دروس في الهمجيّة

حجم الخط
0

فادي سعد أمسَك جميل بـيَد ولده جيداً وهما يدخلان حيّ الثورة. لفتَ نظر الأب، الضابط ذي النجوم السبع، أنّ بعض بيوت الحيّ التي دكّها بمدفعيّته ليلة البارحة، قد نجتْ بأعجوبة من الدمار التام.تساءل جميل دائماً عن السرّ الذي ينقذ بعض المنازل والمحلاّت من قنابله عن غيرها. فهو من هذه الناحية على الأقل، عادلٌ إلى حدّ كبير، لا يفرّق في قصفه بين شارع وآخر، بين ناحية من الحي وأخرى. الجميع برأيه يستحق القصاص.منذ أن قُبلتْ عضويّته في العصابة، تعلّم كيف يهدي الموت إلى العامّة التي تسوّل لها نفسها بين حين وآخر المطالبة بأشياء خطيرة على المعنويات الجمْعيّة للعصابة.لم يستطع إلى الآن استيعاب هذه الجسارة التي أنزلتْ البعض إلى الشوارع مطالبين بالكرامة على حدّ تعبيرهم.كان جميل يفهم جيّداً الرغبة القوية لدى الشعوب (أو الغوغاء كما كانوا يسمّونهم في أدبيّات العصابة) في التخلّص من الشعور بالهوان. فأثناء تحضيره لمتطلبات العضويّة الكاملة، تلقّى دروساً مطوّلة عن نفسيّة الغوغاء ورغباتهم المكبوتة. لكن، أهم تلك الدروس في المناهج التحضيرية، كان ذاك الدرس الجوهريّ: الخوف جدارٌ يصعب على أحد تسلقّه إذا كان عالياً بشكل كاف. وإذا طُليَ هذا الجدار بالبارود، وسُيّج بالسياط، وصِينتْ أساساته جيداً، سيبقى كفيلاً بالحفاظ على حياة العصابة إلى الأبد. لقّنوه أيضاً، أنّ حتى الرغبات يمكن تعليبها في أسطوانات موصدة تحرسها غريزة البقاء.لذلك، ما زال جميل وأفراد آخرون من العصابة يقلّبون في رؤوسهم، غير مصدقين، أحداث العام الفائت. كيف تجرّأ هذا الشعب على طرح مطالب محقّة كهذه؟ كيف استطاع القفز فوق الجدار؟ هل كان الخطأ في حسابات ارتفاع الجدار، أو في قدرات الوثب الهائلة وغير المتوّقعة التي أظهرها الشعب؟ لم يستطع أحدٌ في العصابة حتى الآن الاهتداء إلى إجابة علميّة سيكولوجيّة مُرْضية. ‘ ‘ ‘جرّ الضابط جميل ذو الرتبة العالية ابنه هاني من يده الناعمة، حيث اضطّر اليوم إلى اصطحابه حتى لا يبقى الولد وحيداً في البيت. فأمّ هاني متوفّاة. وزوجته الحاليّة منشغلة في الإعدادات النهائية للحفل الراقص الذي يُقام شهرياً لأصدقائهم من أعيان المدينة. عادةً، لا يحبّ أن يأخذ هاني إلى أماكن كهذه، حيث المناظر الدمويّة التي قد تؤثّر على نفسيّة الطفل في هذه المرحلة من عمره. لذلك تأكدَ، عندما وصلوا إلى تخوم الحيّ المنكوب، من وجود عصابة سوداء حول عينيّ ولده.اعتاد جميل زيارة الأحياء التي يقصفها. الزيارة مهمّة برأيه ليتأكّد بنفسه من هلاك السكّان الذين لم يرتدعوا من تحذيرات أفراد خليّته العسكريّة، وقرّروا تحدّي العصابة. أيّ تحدّ مهما صغر قد يستجرّ ويقدح رغبات هاجعة لدى الناس في أنحاء البلاد. لذلك لا بدّ من قطع دابر بوادر كهذه قبل استفحالها. والطريقة المثلى لذلك تعلّمَها في مناهج العصابة التحضيريّة، في القسم الموسوم ب’فوائد الهمجيّة’.لحظة دخوله الحيّ، استطاع أن يستذكر بعض تفاصيل هذا القسم الخلاّب برأيه. خصوصاً تلك الأسماء المثيرة للإعجاب التي قرأَ عنها في تاريخ الهمجيّة. أسماء تعلّم منها الكثير وحاول تقليد طرائقها بشكل أعمى، من دون أن يفهم طبعاً حركيّة التاريخ ودروسه. فالتحليل التاريخيّ نادرٌ وجوده في أدبيّات العصابة.تذكّر مثلاً أشياء ألهمتْه في سيرة جنكيزخان. هذا الرجل الذي قتل أخاه ونكّل بصديقه، وقطع ملايين الرؤوس ليسود على أرضٍ خراب لم يبنِ فيها مدينة. هكذا يكون الرجال، فكّر جميل. برأيه، إنّ أروع ما فعله هذا الرجل وسلالته من هولاكو إلى تيمورلنك هو الرعب الذي نثروه خلفهم وأمامهم. كانوا يدمرون مدناً بكاملها، ويذبحون رجالها ونساءها وأطفالها سامحين لبعض الأهالي بالهروب حتى يسردوا الرعب الذي عاينوه على أهالي المدن التي ما زالت تفكّر في مقاومتهم. الكثير من هذه المدن استسلم فزعاً بعد ذلك دون مقاومة.أيّ عبقرية! فكّر جميل باسماً، وهو يهمّ بالسير مع هاني في أوّل شارع وصلَاه بحيّ الثورة.قرأ في مناهج العصابة أنّ المغول هم أوّل من أجاد استخدام الحرب النفسيّة. كان سلاحاً رهيباً اقتنعتْ العصابة بفوائده كثيراً، وأبدع جميل في استخدامه. أوقف جميل سيره وتداعي أفكاره أمام خيطٍ قانٍ من الدم اعترض خطوه. تتبّع مسار الدم، فإذا به ينتهي عند تلّة بشرية شكّلتها أجساد عائلة من خمسة أشخاص مكوّمة فوق بعضها، يعلوها ربّ العائلة ثم الأم وتحتهما أطفالهما الثلاثة. فكّرَ: حتى الغوغاء يحبّون أطفالهم.أكملَ جولته التفقّدية. هالَه (حتى بالنسبة إلى عينَيْه اللتين اعتادتا مشهد المذابح) حجم الدمار والقتل الذي سبّبه قصفه الهمجيّ. في خضمّ شروده الفكري، لم ينتبه إلى غياب ابنه هاني الذي استطاع على ما يبدو الإفلات من يد والده، والتجوّل بمفرده في حيّ الثورة، من دون ستار يحجب رؤيته.’ ‘ ‘لم يتخيّل هاني أن عالماً كهذا الذي يراه أمامه يوجد في الواقع. من صنعَ هذا الخراب كلّه؟ لم يجد أحدّاً يجيبه. بالأحرى، لم يجد أحدّاً على قيد الحياة يسأله. بدأت تغزو أنفه الصغير روائح لحم محترق. تقرّى الرائحة حتى وصل إلى يد غضّة صغيرة مرميّة وحيدة في أحدّ الأزقة. تطلّع حوله، لم يجد الجسد الذي كانت معلَّقة به. بدا من حجمها أنها يد طفل مثله. جلس أمام اليد البيضاء، تناولها بيده اليسرى، وعانق أصابعها بيده اليمنى. ما زالتْ دافئة. ماذا كان يفعل لحظة موته؟ تساءل عقله اليافع.أحسّ هاني باليد تردّ عليه التحية. شعر بتشنج في عضلاتها، وانغلاق أصابعها. ظلّ ممسكاً بها لا يجرؤ على التخلّي عنها. كأنها تطلب منه شيئاً لا يستطيع استجلاءه. امتلأ قلبه بحبّ مبهم. قبّلها. أغمض عينَيه عساه يستشرف رغبتها، فترامى إلى سمعه نشيج خافت بدا له غير بعيد.تتبّع هاني الصوت، ممسكاً بيد صديقه الميّت، حتى باتَ أمام الصوت. فتح عينَيه، ليجد نفسه أمام امرأة في منتصف العمر، متلفحة بالسواد، تنتحب وهي تحتضن جثّة طفلها الذي كانت تنقصه يدٌ في نهاية ذراعه الأيمن. أحسّ هاني باليد القتيلة ترخي قبضتها. حدجته الأم بعينَين أرمدهما البكاء. سلّمها اليد، وجلس بجانبها. كفكفت الأم الثكلى دموعها، وتطلّعتْ إلى وجه هذا الطفل الغريب.- شكراً حبيبي. كنتُ أبحث عن يده منذ توقفَ القصف. فأنا أريد أن أدفن جثمانه كاملاً غير منقوص.- العفو يا خالة.- أين أهلك؟- لقد أضعتُ أبي؟- ومن هو أبوك؟- أبي هو الضابط الكبير جميل الأعرج.’ ‘ ‘وصل جميل إلى الشارع الرئيس في حيّ الثورة، والدروس التي تلقّاها ما زالت تخطر في رأسه المجرم.جنكيزخان، حسب ما قرأ، بدأ مسيرته الهمجية رغبةً في الانتقام لمقتل والده. وبات هذا القائد المغولي يشعر بعد ذلك أنّ لديه مهمة مقدّسة لغزو العالم. أما وحشيّة العصابة، فلم يفهم جميل حتى الآن الدافع الذي يغذّيها! فرغبة الانتقام غير موجودة مثلاً، حيث لا سبب يحثّهم على الانتقام من شعب لم يؤذهم في يوم من الأيام. كما أنهم لا يملكون في العصابة أي مهمّة مقدّسة يؤمنون بها. هذه التساؤلات البريئة شجّعتْ جميلاً مرّة في حديث شخصي مع أحد أصدقائه من القادة الكبار في العصابة على الاستفسار عن العقيدة التي ترتكز عليها همجيّتهم. أجابه صديقه بأنّ همجيّتهم هي من أجل الهمجيّة فقط، وبأنّها منزّهة من أي رغبات أو غايات مقدسة أو غير مقدّسة. كمقولة ‘الفن من أجل الفن’ قال له صديقه الضابط الكبير ضاحكاً. وأردف قائلاً بنبرة لا تخلو من الفخر والاعتزاز إنها المرة الأولى في التاريخ التي تُمارس فيها الهمجيّة بهذا الشكل النقي، ومن أجل ذاتها.قطعتْ تداعيات أفكاره هذه المرّة صيحة تردّد صداها في صمت المكان: ‘قفْ مكانك. ارفع يديْك. أيّ حركة وسنطلق عليك النار’.’ ‘ ‘عندما سمعتْ اسم قاتل طفلها، أطلقتْ الأم صيحةً ملأتْ قلب هاني بالذعر. كلح وجهها، وانكبّت على جثة طفلها تضمّها بأنين ينفطر له القلب. اقترب منها هاني، ووجد نفسه يعانق جسدها النحيل المنتحِب. ضمّها هي وصديقه لينفجر هو أيضاً بالبكاء.رفع هاني رأسه بعدما سمع لغطاً ميّز فيه صوت والده. كان أبوه الذي عرفه دائماً قاسياً جباراً يستغيث طالباً من آسريه الرحمة. كانوا مقاتلين تبدو على وجوههم آثار معارك طويلة، ولكن تبرق في عيونهم ثقة غامضة، وعلى قسماتهم يرتسم أمل ممزوج بقوّة مصنوعة من حريّة جديدة مكتسبة. صرخ هاني: ‘بابا….’. فتوجه إليه مقاتلان، ولكن قبل أن يصلاه، هبّت الأم الثكلى، تاركة طفلها الشهيد ممدّداً على الأرض، ووقفت أمام هاني باسطة ذراعيها.- هذا الولد أصبح لي الآن، لا أحد يقترب منه. أجابها أحد المقاتلين:- لن نؤذيه يا خالة طبعاً. لكن يجب أن نأخذه معنا حتى نسلّمه إلى من يعتني به. فهو لن يستطيع رؤية أبيه المجرم هذا لفترة طويلة.- لا. قلتُ لك إنه ابني الآن. وسيبقى معي.تعلق هاني بثوب أمّه الجديدة. ومن خلفها، رأى أباه منكّس الرأس، ذليلاً كما لم يره من قبل. من هناك، خلف سواد ثوبها، أدرك هاني كلّ شيء. – كما تريدين خالة. سنتركه معكِ. ابتعد المقاتلون يجرجرون الهمجيّ الأخير. تاركين وراءهم حيّ الثورة، وجسدَيْن متعانقين.(ديترويت)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية