دروس.. لا تنسي
علي كنعاندروس.. لا تنسيالدرس الأول والأخير أتعلمه من بيروت والجنوب اللبناني، من الحجارة والشجر والعصافير والأطفال وأسرار المقاومة وهي تعز علي أي وصف… إنه درس الكرامة المتحررة من القهر والذل والإحباط.وثمة دروس تكميلية أتعلمها من نار الغضب التي يشعلها في نفسي هتلر القرن الحادي والعشرين، وهو يتلذذ بمشاهد لحم الأطفال ودمهم المتناثر تحت أنقاض البيوت. أما كلابه المسعورة في أطراف غزة ومدن الضفة فإنهم يؤكدون أن قلعتهم العنصرية محكومة بالانهيار والزوال… المهم ألاَّ ننسي ولا نكتفي بالتفرج أو الاستنكار الخجول!ولكي أعصم نفسي وأحصِّن ذاكرتي من النسيان، لا بد لي من الاعتراف بغلطة العمر، وعلي أن أبذل المستحيل لتصحيحها.إني أعترف، وأنا أتخطي جحيم السبعين، أني جاهل بأبسط مفردات (الديمقراطية) البوشية وأصولها الصهيونية المسلحة بآلة القتل والتدمير وتمزيق أجساد الأطفال. وفي مواجهة هذا الاكتشاف الفظيع، وإن جاءني متأخرا جدا، فقد قررت أن أختطف الساعات القليلة الباقية لأتعلم شيئا عمليا مجديا، ليكون سياج الحياة الواقي حتي لا تبقي الكلمة عزلاء منتهكة… لا أدري إن كان عشق الحرية وأطياف الديمقراطية وأحلام العدالة..، لا أدري إن كانت هذه القيم المثالية الزاهية جاءتني مع أول بيت من الشعر أو مع أول نشوة في الحب، فلم أعمل علي تحصينها وحمايتها؛ لكني أذكر بمرارة جارحة أن جهالتي، الملفوفة باستلاب مرضي متوارث منذ القدم، هي التي جعلتني أبتهج لعملية تفريخ (الديمقراطية) في أفغانستان، كما فرحت لزوال الدكتاتورية واستنساخ صيغة متطورة من تلك الديمقراطية النازية/البوشية ذاتها لتطبيقها علي العراق الذبيح، وإن كنت أستغرب ولا أطيق أن تحمل الطائرات والدبابات وشركات النهب الأمريكية مثل هذه العروس الأسطورية.النموذج الدموي القاتل والمهين الذي صاغته (واحة الديمقراطية) في فلسطين المغتصبة لم يكن كافيا لاكتشاف مدي جهلي ولم يدفعني إلي محاولة التعلم وفك أولي حروف الأبجدية من جديد، فظللت سادرا كسادات هذه الأمة وغالبية عبيدها ورعاياها، مقتديا بخلاصة ما رواه السلف الصالح: كما أنتم يولي عليكم.. وأطيعوا جلاَّديكم وأولي الأمر منكم.. إلي ما شاء الله !لكن دروس بيروت، وشظايا بيوتها الجنوبية وأشلاء أطفالها ونسائها وشيوخها وهي تنهمر فوق رأسي وعيني وتسحق قلبي وأعصابي تحت أهوالها، جعلتني أصحو علي فظاعة تلك الكذبة المدوِّخة التي عشتها سبعين جحيما متواصلا، وأنا ـ وكثير من أبناء جيلي كذلك ـ مثقل بالرؤي والمشاعر والأفكار والأيديولوجيات المزوَّرة. ولعلي أستثني هنا غسان كنفاني وخليل حاوي وتوفيق يوسف عواد ومن لحق بهم من العشاق والمجانين الحالمين. كيف تَعلَّمنا، واقتنعنا بكرامات ذلك العلم الذي فاق كرامات الصوفية والأولياء، أن الجيوش وحدها خلقت لتحرير الوطن والدفاع عن ترابه ورياحينه وأطفاله ومقدساته؟! كيف جري كل ذلك وتم تحت أبصارنا العشواء وبصائرنا الذاهلة؟ أذكر في خريف 1968 أن أحد الحالمين المجانين المأخوذين بفيتنام والحرب الشعبية حاول أن يخطو أولي خطواته الخجلي في ذلك الدرب، وكانت عمليات الفداء الفلسطينية قد فاجأته وسبقته. لذلك، راح يشكل مجموعات صغيرة (كل واحدة أقل من عشرة) للتدرب علي أعمال المقاومة والدفاع المدني وحفر الاستحكامات في خط الدفاع القريب لدي الخاصرة الجنوبية الغربية من دمشق. كنا نستهجن المحاولة بشعور حانق ونقول بهمس ساخر: إذا وصلت قوات العدو الصهيوني إلي مشارف دمشق وتم تهديدها بالاحتلال، فما فائدة هذه الحفر والكمائن الصغيرة ومهازل التدريب علي سلاح فردي بسيط ؟ ولعل الشاعر الفلسطيني الصديق خالد أبو خالد ما زال يحتفظ بواحدة من تلك الذكريات المرة التي عشناها معا، ذات خريف، علي مقربة من سفوح جبل الشيخ، ولم يجرؤ أحد منا علي الاعتراف برهبة ذلك العراء أمام صاحبه. اليوم تذكرني أوصال بيروت الدامية بغلطة العمر التي لا تغتفر. كان علي أن أواجه تلك التجربة العملية بوعي عميق وجد صارم والتزام مصيري. ولعل الشاعر أبو خالد كان أوفر مني حظا إذ زار فيتنام بعد ذلك، وتمرس بتجربة أغني وأقسي من تجربتي البائسة التي لم تدم طويلا.لكن السؤال الصاعق: ما الذي يريده هذا الطاغية الهمجي بوش الصغير؟ أي سعار يأكل أحشاءه حتي يرتكب كل هذه الجرائم المخزية؟ لا جواب عندي إلا أن الرجل مريض بداء وحشي، وعلي حكماء العالم ـ إن كان هناك من حكماء ـ أن يضعوه في محجر صحي مغلق حتي يشفي أو يختنق بسعاره. ولعل في الكلمات الآتية شيئا من العزاء. كلمات قرأتها ولا أذكر اسم قائلها، لكنها بالتأكيد لأستاذ جليل جدير بالتحية والاحترام، إذ يقول: لا شك عندي أن بوش قد أعاد البشرية أكثر من ستين عاما إلي الوراء، إلي زمن النازية، وزمن القتل من أجل غطرسة فارغة وأهداف حمقاء… حروب بوش جعلت العالم أقل أمنا، والنفط أعلي سعرا، والإرهاب أكثر انتشارا، والفكر والثقافة أكثر ترديا وانحسارا… إن بوش هو أكبر لعنة في تاريخ العالم الحديث، رجل يدوس كل القيم والأخلاق والجثث بينما عيناه شاخصتان علي أهداف غبية لا تستحق شيئا من كل هذه الوحشية المفرطة.. .وعلي هامش جرائم ذلك البوش، يبدو لي أن حقد الأنظمة العربية علي لبنان ينبع من مخاوفهم من أن ينقل عدوي التحرر إلي شعوبهم المقموعة؛ ذلك أن ما يتمتع به لبنان من وفاق وطني ومناخ ديمقراطي وتفاهم حضاري، بين جميع أحزابه ومذاهبه وأبنائه، يثير غيظ تلك الأنظمة ونقمتها إلي حد التواطؤ مع الأعداء. لكن سورية الغالية والمغلولة تظل الاستثناء الوحيد المذهل: إن أركان النظام هناك مشغولون بمهرجان الغناء العالمي في قلعة حلب، ومن لا يصدق فليتابع مباهج الفضائية السورية! كاتب من سورية يقيم في الدنمرك0