درويش: لا تندم علي حرب أَنضجتك كما يُنْضجُ آبُ أكوازَ الرّمان علي منحدرات الجبال

حجم الخط
0

درويش: لا تندم علي حرب أَنضجتك كما يُنْضجُ آبُ أكوازَ الرّمان علي منحدرات الجبال

وقع كتابه في حضرة الغياب بعمان وسط حضور كثيفدرويش: لا تندم علي حرب أَنضجتك كما يُنْضجُ آبُ أكوازَ الرّمان علي منحدرات الجبالعمان ـ القدس العربي : كان حضور الشاعر العربي محمود درويش بهيا وخاصا وهو يلتقي جمهوره وعشاق شعره في مسرح البلد وسط عمان، وقد ازدحم المكان بطابقيه والشارع أيضا بالحضور الذين اصطفوا ليشتروا نسخا من كتبه السابقة، وكتابه الجديد الصادر عن دار رياض الريس في بيروت في حضرة الغياب وقد حضر أمين عام وزارة الثقافة الأردنية الشاعر جريس سماوي ليقدم درويش بكلمات تليق بتجربته، فيما رعي الاحتفال نائب امين عمان عامر البشير، وبعدها قرأ درويش من كتابه مجموعة من النصوص، وقد سبق ان وقع درويش كتابه كزهر اللوز او أبعد في المسرح نفسه صيف 2005 وسط حضور كبير أيضا. وقال سماوي في تقديمه: سطرا سطرا انثرك امامي هكذا ينثر محمود درويش كفلاح ذكي حنطة الكلام في حقله الابهي والاشف. وكصوفي خرج من الحضرة كي يتنفس قليلا خارج الايقاع يقيم حلقته الخاصة به في الهنيهة المتاحة له خارج النص، وفي غياب الحضرة، كأني بالصوفي لا يصل الي النشوة ابدا ويبقي الغياب سيد الحضرة وسيد اللحظة وسيد المكان والزمان.هل هي سيرة الشاعر ام سيرة الشعر؟ وأظن انها سيرة الشعر.. فما الذي يفعله الشاعر بنا؟ يجرنا مسلوبين الي غواياته كل مرة. لكن هذا النص ليس غواية جديدة، وليس اشتغالا جديدا في الشكل او التجريب او اللغة انه شيء اخر تماما شيء اربكني واحزنني واضناني وانا اقرأ واتتبع واتهجي المسارب والطرقات وتعرجات الاحلام التي يقودني الشاعر اليها. في حضرة الغياب هو عنوان هذا النص الابهي من الكتابة، اقول الابهي لانه يثير فينا هذا السؤال الملح ويثير فينا امتاع الدهشة والغرابة والفرادة والجدة. هو ليس شعرا لكنه الشاعرية الاعذب، وهو ليس نثرا محضا لكنه النثر الاشف، وهو ليس سيرة حياة الشاعر، لكنه سيرة الشعر، وهو ليس قصة لكنه القص الامتع وهو ليس حوارا دراميا لكنه غني بالحوار، حوار بين ذات الشاعر وذات الانسان، حوار بين شخصيات تتداعي في المخيلة وتنداح علي مساحة النص وجسد الكلام، حوار في عدة مستويات تبدأ بين اثنين هما الناثر والمنثور الموصي، والموجي، المستأذن، والمستأذن. محمود درويش ما زال في النص متسع للمغامرة علي ظهر حصان طائش بلا مسرح.. ما زال في النص حضور في حضرة الغياب، انت الحاضر بفتنة الشعر وسحر الكائن البري، وخفة المطالع وهي تنساب كالخدر الجميل الي دواخلنا… .ورد درويش علي كلمات سماوي بالقول ابهجتني واحرجتني ثم قرأ مقاطع من نصوصه أمام الجمهور الحاشد متحدثا فيها عن تفاصيل قريته وذكرياته وأسفاره والمدن التي مر فيها، ضمن نثر يمتليء بالشعرية العالية والتحليق والغني في المفردات والصور والمخيال ،فشاعر كبير مثل درويش يبهج بنثره مثلما يفعل في شعره ،وتجد كلماته غالبا وقعا كبيرا في قلب المتلقي. هنا مقاطع متفرقة من نصوص الكتاب: كما أوصيتني، أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعيك الي هذا السفر الأخيروادعوهم الي اختصار الوداع والانصراف الي عشاء احتفالي يليق بذكراك فلتأذن لي بأن أراك وقد خرجت مني وخرجت منك، سالماً كالنثر المصفي علي حجر يخضرّ أو يصفرّ في غيابك. ولتأذن لي بأن ألمك واسمك كما يلم السابلة ما نسي قاطفو الزيتون من حبات خبأها الحصي ولنذهبن معا في مسارين: أنت الي حياة ثانية وعدتك بها اللغة في قارئ قد ينجو من سقوط نيزك علي الارض وأنا الي موعد ارجأته اكثر من مرة مع موت وعدته بكأس نبيذ أحمر في احدي القصائد .لكنك مُسَجّي أَمامي، أَعني في كلامي الخالي من عثور الاستعارات علي مصادرها، وعلي رابطٍ خفيِّ بين أَرضٍ متديِّنةٍ، وسماء وثنيِّة. من هناك الي هناك يرحل الغيم برفقة قمر لم يحرمنا افتضاحُ سرِّه الصخريّ من تذكُّر حُبِّ سابق. ولم يمنعنا جفافُ القلب من مداواة اوجاع المفاصل بذكري التمدُّد علي العشب، تماماً كما انت مسجّي امامي في كلامي الذي لن يخذله غدٌ شخصيِّ كفَّ عن الخداع، لا لأنه تأدَّب وتهذّب، بل لأنه يحتضر الآن ويصير الي خبر، لا عَدُوَّ له ولا صديق… خبر عن مسافرين اثنين، أنت وأنا، لم يفترقا في مرآة او طريق… لم يفترقا الاّ لساعاتٍ يتأكَّدان خلالها من سطوة الأنثي علي الذكر.حيث يري المرء نفسه في حرائق البرق، كما هي، معافاةً مُصَفَّاة من شوائب التشبيه بما ليس موتاً يُحْيِي… وحياةً تُحيا علي حصَّة العاشق من سخاء المودة بين المخلوق والخالق. فلا جنة معلنة بالحواس وبالحدس سوي العاشقة، ولا جحيم الاّ خيبة العاشق. فلتأذنْ لي، اذاً، ونحن نفترق علي هذا البرزخ، بأن أَفسخ العَقد المبرم بين عبثٍ وعبث، فلا نعلم مَن انتصر منا ومن انكسر، أنا أم أنت أم الموت، لأننا لم نعترف من قبل، لننتصر، بأن العدوَّ أذكي منا وأدهي، فلا شيء يغوي الهزيمة اكثر من مجافاة هذا الاعتراف، يا صاحبي المُتْرَفَ بالأوصاف النقيضة، المُسْرِفَ في البحث عن عبث لا بُدَّ منه لتدريب النفس علي التسامح، ولتحظي بنعمة التأمُّل في ماء يضحك في الغمازات، ويطيرُ فراشاتٍ فراشاتٍ تخلق الشعر من كل شيء حيّ. فالخفَّة، كالندي، قاهرةُ المعدن، وعذراء الزمن، هي التي تدرِّب الوحش علي النفخ في النايات/ فلا تصالح شيئاً الاّ لهذا السببُ المبهم، ولا تندم علي حرب أَنضجتك كما يُنْضجُ آبُ أكوازَ الرّمان علي منحدرات الجبال المنهوبة، فلا جهنم أخري في انتظارك. ما كان لك صار عليك/ وعليك ان تدافع عن حروف اسمك المفكّكة، كما تدافع القطّة عن جرائها. وعليك ما عليك: ان تدافع عن حق النافذة في النظر الي العابرين، فلا تسخر من نفسك ان كنت عاجزا عن البرهان، الهواء هو الهواء ولا يحتاج الي وثيقة دم. ولا تندم… لا تندم علي ما فاتك، حين غفوت، من تدوين لاسماء الغزاة في كتاب الرمل، النمل يروي والمطر يمحو، وحين تصحو لا تندم لانك كنت تحلم، ولم تسأل احدا: هل انت من القراصنة؟ لكنّ احدا ما سيسألك: هل انت من القراصنة؟ فكيف تزوّد البديهة بالوثائق والبنادق، وفيها ما يكفيها من محاريث خشبية، وجرار من فخار، وفيها زيت يضيء وان لم تمسسه نار، وقرآن، وجدائل من فلفل وبامية، وحصان لا يحارب/ فلا تعاتب اسلافك علي ما اورثوك من براءة النظر الي التلال بلا استعداد لتلقّي الوحي من سماء خفيضة، بل لعدّ النجوم علي اصابع يديك العشر. فأنّي لك ان تثبت البديهة بالبرهان، والبرهان متعطش لنهب البديهة تعطش القرصان الي سفينة ضالة؟ البديهة عزلاء كظبي مطعون بالامان مثلك مثلك، في هذا الحقل المفتوح لعلماء الآثار المسلحين الذين لم يكفّوا عن استجوابك: مَن أنت؟ فتحسست اعضاءك كلها، وقلتَ: أنا أنا. قالوا ما البرهان؟ فقلت: أنا البرهان. فقالوا: هذا لا يكفي، نحتاج الي نقصان. فقلت: أنا الكمال والنقصان. فقالوا: قل انك حجرٌ كي ننهي اعمال التنقيب، فقلت لهم: ليت الفتي حجر، فلم يفهموك واخرجوك من الحقل. أما ظلّك، فلم يتبعك ولم يخدعك، فقد تسمّر هناك وتحجر، ثم اخضر كنبتة سمسم خضراء في النهار، زرقاء في الليل. ثم نما وسما كصفصافة في النهار خضراءُ، وفي الليل زرقاء/ مهما نأيتَ ستدنو/ ومهما قُتلت ستحيا/ فلا تظننّ أنك ميت هناك/ وانك حيّ هنا/ فلا شيء يثبت هذا وذلك الا المجاز/ المجاز الذي درّب الكائنات علي لعبة الكلمات/ المجاز الذي يجعل الظلّ جغرافيا/ والمجاز الذي سيلمّك واسمك/ فاصعد وقومك/ أعلي وابعد مما يعد تراث الاساطير لي ولك/ اكتب بنفسك تاريخ قلبك/ منذ اصابة آدمَ بالحب/ حتي قيامة شعبك/ واكتب بنفسك تاريخ جنسك/ منذ اقتبست من البحر ايقاعه ونظام التنفس/ حتي رجوعك حيّاً اليّ/ فأنت مسجّي أمامي/ كقافية غير كافية لاندفاع كلامي اليك/ أنا المرثيّ والراثي/ فكّني كي أكون/ قُم لأحملك/ اقترب مني لأعرفك/ ابتعد عني لأعرفك! 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية