قبل ربع قرن، في 13 أيلول، وقف إسحق رابين وشمعون بيرس في ساحة البيت الأبيض، ووقعا على إعلان مبادئ بشأن تسوية انتقالية مع منظمة التحرير الفلسطينية. بيل كلينتون دفع رابين نحو عرفات كي يصافحه، وهذا المشهد المعيب وقع دون أن تقر الكنيست، المحفل المنتخب، الذي يمثل عموم الجمهور، مضمون الاتفاق مسبقًا. لم يعرف الجمهور الخطوات التي سبقت احتفال التوقيع أو مضمون الرسائل التي تم تبادلها بين رابين وعرفات؛ كما أنه لم يعرف أن من شأن إعلان المبادئ أن يمس بحيازة الشعب اليهودي في بلاد إسرائيل.
في الكنيست، كما أسلفنا، لم يجر أي نقاش. الجيش الإسرائيلي لم يعرف مسبقًا ما سيحصل. الكابنت السياسي الأمني لم يكن موجودًا في حينه، وبالتالي كان يمكن ليوسي بيلين، الذي كان في حينه نائب وزير الخارجية، أن يخادع رئيس الوزراء وأن يشرع في اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، تلك التي أقيمت قبل حرب الأيام الستة بكثير، وكان هدفها المعلن «تحرير» كل الأرض التي غرب الأردن. وهذا ما حصل: فور الاحتفال البائس في واشنطن، عاد عرفات مع آلاف المخربين إلى قطاع غزة الذي انسحب منه الجيش الإسرائيلي، ودماء مئات اليهود بدأ يسفك على رؤوس الأشهاد. مدننا تحولت، لأول مرة منذ حرب التحرير، إلى ميدان قتال. رابين، الذي بدأت كل الخطوة الحقيرة هذه دون علمه، سارع إلى تهدئة الجمهور، وأعلن في مقابلة مع التلفزيون بأن عرفات سيقاتل الإرهاب «بلا العليا وبلا بتسيلم». كما تحدث ضد منظمة «أمهات ضد الصمت». هذه الأقوال الغريبة أظهرت لكل من كان بحاجة لإثبات أن زعيم معسكر اليسار يتبنى ما بدا لي كدكتاتورية تقترب من الفوضى السلطوية. فاستخفافه بالجهاز القضائي لم يثر كما كان متوقعًا، حفيظة كل أولئك الذين يتحفزون اليوم ضد كل فعل تشريعي يتم علنًا وبشكل ديمقراطي. التحقير الذي كان يكنه رابين لمنظمات الاحتجاج، مثلما للمستوطنين، تتميز به حسب رأيي الأنظمة الاستبدادية.
لقد انهارت اتفاقات أوسلو عمليًا، ولكن في المعسكر العبثي، الذي يتنكر للإجراء الديمقراطي، ما بعد الصهيوني، ذاك الذي يريد إلغاء تميز إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، يواصلون الادعاء بأن من يمس بالقيم الديمقراطية هم بالذات قادة الحكم الحالي. لا توجد ازدواجية أخلاقية أكبر من هذه. كل خطوة عسكرية أو سياسية تبحث حتى آخر التفاصيل؛ سواء كان ذلك في المحافل الرسمية كالكابينت السياسي الأمني، وفي مجلس الأمن القومي، وفي هيئات الاستخبارات المختلفة أم في الكنيست. لم تعد توجد ظواهر بشعة بقدر ما كانت عليه تلك التي انكشفت في العهود السيئة لحكومة رابين ـ بيرس، وبعد ذلك في حكومة باراك. عن آلاف القتلى الذين أحصوا منذ وقعت اتفاقات أوسلو، من خلف ظهر المواطنين، لم يأخذ أحد المسؤولية، ولم تتشكل لجان تحقيق. اغتيال رابين لم يقطع شيئًا. العرب هم الذين لم يرغبوا في المساومة مع الحركة الصهيونية. ونظرية المراحل كانت دومًا هي التي توجه خطاهم. هم الذين رفضوا على مدى السنين اتفاقات الحل الوسط. قبل الحرب العالمية الثانية أعطيت لهم الإمكانية لإقامة دولة، ولكن مفتي القدس فضل الارتباط بالنازيين. هناك من يرون فيه أحد المسببات لكارثة يهود أوروبا.
إذن ها هو السيناريو الأكثر احتمالًا: دولة فلسطينية لن تقوم؛ لا في يهودا ولا في السامرة. الدولة اليهودية ستبقى إلى الأبد الوطن القومي للشعب اليهودي. الحائط الحديدي الذي تحدث عنه زئيف جابوتنسكي سيبقى إلى أن يكون كل هذا مضمونًا.
حاييم مسغاف
معاريف 16/9/2018