دروس من الحالة الموريتانية

حجم الخط
0

دروس من الحالة الموريتانية

د. عبدالوهاب الافنديدروس من الحالة الموريتانية(1)تخصصت ابنتي مريم ذات السبع السنوات في الأسئلة المحرجة، خاصة المتعلق منها بقضايا الدين وحكمة الله تعالي في هذا الأمر أم ذاك. وقبل أسبوع انتقلت بدون مقدمات إلي مجال السياسة حيث سألتني عمن كان يحكم السودان عندما كنت صغيراً وعما إذا كان حاكماً سيئاً أم صالحاً. لم تكن هناك صعوبة في تسمية الحاكم وإخبارها بأنه كان سيئاً بلا جدال. ولكن هذه كانت بداية المشكلة لا نهايتها.(2)سألتني كيف عرفت أنه كان سيئاً؟ هل قابلته؟ أجبتها بالنفي. قالت إنه كان إذن بلا شك يطوف علي بيوت الناس يمارس سيئاته؟ أجبت بكلا. فكيف إذن عرفت سوء حاله إذن؟ قلت لها إن رجال الشرطة التابعين له قاموا باعتقالي لأنني خرجت في مظاهرة تحتج علي سوء أفعال حكومته. (وكان بالطبع لا بد من شرح معني المظاهرة ، وحديث طويل عن ظروف الاعتقال ومتي وكيف أطلق سراحنا). ثم جاء السؤال المحرج الحقيقي.(3) هل الحكام الذين يحكمون البلاد الآن سيئون أم خيرون؟ تساءلت. قلت لها إن إثم القوم أكبر من صلاحهم. قالت علي الفور: لماذا إذن نذهب إلي بلد حكامه سيئون. قلت لها يا بنية لو أننا أعرضنا عن المقام في كل بلد حكامه سيئون لاحتجنا إلي الرحيل إلي كوكب آخر. ولكن بعض الحكام أقل سوءاً من بعضهم الآخر.(4)وبذكر الحكام السيئين فإن ما تحقق في موريتانيا هذا الأسبوع من الموافقة الشعبية علي دستور ديمقراطي جديد لايفتح الأمل بالتقدم فقط، بل قد ينير الطريق للباحثين عن الإصلاح. فقد كشفت التجربة الموريتانية ان الإصلاح في العالم العربي لا يحتاج إلي معجزات ولا إلي قرون يتعلم فيها الشعب الديمقراطية من أساتذة القمع والدكتاتورية. كل ما يحتاج الأمر هو إطاحة الحكام الفاسدين والاتفاق بين القوي السياسية علي قواعد تحكم إدارة السلطة وتداولها.(5)التجربة الموريتانية كشفت أيضاً أن أقصر الطرق إلي الإصلاح هي قيام ضباط وطنيين بإطاحة الحكام الفاسدين وتسليم السلطة للشعب عبر عملية ديمقراطية شفافة. ويكون الأمر أيسر لو أن الأجهزة الأمنية تعاونت في هذا الأمر. ذلك أن الدولة العربية في شكلها الحالي هي دولة مخابرات أولاً وأخيراً. صورياً فإن الذي يحكم قد يكون الجيش أو الحزب أو العائلة، ولكن الذي يحكم في واقع الأمر هو الفرد وأداته في ذلك أجهزة المخابرات التي تتجسس علي الجيش (وعلي بعضها البعض) وتتغول علي الحزب والعائلة وكل شيء آخر في حياة البلاد.(6)ربما يقال ان تعليق الأمل علي أجهزة المخابرات لكي تقوض دولة المخابرات هو من قبل التداوي بالتي كانت هي الداء. ولكن مثل هذا التطور ليس بمستغرب، إذ أن التجربة الموريتانية لم تكن بدعاً في هذا المجال. ولعل المثال الأشهر علي قيادة رجال المخابرات للإصلاح هو النموذج السوفييتي الذي تولي فيه زعيم المخابرات يوري اندروبوف (1982 ـ 1983) وخلفه ميخائيل غورباتشوف قيادة التحرك الإصلاحي. والسبب في هذا واضح، لأن رجال المخابرات هم في موقع لا تنطلي عليهم فيه أكاذيب النظام التي يروج لها حول صلاح وصلاحية النظام. ذلك أن نظام المخابرات لا يعمل إلا إذا سمح لرجال مخابراته بتحري الحقائق. ولذا فإن قادة أجهزة المخابرات هم الوحيدون المسموح لهم بالإطلاع علي كل المعلومات المتاحة، وهم فوق ذلك الوحيدون المسموح لهم بالتفكير. ولهذا يكونون أول من يعلم حين تحين فترة انتهاء صلاحية النظام.(7)قادة المخابرات يعلمون كذلك أنهم أول من يدفع ثمن البدائل الأخري من ثورات شعبية وانقلابات عسكرية حين يطفح الكيل. ولأن الأنظمة العربية قد انتهت فترة صلاحيتها حتي قبل هزيمة حزيران (يونيو) 1967، ناهيك عن سقوط حائط برلين وما تلاه، فإن العاقل من بادر بتحويل نفسه من ضحية محتملة إلي بطل مؤكد كما فعل فريدريك دي كليرك آخر قادة النظام العنصري في جنوب إفريقيا حينما قرأ الكتابة علي الجدار كما يقول المثل الإنكليزي. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية