دروب المعاناة في رواية «الفصل الخامس» للمغربية أحلام لقليدة

موسى إبراهيم أبو رياش
حجم الخط
0

ينساب السرد بهدوء في رواية «الفصل الخامس» للمغربية أحلام لقليدة، ولكنه هدوء خادع، هدوء يجذب القارئ إلى أعماق النفس البشرية، ويوغل في جراحها وآلامها، دون أن تلجأ الرواية إلى الصراخ والعويل واللطم وشتم الآخر، فهي تصور معاناة الشخصيات ودروب آلامها، وتترك للقارئ أن يحكم بنفسه، فالرواية لا تُحاكم وليس هذا هدفها، وإنما تريد أن تُشَخّصَ بؤر الظلم المترسخ في الموروث المجتمعي، خاصة القبلي منه، والموجه معظمه إلى الأنثى ولا يسلم الرجل من آثاره، في سبيل خلق وعي عام، وتشكيل تيار رافض لهذه الممارسات؛ من أجل إحداث التغيير المنشود لسلامة المجتمع من التشوهات التي تفسد الحياة، وتتوارثها الأجيال، خاصة في الأرياف؛ موطن القبائل والعائلات في قراها بمعزل – في الغالب – عن الآخرين، حيث تسود الأعراف والعادات، وتعلو على القوانين المدنية وحتى الشريعة الإسلامية.
«الفصل الخامس» نوفيللا جاءت في 117 صفحة، وصدرت في مدينة طنجة عن دار سليكي أخوين عام 2024. وهي الرواية الثانية للكاتبة بعد روايتها الأولى «راعية الذئاب»، ومجموعاتها الشعرية «أجراس السماء»، و«رحى الأحلام»، و«هجير المعاني». وركزت الرواية على ضحايا الأعراف الاجتماعية من النساء والرجال، مثل الزواج الجبري، وقضايا الميراث، والتّزوّج من زوجة الأخ بعد وفاته، وغيرها. كما أشارت إلى قضايا ومشكلات أدبية وثقافية واجتماعية مختلفة، بالإضافة إلى التعسف الوظيفي وتأثير جائحة كورونا.
دروب المعاناة
الشخصية الرئيسة في الرواية هي «راوية» فتاة المدرسة التي أُجبرت، بعد وفاة والدها فجأة وزواج أمها من عمها، على الزواج من شاب لا تعرفه، وخرجت معه من قريتها المعزولة إلى باريس في نقلة كبيرة ونوعية، وتحمّلت نزواته وانحرافاته وقذارته، بعد أن اشترطت بذكائها أن تُكمل تعليمها في مجال الإعلام، واستطاعت الطلاق منه إثر تعرضها للعنف، وتخلصت منه، وتفرغت لعملها. أثناء دراستها وعملها وقراءاتها وجلسات العلاج والبوح، تعرفت «راوية» على قصص الآخرين، التي تتقاطع مع معاناتها، وعلمت أنها جزء من كل يعاني ويتألم، وربما خفف هذا عنها، خاصة بعد أن استمعت إلى قصص معاناة الرجال، وعلمت أن الظلم المجتمعي يطال الجميع، وإن كان أكثره على المرأة، بحكم ضعفها وأعراف المجتمع القبلي التي تحكمها. معاناة «راوية» من العم والأم والجدة والزوج، لم تدفعها للتجاوز على الآخرين، بل تعاملت معها كقضية فردية بالنسبة لها، فلم تتحوّل إلى قاضٍ أو جلاد، بل حاولت أن تعيش يومها بحيوية وانطلاق، بمعزل عن أمسها المؤلم. صحيح أنها لا تستطيع أن تنسى، ولكن تحاول أن تتناسى، وتتذكر والدها وحبه وحنانه وحكمته، وجدها وحكاياته الطريفة، ما مكنها من أن تعيش بالحد الأدنى من المعاناة والألم.
وما بين معاناة «راوية» الداخلية ومعاناة الآخرين وحكاياتهم المؤلمة، جاء السرد الروائي رائقا سلسا ممتعا، دون ملل، على الرغم من خلوه نسبيا من الأحداث الصادمة والتقلبات، فليس شرطا أن يلجأ الكاتب إلى الإثارة لجذب القارئ، فحنكته في السرد تكفي لأن يستولي على انتباه واهتمام القارئ من البداية إلى النهاية، وأحد أهم عوامل نجاح الرواية ألا يهم القارئ لحظة بتركها ووضعها على الرف.
معاناة جمعية
خلاصة المعاناة، أن الكل ضحايا أعراف المجتمع، وحتى الظالم قد يكون ضحية لظالم آخر، ووجد متنفسا فيمن هو أضعف منه، فمارس عليه الظلم؛ ليثأر لنفسه وإن ظلم الآخرين، ومن هنا، ينبغي أن يتعامل المظلوم بنوع من التسامح والتفهم والوعي مع من ظلمه، فلا يمارس عليه الظلم والعنف، وإلا دخل الجميع في دوامة ظلم دامسة تأكل الأخضر واليابس، وذكاء المظلوم – كما فعلت «راوية» – قد يخلصه من ظالمه، وفرصة أن يحقق له أحلاما لم تكن في الحسبان.
وأشارت الرواية إلى نوع آخر من الظلم والمعاناة نتيجة الخلافات بين الدول؛ فمحمد صاحب مطعم متواضع في باريس، من أب وأم أحدهما مغربي والآخر جزائري، وانعكس الخلاف بين الدولتين إلى خلاف أسري ومناوشات وتشتت، فعاش محمد رهين ثلاثة أنواع من الغربة (مغربية وجزائرية وفرنسية) عليه أن يتعامل مع كل منها دون أن يقع في فخاخها وتبعاتها. وهذه الحالة مؤسفة، ومنتشرة في كثير من الدول العربية، فما أن يقع خلاف بين دولتين، حتى ينعكس على كثير من الأسر، التي تمتّ إلى تلكما الدولتين، وقد تتمزق الأسرة بسبب خلاف لا ناقة لها فيه ولا جمل، وتؤثر أيضا على العلاقات الاجتماعية، وروابط الصداقة وغيرها من العلاقات، وعندما تتصالح الدولتان، لن تعود العلاقات الاجتماعية كما كانت، بل سيبقى شرخ وجرح لن يندمل. والأصل أن الخلافات السياسية خلافات بين أنظمة، وليست بين الشعوب، والسياسة متقلبة حسب المصالح، وينبغي ألا تتأثر العلاقات الاجتماعية بأي خلل سياسي بين الدول، فالسياسة ليس لها دين، ومن الظلم أن تتحمل الأسر والمجتمعات تبعات خلافات سياسية آنية.

معاناة المبدع
تناولت الرواية جانبا من معاناة المبدع وقضايا الإبداع، فالمعاناة توحد جميع الذين يعانون وإن اختلفت الأسباب. تذكرت «راوية» مقولة لروبرت فروست، تقول: «عندما لا يبكي الكاتب، لا يبكي القارئ، وعندما لا يتفاجأ الكاتب لا يتفاجأ القارئ»، وهي مقولة تؤصل لحقيقة أن يكون الكاتب على سجيته غير متكلف، وأن نصه إن لم يبهره لن يبهر قارئه، وإن لم تنهمر دموعه أثناء كتابته، فلن يتأثر القارئ، وبالتالي فإن كتابته مجرد لغو لا قيمة له. وهذه المقولة تتقاطع مع مقولة إدواردو غاليانو في كتابه «كلمات متجولة»، حيث يقول: «أنا لا أطلب منك أن تصف سقوط المطر، أنا أطلب منك أن تجعلني أتبلل. فكر بالأمر أيها الكاتب، ومرة واحدة في حياتك كن الزهرة التي تفوح بدلا من أن تكون مؤرخ العطر. ليس هناك متعة كبيرة في كتابة ما تعيشه. التحدي هو أن تعيش ما تكتبه». وفي موضع آخر تذكر الرواية معاناة الكاتب «تيراب» مع شخصيات رواياته التي يكتبها، فقد صرح في إحدى مقابلاته «بأن شخصيات رواياته تظل تسكنه لمدة طويلة قبل أن ترحل تباعا، حسب تأثيراتها على نفسيته ومدى قربها أو بعدها من شخصيته وقناعاته الفكرية والأيديولوجية، التي غالبا ما تؤجج الصراع بينه وبين تلك الشخصيات، منها ما تجسد واقعا عايشه وشهد فرحه وتعاسته، فشله ونجاحه. فالكاتب في نظره ليس ممثلا يجسد دورا، بل يخلق أدوارا وشخصيات وأحداثا. وليس محللا نفسيا وظيفته حسن الاستماع أو شاهد عيان وقتي، أو مفكرا.. فهو كل هؤلاء جميعا. تسكنه الشخصية ويسكنها؛ امرأة عاهرة كانت أو عفيفة، عاشقا أو قاتلا، غنيا أو فقيرا، حاكما أو محكوما، يتفاعل معهم ويتعايش مع كل منهم حسب طبيعته ووظيفته في النص، الحياة الثانية لشخصيات يعرفها وأخرى لا يعرفها إلى أن تنتهي مهامها. صراع مفتوح غالبا ما يبلغ حد القطيعة أو يخلق تحولا جديدا في مسار هذه الشخصية أو تلك». فالمبدع الحقيقي لا المتكلف هو الذي يتماهى مع شخصيات رواياته، ويتفاعل معها، ويراها رأي العين، ويحلم ويهلوس بها، ويخاصمها، ويشاركها مشاعرها، وتكون جزءا حقيقيا من حياته أثناء كتابتها وبعدها بأيام وأسابيع وربما بشهور، وقد يشعر بآلام الفقد والغياب.

وتؤكد الرواية حقيقة أن الإبداع ليس نتاج دراسة «فكليات الآداب لا تنتج أدباء ولا شعراء بالضرورة، الشيء نفسه بالنسبة لمعاهد الفنون، فليس كل من تخرجوا منها يمكن اعتبارهم فنانين ومطربين وممثلين، وإن كانوا ملمين بقواعدها ومساراتها التاريخية ومناهجها الحديثة، ولذلك فإن الموهبة والانخراط فيها بتفاعل العاشق المحب يضفي عليها وزنا وقيمة مضافة، خارج نطاق المتوقع، وتلك أبرز سمات الإبداع والابتكار، التي تتمرد على القواعد الحسابية التي تتقيد بالمنطق المتعارف عليه». وهذا للأسف ما سبب الخلل في بعض مجالات الأدب، عندما توهم بعض خريجي الأدب أنهم روائيون وقاصون ونقاد، وأفردت لهم المنابر بتأثير ألقابهم الأكاديمية، فأفسدوا الذائقة، وأوهموا أنهم الأصل والمنظرون، وبهم يُقتدى ويُهتدى، وما هم إلا داء وبيل، وعالّة على الأدب.
وبعد؛ فإن «الفصل الخامس» للأديبة المغربية أحلام لقليدة، رواية كتبت بلغة جميلة معبرة، وبروح إنسانية إيجابية، تُشَخّصُ ولا تحكم، تدعو للتغيير بروية وحكمة بعيدا عن الاتهامية والتصيد والشيطنة. ومع أن الرواية قصيرة، إلا أنها قالت الكثير، دون حاجة للتشعب واختلاق الأحداث والحكايات. ولعل هذا النوع من الروايات هو الأقرب لقارئ اليوم، حيث تتناول قضايا إنسانية محسوسة، يجد القارئ نفسه أو بعض معارفه في شخصية من شخصياتها، فيتفاعل معها، ويتماهى مع أحداثها.

كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية