دروس أزمة الكويت
دروس أزمة الكويتمحمد كريشان سواء انفرجت أزمة الحكم في الكويت بقبول الشيخ سعد العبد الله الصباح التنازل عن الإمارة لأخيه صباح الأحمد الصباح بعد أيام عصيبة من المواقف المتضاربة وشد الأعصاب، أو مضت الأمور إلي البرلمان حتي النهاية، يمكن للكويتيين التوقف بكثير من التدبر والإمعان لاستخلاص الدروس من كل ما جري ومعهم كثير من العرب في منطقة الخليج وخارجها وذلك بعد الاعتراف أولا بأن إدارة الأزمة الأخيرة، رغم أنها الأولي من نوعها التي تواجه هذه الإمارة الخليجية الغنية بالنفط، جرت إلي حد كبير بأسلوب به قدر لا بأس به من الرصانة والحرص علي تجنب إثارة نعرات بغيضة، علي الأقل في العلن، مع رغبة واضحة في الاحتكام إلي مؤسسة البرلمان في نهاية المطاف ليقول بيت الشعب كلمته الفاصلة إذا ما فشل بيت الحكم في ذلك.الدرس الأول أنه لا بد في بلادنا العربية من وضع حد أقصي لعمر من يفترض أن يتسلم زمام الأمور سواء في إمارة أو مملكة أو جمهورية فلا يعقل أن يكون علي رأس هرم الدولة رجل قارب الثمانين حتي وإن كان يبدو في صحة جيدة، أما إذا كان معتل الصحة، مع ما يعنيه ذلك عادة من اهتزاز صورته ومكانته، فيجب أن تكون إجراءات الإعفاء سهلة وسريعة حتي لا تمرض الدولة بمرضه وتترهل مؤسساتها وتشل مشاريعها وترحل كل قضاياها إلي يوم مقبل قد يحل بعد ساعة وربما بعد عشر سنوات. وحتي في نظام أميري أو ملكي لا يغيــب فيه رأس الدولة شيء سوي أجل الله، يمكن العثور علي آلية ما بعيدة عن الأمزجة الظرفية تكون فيها الأولوية لبقاء الكيان وليس القادة الذين غالبا ما يقدمون مصلحتهم الآنية ومصلحة مريديهم فيفصلون أي تعديل للدستور، أو نظام تداول السلطة، علي مقاسهم فلا يكون له بالتالي الهيبة والاحترام الواجبين في مثل هذه النصوص المفترض تنزيهها عن الهوي والحسابات الظرفية العابرة. الدرس الثاني أن البرلمان إذا ما كان فعلا تعبيرا صادقا عن طبيعة المجتمع والتوازنات القائمة داخله يمكن له في اللحظات المفصلية الهامة في تاريخ البلاد أن يكون الملاذ الأخير. صحيح أن برلمان الكويت والانتخابات التي أفرزته ليسا بتلك المواصفات التي نعرفها في السويد أو الدانمرك أو غيرهما من الديمقراطيات الغربية العريقة ولكنه علي أية حال انعكاس أمين إلي حد كبير لتركيبة البلاد ومستوي نضجها السياسي والاجتماعي وهو علي كل ليس معينا ولم يأت بالتزوير. ثم إن الثقة في البرلمان والنزاهة التي يفترض توفرها في أعضائه الذين اختارهم الشعب تحول دون الاحتكام إلي قانون القوة بديلا لقوة القانون فقد كان يمكن لهذه الجهة أو تلك أن تنزل الدبابات في الشوارع وتطوق المباني الحكومية الرئيسية وانتهي الأمر ولكن هذا لم يحدث لحسن الحظ رغم أن تبريرات اللجوء إليه لم تكن واهنة تماما. الدرس الثالث يكمن في أن الإعلام المحلي سواء كان رسميا أو خاصا، إذا ما كان مهنيا وتعدديا استطاع في الأوقات العصيبة أن يعكس من ناحية الآراء المتفاعلة داخل المجتمع ومن ناحية أخري أن يؤثر في صياغة الرأي العام طالما يتمتع هذا الإعلام بثقة أوسع جمهور ممكن وهي الثقة التي لا تتوافر إلا بعد سنوات من الممارسة الراقية والابتعاد عن لعب دور بوق السلطة، أو أحد أجنحتها المتنفذة، أو تلك الأدوار القذرة ضد شخصيات أو تيارات بكبسة زر ينطلق فيها الجميع كالجوقة الواحدة في حملات سباب رخيص. ومع أن الكويت ليست جنة الحرية الصحفية علي الأرض، إلا أن إعلامها تعددي إلي حد كبير والأهم بعيد عن تلك التفاهة والابتذال السائدين في أكثر من دولة عربية ولهذا تحديدا كانت له مساهمته المميزة في الأزمة الأخيرة.وربما لهذه الاعتبارات والدروس جميعا لم نشهد تدخلات دولية فجة في ما شهدته الكويت في الأيام الماضية وترك الأمر يسيره أهل البلد وفق وتيرتهم وتقاليدهم التي تسندها مؤسسات وتقاليد أتضح اليوم أن لا بأس في صلابتها.9