درس من الصين لايران في الحوار مع امريكا

حجم الخط
0

درس من الصين لايران في الحوار مع امريكا

د. سعيد الشهابيدرس من الصين لايران في الحوار مع امريكالم يتضح بعد أفق المفاوضات المزمعة بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والولايات المتحدة الامريكية، بل سعي الطرفان للتعتيم علي تفصيلاتها وفضلا التحدث بلغة تحتوي علي دبلوماسية واضحة، ولا تخلو من لغة التخاطب المعتادة بين الطرفين التي يطغي عليها الغمز واللمز والاتهام. ويمكن القول ان هذه المفاوضات ربما تكون الاكثر تعقيدا وصعوبة في تاريخ العلاقات بين البلدين، كما انها ليست الاولي بين واشنطن وطهران، فقد سبقتها مفاوضات عديدة في مراحل سابقة وبانماط متباينة. ففي أزمة دبلوماسيي السفارة الامريكية في طهران، قامت الجزائر بالوساطة بين الطرفين، ونجم عن ذلك اطلاق سراح الدبلوماسيين عشية خروج الرئيس جيمي كارتر من البيت الابيض بعد فشله في الانتخابات الرئاسية لأسباب من اهمها ازمة السفارة. وفي ذروة الحرب العراقية ـ الايرانية حدثت مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين طهران وواشنطن، وقيل وقتها ان روبرت مكفارلين، مستشار الامن القومي دخل في مفاوضات مع ايران ادت الي تزويد طهران ببعض الصواريخ في مقابل اموال وجهتها ادارة الرئيس رونالد ريغان لدعم قوات الكونترا التي كانت في حرب عنيفة مع النظام السانديني في نيكاراجوا. جاء ذلك في اثر قرار من الكونغرس في 1983 بمنع وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) او اية جهة امريكية عن تقديم الدعم لقوات الكونترا. فجاءت الصفقة مع ايران لتجاوز قرار المنع الصادر عن الكونغرس. وتمت مفاوضات اخري غير مباشرة بين الطرفين في وقت لاحق حول الاموال الايرانية المجمدة لدي الولايات المتحدة منذ قيام النظام الاسلامي بطهران في 1979. كانت تلك الممتلكات تقدر في بداية الامر بثمانية مليارات دولار، ولكنها تضاعفت بمرور الوقت، وما تزال تلك الاصول مجمدة وان كانت واشنطن قد دفعت بعضا منها بعد قرارات قضائية من المحاكــــم الامريكية.ان استمرار المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين يشير الي عمق العلاقات التي تربط البلدين قبل الثورة الاسلامية التي قادها الامام الخميني ضد نظام الشاه في 1979، وصعوبة تفكيكها الا من خلال التفاوض. وعلي مدي الفترة الماضية منذ 1979 بقي الطرفان علي طرفي نقيض ازاء كافة القضايا موضع اهتمام البلدين، ولم تضمر مساحات الاختلاف بمرور الوقت، بل ازدادت توسعا وتعقيدا. فالايرانيون يعتبرون الامريكيين داعمين لنظام الشاه حتي النهاية، وشركاء في سياساته القمعية والاقتصادية، وبالتالي فعليهم الاعتذار للشعب الايراني عما فعلوه، كما ان عليهم التوقف عن التدخل في شؤونهم الداخلية والتخلي عن السعي لاسقاط النظام، ومن ذلك تخصيص 75 دولارا لدعم المعارضين للنظام قبل بضعة شهور. اما الامريكيون فينظرون الي ايران كدولة اسلامية دينية توفر دعما معنويا علي الاقل للمجموعات والاتجاهات المناوئة للهيمنة الامريكية في المنطقة، وتتبني سياسات تتناقض مع المصالح الامريكية، وان موقفها الرافض للاعتراف بالكيان الاسرائيلي يتناقض تماما مع السياسة الامريكية الداعمة بدون حدود لقوات الاحتلال الاسرائيلية. وعلي مدي اكثر من ربع قرن استمر التوتر في العلاقات بشكل تصاعدي مروع. ولم تهدأ المهاترات الا خلال ازمة الكويت، حيث التزمت ايران موقف الحياد في الحرب التي شنها الحلفاء ضد العراق لاخراج قواتها من الكويت. طهران كانت في موقف حرج، فهي لا تريد دعم نظام صدام حسين، ولا ترغب في مشاركة الولايات المتحدة في خلافاتها مع العراق، فالتزمت موقفا حياديا خلال الازمة. وبصعود الرئيس الايراني الحالي، أحمدي نجاد الي رئاسة الجمهورية الاسلامية ازداد الوضع توترا بين واشنطن وطهران، علي خلفية الخلاف بين واشنطن وطهران حول المشروع النووي الايراني، وهو خلاف بدأته واشنطن قبل اربعة اعوام، واثارته علي كافة المستويات والدوائر الدولية. لقد كان أمرا مفاجئا الاعلان، علي لسان الدكتور علي لاريجاني، عضو مجلس الامن القومي، عن رغبة ايران في الدخول في تفاوض مع الولايات المتحدة حول الوضع في العراق. وربما جاء ذلك باقتراح من بعض الرموز السياسية العراقية بعد ان بدا عجز واشنطن عن السيطرة الامنية علي الوضع في ذلك البلد. فالحرب الانكلو ـ أمريكية فشلت حتي الآن في احتواء ظاهرة الارهاب التي تفاقمت بشكل خطير، واصبح الشعب العراقي يدفع ثمنها بسقوط اكثر من خمسين قتيلا يوميا. الامريكيون وجدوا في العرض الايراني فرصة للدخول في تفاوض حول الوضع العراقي مع ايران، بعد أكثر من ربع قرن من العداء. ويبدو ان الايرانيين يسعون من هذا التفاوض لتحقيق عدد من الامور: اولها المساعدة وتقديم الدعم للعراقيين خصوصا في المسألة الامنية، ثانيها التعرف علي نفسية الامريكيين وأفق عملهم السياسي وتطلعاتهم الاستراتيجية بشكل مباشر وليس عبر وسطاء. ثالثها: توسيع دائرة التفاوض ليشمل المشروع النووي الذي وصل الي طريق مغلق. وتجدر الاشارة الي ان واشنطن اصبحت تدرك اكثر من اي وقت مضي عدم قدرتها علي فرض القرارات الدولية التي تريدها بدون توافق من الدول الاعضاء بمجلس الامن الدولي. فبرغم سياسات التهديد والوعيد والترغيب، لم تستطع تحقيق نصاب يضمن لها نجاح مساعيها المتواصلة لاستصدار قرار دولي عن مجلس الامن يهدد ايران بفرض عقوبات اقتصادية. والواضح ايضا ان بريطانيا ما تزال مهندسة القرارات الدولية، وانها قادرة علي اقناع واشنطن بالموافقة او الرفض علي اي من مشاريع التقارير التي تقدم لمجلس الامن الدولي. وفي الايام القليلة الماضية تواصلت الضغوط الغربية علي كل من روسيا والصين للموافقة علي مشروع قرار أعدوه ضد ايران، يهدد بالحصار الاقتصادي اذا لم تتوقف ايران عن مشروعها النووي، او علي الاقل وقف عمليات التخصيب التي بدأتها ايران في منشآت ناتنز بعدما تأكد لها تلكؤ واشنطن في تقديم بدائل عملية للتخلي عن التخصيب. ولكن بالرغم مما قيل حول التفاوض الامريكي ـ الايراني المختص بالنظر في المسألة العراقية، فان احدا لا يصدق ان ينحصر التفاوض في هذا الموضوع، في الوقت الذي يجتمع فيه اعضاء مجلس الامن بشكل متواصل علي امل استصدار قرار يدين ايران. وربما تأمل ايران في ان يكون التفاوض حول العراق مدخلا لتفاوض بعيد المدي مع الولايات المتحدة الامريكية حول مشروعها النووي، وهو امر مستبعد تماما. فواشنطن لن تقبل بذلك المشروع، بل ستبذل قصاري جهدها للقضاء عليه، خصوصا في ضوء التراجعات السياسية لسياساتها في المنطقة والعالم، وصعود التيار الاسلامي في الدول الاسلامية بوتيرة مغايرة لتوقعاتها. وحتي في العراق الذي قامت باسقاط نظامه، اصبحت تواجه واقعا سياسيا لم تتوقعه، بصعود الاسلاميين الي السلطة وفشل المحسوبين عليها. ولذلك فهي لا تكف عن ممارسة الضغوط علي العراقيين لمنع استقرار البلاد في ظل حكومة يتميز اغلب افرادها باسلاميتهم. وثمة اعتقاد بان التداعي الامني في العراق انما هو بتشجيع من قوات الاحتلال لايصال الشعب العراقي الي حالة اليأس والغضب بسبب استمرار الاعمال الارهابية، والقبول بدور امريكي اكبر في العملية السياسية. وما حادثة الاعتداء الامريكي هذا الاسبوع علي احد المساجد الشيعية وقتل اكثر من ثلاثين شخصا الا حلقة في مسلسل الشد والجذب الذي تمارسه واشنطن مع الاتجاهات السياسية العراقية. وثمة حقائق يجدر بالايرانيين ان تكون واضحة امامهم. اولها ان القضاء علي مشروعهم النووي هدف استراتيجي امريكي تحركه الاصابع الصهيونية بشكل واضح، ثانيها: انهم اذا كانوا يهدفون لكسب بعض الوقت في ما يتعلق بالتحركات حول المشروع النووي، فان الامريكيين يصرون علي التوصل لموقف دولي من خلال مجلس الامن الدولي يسمح لهم بالتدخل العسكري لاحقا فيما لو اخفقت محاولات اقناع ايران بوقف مشروعها، ولم تتوقف اتصالاتهم باعضاء مجلس الامن خصوصا روسيا والصين لحثهم علي التخلي عن معارضتهم الخطة الامريكية. ثالثها: ان امريكا لن ترضي عن ايران يوما، حتي لو اذعنت لمطالبها. فليبيا التي اقدمت علي خطوتين غير مسبوقتين في العامين الماضيين، ما تزال علي القائمة الامريكية للدول الراعية للارهاب. الخطوتان هما التخلي عن المشروع النووي بشكل كامل وتقديم كافة الوثائق والمتعلقات بشكل رسمي الي واشنطن، والاعتراف بمسؤوليتها عن حادثة لوكربي ودفع ما يقرب من ثلاثة مليارات دولار لعائلات الضحايا الامريكيين. ويتوقع ان تشمل القائمة الامريكية التي ستصدر الشهر المقبل ليبيا وكذلك السودان كدولتين راعيتين للارهاب الدولي، برغم كل ما قدمتاه من تعاون لواشنطن. ثالثا: ان الولايات المتحدة سائرة في طريق محاصرة الجهات الاخري الرافضة لسياساتها مثل حماس وحزب الله. فقد جمدت الخزانة الامريكية أموال محطة المنار الفضائية التلفزيونية واذاعة النور والشركة الأم وهي المجموعة اللبنانية للاعلام قائلة انها سهلت أنشطة حزب الله الذي تعتبره وزارة الخارجية الامريكية منظمة ارهابية. ويحظر الاجراء الذي اتخذته وزارة الخزانة التعامل بين الامريكيين والمنظمات المصنفة علي انها إرهابية بالاضافة الي تجميد أي أصول قد تكون لهم لدي جهة خاضعة لولاية القانون الامريكي. وفي الوقت نفسه بدأت واشنطن التحرك ضد حزب الله في لبنان للتخلي عن سلاحه، وذلك في اطار السياسة الامريكية لتهميش كافة القوي التي تعارض سياساتها في المنطقة، ولضمان حماية امن اسرائيل بشكل اكبر. كما تتحرك واشنطن لمحاصرة حركة حماس التي اعلنت حكومتها الاسبوع الماضي وأكدت التزامها بسياساتها التي انتخبها الفلسطينيون علي اساسها، وقد تضغط علي ايران للتوقف عن دعم هاتين الحركتين كشرط لمواصلة الحوار، والتوصل الي نتائج فضفاضة. ثمة من يعتقد ان امريكا ربما قررت القيام بمفاصلة تدريجية مع الكيان الاسرائيلي والتوجه للتعاون مع الدول الاسلامية، ابتداء بايران. وهذا تبسيط لمسألة معقدة وتاريخ طويل من التلازم السياسي بين واشنطن وتل أبيب. والتقارب مع الهند وتوقيع اتفاقات نووية معها، يكشف جانبا مهما من الاستراتيجية الامريكية في العالم، وهو استعداد واشنطن للتعاون مع كافة دول العالم علي حساب علاقاتها مع الدول العربية والاسلامية، وان اية علاقات مع هذه الدول منوطة بتطوير العلاقات مع اسرائيل وازالة كل ما يمكن ان يضر بالمصالح الاسرائيلية وامن الكيان الصهيوني. مشكلة الولايات المتحدة انها لا تريد ان تعترف باخفاقاتها السياسية والعسكرية والامنية. وكما ذكرت البارونة شيرلي ويليامز الاسبوع الماضي، في حديثها خلال النقاش البرلماني حول الاسلام والغرب بالبرلمان البريطاني، فان الغرب لم يتدخل لوقف الحرب بين العراق وايران، بل دعم العراق لاطالة امد الحرب، وانه لا يعترف بدور ايران في مواجهة حركة طالبان، ولا ينظر بموضوعية الي مغزي طلب السفير الامريكي في بغداد مساعدة ايران للمساعدة لمنع الحرب الاهلية في العراق . ولا شك ان تدخل بعض الزعامات العراقية قد فتح المجال امام واشنطن لبدء حوار مع ايران، ولكن نجاح ذلك الحوار او فشله يتوقف علي مدي استعداد الطرف الامريكي للاعتراف بالاخطاء التي ارتكبها في مناطق كثيرة خصوصا في العالم الاسلامي، والتي أدت الي عزلة واشنطن علي مستوي شعوب العالم. وليس معلوما بعد ما اذا كانت اللهجة التصعيدية التي استعملها الرئيس الايراني احمدي نجاد بعد فوزه العام الماضي في الانتخابات الرئاسية، عاملا في احداث بعض التغيير في ذهنية الساسة الامريكيين؟ ام ان التصعيد من الجانب الايراني كان تكتيكا للدخول في الحوار مع الشيطان الاكبر الذي كان يعتبر من الممنوعات منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران. المرشد الاعلي للثورة الاسلامية، آية الله العظمي السيد علي خامنئي، اشار الي ذلك في خطابه بمناسبة عيد النوروز الاسبوع الماضي بقوله: إذا كان ذلك يعني فتح المشهد للامريكيين الماكرين للاستمرار في استفزازهم، فإنه سيتم منع المفاوضات معهم بشأن العراق . وقال إن الاجتماع مع الامريكيين سيمكن طهران من إبلاغ واشنطن بأن عليها الرحيل من العراق والسماح للعراقيين بحكم أنفسهم بلا عوائق. الحوار المزمع بين طهران وواشنطن يمثل تحديا لطرفين يقفان علي طرفي نقيض منذ اكثر من ربع قرن، ويتبادلان الاتهامات بلا حدود، ولا يخفيان العداء أحدهما للآخر. انه مفاجأة الموسم كما يقال، ويمكن اعتباره أكبر انقلاب في الدبلوماسية الامريكية منذ زيارة نيكسون للصين في 1972، في ذروة الحرب الباردة. والحوار المزمع مع طهران، يأتي ايضا في ذروة حرب باردة لم تتوقف بين الجانبين. زيارة نيكسون كانت بداية المشاكل للصين، ولكنها لم تسقط امام امريكا، بل صمدت في سياساتها وحققت لنفسها تطورا اقتصاديا وسياسيا اصبح يقلق الولايات المتحدة نفسها. وبامكان ايران الاستفادة من الدرس الصيني الكثير، وذلك بتحديد اهداف الحوار بشكل واضح، واجبار الطرف الآخر علي التعامل بالمثل، والتعاطي بشفافية مع القضية، وعدم تقديم تنازلات غير مدروسة. ويمكن القول ان ايران، بقرارها التحاور مع امريكا، تعرض نفسها لمخاطر كبيرة، يحتاج الخروج منها لحنكة وثبات ووضوح ووحدة موقف. وكما يقال، فرب ضارة نافعة. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية