما تزرعه يوميا فضائيات رجعية بأتم معني الكلمة، ألا ترون بأننا أصبحنا نبيع القرد ونضحك علي شاريه متناسين أن من إشتراه هم نحن معشر العرب؟ لا حول ولا قوة إلا بالله… أليس من حق غربان الشك أن تحلق في سماء ما بين المحيط والخليج؟ جملة مفيدة: إني لا أريد إرشاء الشيوخ. أريد شراءهم . هوارد هيودجس في فيلم ربان الطائرة للأمريكي مارتن سكورسيزي.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]