بغداد ـ «القدس العربي»: منذ الساعات الأولى لاندلاع النزاع الإسرائيلي الإيراني الأخير، شهدت أروقة حكومة بغداد ومجلس النواب والأحزاب، حراكا واسعا لبحث كيفية مواجهة تداعيات النزاع وآثاره الكارثية على أوضاع العراق وسط قلق شعبي واسع من احتمالات توريط البلد بهذه الحرب المدمرة، نظرا لموقعه بين الطرفين المتحاربين وطبيعة العلاقة التي تربط أحزاب السلطة في العراق، بالنظام في إيران.
ورغم قصر فترة النزاع، فقد بدأت الآثار الاقتصادية لهذه الحرب تظهر سريعا على أوضاع العراق، وخاصة الاقتصادية منها التي تشكو أصلا من أزمات ومشاكل مزمنة.
وكان أول تأثير للحرب التي استغرقت نحو 12 يوما، هو إيقاف رحلات الطيران في سماء العراق، حيث تجنبت الخطوط الجوية المحلية والدولية، المرور عبر الأجواء العراقية، التي أصبحت مستباحة من الصواريخ والطائرات المسيرة والمقاتلة لطرفي النزاع. ما دفع سلطة الطيران المدني العراقية، إلى الإعلان عن غلق الأجواء العراقية أمام جميع الرحلات الجوية القادمة والمغادرة.
وفيما أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن إغلاق المجال الجوي العراقي قد ألحق بالبلد أضرارا اقتصادية جسيمة، فإن خبراء النقل الجوي، أشاروا إلى أن العراق تكبد خسائر مالية جسيمة نتيجة توقف حركة الطيران فوق أجوائه، والتي كانت تشكل أحد موارد الدولة غير النفطية، حيث ان المجال الجوي كان يُستخدم يوميًا من قبل أكثر من 700 طائرة دولية، وأن العراق كان يحقق إيرادات مالية شهرية تقارب 9 ملايين دولار من عبور الطائرات عبر أجوائه، وقد بلغت هذه الإيرادات منذ مطلع العام الحالي وحتى الآن أكثر من 45 مليون دولار.
وفي السياق ذاته، ترتبت خسائر أخرى على إغلاق المطارات وتوقف رحلات الخطوط الجوية العراقية قاربت 5 ملايين دولار، نتيجة توقف الخدمات المقدمة للطائرات الأجنبية.
وكانت السلطات العراقية أعلنت عن سقوط العشرات من الصواريخ وخزانات وقود الطائرات المقاتلة الإسرائيلية والإيرانية التي اخترقت الأجواء العراقية في العديد من المحافظات. وذكر الموقع الرسمي للاتحاد الوطني الكردستاني، انه خلال أيام الحرب، سقط 14 صاروخا وطائرة مسيّرة في الإقليم، من دون تسجيل إصابات، كما سقطت ثلاث طائرات مسيرة في محافظة ميسان قرب الحدود الإيرانية، إضافة إلى سقوط أعداد أخرى في باقي المحافظات. وتسبب سقوط بعض تلك المقذوفات والمسيرات باندلاع حرائق وأضرار في الممتلكات العامة، إضافة إلى تعرض عدة مواقع للقوات العراقية إلى هجمات بطائرات مسيرة مجهولة تسببت بخسائر كبيرة.
غياب طرق بديلة لتصدير النفط
المخاوف الأكبر لدى العراقيين تمثلت في احتمال إقدام إيران على تنفيذ تهديداتها بغلق الخليج العربي إذا شاركت الولايات المتحدة بالحرب إلى جانب إسرائيل.
وحذر وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، في اتصالاته مع حكومات العديد من البلدان، من تداعيات التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، مشيرا إلى أن “استمرار المواجهات قد يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، وخسارة السوق العالمية نحو 5 ملايين برميل نفط يوميا، ما قد يتسبب في ارتفاع كبير في أسعار النفط”.
وبحث حسين ملف إعادة تصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية المتوقف منذ سنتين، مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدال، حيث شدد حسين، على”أهمية التسريع في التنسيق الفني والإداري لاستئناف ضخ النفط عبر ميناء جيهان التركي، بالنظر إلى الأثر الكبير لهذا الملف على الاقتصاد العراقي، في ظل التهديدات والتحديات التي تواجهها المنطقة”.
وأكد الخبراء في الشأن النفطي، أن البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط العراقي عبر الخليج العربي، مثل استخدام ميناء جيهان التركي، هو خيار غير كاف حاليا، لأن أكثر من 90 في المئة من النفط العراقي يصدر من البصرة مروراً بالخليج، وهو ما يجعل أي بديل آخر لا يعوض عنه في الوقت الحالي.
وكان النفط المصدر عبر جيهان يقتصر على إنتاج حقول كركوك، الذي يقدّر بنحو 300 ألف برميل يومياً، إلى جانب نفط إقليم كردستان، إلا أن هذا الخط يعاني من مشكلات فنية وخلافات بين بغداد والإقليم، كما لا توجد بنية تحتية حالياً لنقل نفط الجنوب إلى الميناء التركي.
وجددت الحرب، طرح اقتراحات بامكانية إعادة تشغيل خطوط الأنابيب القديمة (العراقي السوري أو العراقي السعودي)، إلا ان حاجتهما إلى صيانة تستغرق وقتا طويلا وتكاليف كثيرة إضافة إلى الإرادة السياسية، جعل هذا الخيار غير قابل للتنفيذ.
ومن جانب آخر، أفادت بعض المصادر في البصرة، أن 4860 عاملاً أجنبياً في الشركات النفطية العاملة في المحافظة، غادروا العراق بسبب تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية.
نقص المواد الغذائية
ولعل نقص المواد الغذائية في الأسواق العالمية وارتفاع أسعارها، بسبب النزاع الإسرائيلي الإيراني، هو ما أشغل بال الحكومة العراقية والمواطنين والتجار، وخاصة بعد ارتفاع سعر صرف الدولار في الأسواق العراقية.
وأعلنت وزارة التجارة العراقية، عن حزمة إجراءات استباقية لضمان الأمن الغذائي الوطني، في ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية المحتملة على خطوط الإمداد العالمية.
وقال المتحدث باسم الوزارة، محمد حنون، في بيان، إن “خطة الوزارة تضمنت تعزيز المخزون الاستراتيجي للمواد الغذائية، عبر التعاقد على استيراد كميات كبيرة من الأرز وتأمين مواد السكر والزيت كمنتح وطني، فضلا عن حماية المخازن من الأضرار المناخية المحتملة، بما يضمن سلامة الخزين الوطني لفترات طويلة”.
وميدانيا، نفذت وزارة الداخلية في جميع المحافظات، حملات تفتيش في الأسواق للحد من ارتفاع الأسعار وملاحقة المتلاعبين بالسلع، وذلك بهدف الحفاظ على استقرار السوق.
وخلال جولة لـ”القدس العربي” في أسواق بغداد، أعرب بعض تجار المواد الغذائية، عن مخاوفهم من ارتفاع أسعار صرف الدولار الذي شهده السوق العراقي نتيجة النزاع الإيراني الاسرائيلي، حيث أدى ذلك إلى زيادة تكلفة استيراد السلع والمواد وكلفة نقلها، ما يجبر التجار على زيادة أسعار تلك المواد. فيما أبدى عراقيون، تذمرهم من ارتفاع أسعار صرف الدولار وبعض السلع رغم ان النزاع لم يدم طويلا.
قطع غاز إيران عن العراق
وخلال تفجر النزاع الإقليمي، عقدت وزارة الكهرباء العراقية، اجتماعات طارئة ضمت كبار المسؤولين والفنيين، لمناقشة تأثيرات الحرب على إمدادات الغاز الإيراني إلى العراق، ومناقشة بدائل عاجلة لتقليل الضرر المتوقع على منظومة الإنتاج الوطني للكهرباء.
وأثار استهداف إسرائيل، لحقل بارس الجنوبي الإيراني، الذي يعد من أكبر حقول الغاز في العالم ومصدر تزويد العراق بالغاز، مخاوف واسعة من توقف الإمدادات إلى العراق، خاصة بعد إعلان طهران عن توقف إنتاج جزئي من بعض وحداته، وهو ما ينذر بتراجع إنتاج محطات الطاقة العراقية، التي تعتمد على هذا الغاز، في وقت يواجه فيه العراق صيفا لاهبا. علما بأن الغاز الإيراني المستورد لمحطات الكهرباء العراقية، يتدفق بمعدل يتراوح بين 25-28 مليون متر مكعب قياسي يوميا.
مخاوف من التلوث الإشعاعي النووي
وضمن تزايد القلق من احتمالات تسرب الإشعاع النووي من إيران نحو العراق، أعلنت الجهات الرسمية العراقية، متابعة احتمال أي تلوث إشعاعي داخل أراضي البلاد. وجاء هذا الإعلان لطمأنة الرأي العام، بعد استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل للمنشآت النووية الإيرانية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة العراق على رصد ومواجهة أي تسرب إشعاعي محتمل.
وقال مدير الوقاية والإشعاع في الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية صباح الحسيني، إن “الهيئة تتابع النشاط الإشعاعي حول العراق، وان المنافذ الحدودية تتم مراقبتها باستخدام بوابات الفحص الإشعاعي، حيث تقرأ الخلفيات الإشعاعية وتُرسل مباشرة إلى المحطات المركزية في مكاتب الهيئة”.
واضافة إلى ما ذكر أعلاه، فقد برزت تحديات أخرى للحرب، أبرزها تدفق موجات نزوح واسعة للإيرانيين الهاربين من الحرب، نحو مدن العراق، حيث قدمت السلطات العراقية لهم تسهيلات كثيرة، وسط مخاوف من عدم قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة احتياجات أعداد كبيرة من النازحين وتأثيرهم على الوضع الاقتصادي المتأزم.
وهكذا تنوعت تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على المنطقة عموما والعراق خصوصا، في وقت يؤكد فيه خبراء الاقتصاد أن مخاوف العراقيين من نتائج هذه الحرب، لم تأت من فراغ نظرا للعلاقة الوثيقة التي تربط إيران بالأحزاب الشيعية والفصائل المسلحة المتنفذة في العراق، التي أعلنت وقوفها إلى جانب إيران ووجهت تهديدات باستهداف إسرائيل والمصالح الأمريكية إذا شاركت الولايات المتحدة بقصف إيران، دون مراعاة احتمال ان ترد الولايات المتحدة عسكريا إضافة إلى العقوبات على الاقتصاد العراقي.
وبالرغم من إعلان الولايات المتحدة تحقيق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، فإن مخاطر اندلاع نزاع جديد بين البلدين غير مستبعدة في أي وقت. ولعل السؤال الأهم الذي يشغل بال العراقيين هو هل تستفيد حكومة بغداد من دروس الحرب الإيرانية الإسرائيلية في كيفية إعداد اقتصاد العراق لمواجهة مثل هذه الأزمات؟