يخطىء من يعتقد ان تمرير الدستور الذي جرى ‘التصويت’ عليه في مصر هذا الاسبوع سينهي الازمة السياسية في البلد العربي الاكبر. فـ ‘الاستفتاء’ عليه لن يشرعنه لان ظروف الاستفتاء استثنائية وقد خضعت لهندسة سياسية وامنية ممنهجة، ولان الاستفتاء جاء في ظل الحكم العسكري الذي يعني ان الشعب لا يتمتع بحريته في التعبير عن موقفه، وانها صودرت من قبل العسكر.
من المؤكد ان السلطات العسكرية ستدعي ان ‘اغلبية ساحقة’ أقرت ذلك ‘الدستور’ بعد ان كممت افواه المعارضين ومنعت حضور المراقبين الدوليين للاشراف على التصويت الشكلي لكي لا يعوقوا التزييف والتلاعب بالعملية كلها. واذا كان ‘مفكرو’ قوى الثورة المضادة يعتقدون ان قيامهم باستخدام لغة المعارضة واستغلالها لتسجيل المواقف سينهي الازمة ويمهد الارضية لاستمرار الهيمنة بالقوة فان الوقائع تثبت غير ذلك. فلا يكفي التحدث عن ‘الديمقراطية’ و ‘الدستور’ و ‘الاستفتاء’ و ‘الانتخابات’ لاقناع العالم بوجود نظام ديمقراطي ما دامت سجونه مكتظة بسجناء الرأي، وما دام المتحكمون في البلاد يستمدون شرعيتهم من قوة السلاح. فالبحرين مثلا استبدلت دستورها الذي كتبه الشعب وصوت عليه في 1973 بدستور كتبته في 2001 لجنة عينها الحاكم ثم فرضه على الشعب بقرار شخصي، وبدون استفتاء، في 14 شباط/ فبراير 2012، فماذا كانت النتيجة؟ تلك الخطوة ادخلت البلاد في ازمة سياسية تواصلت عشرة اعوام حتى انفجرت الثورة في مثل ذلك اليوم من العام 2011. وعليه فالارجح ان الازمة في مصر ستتفاقم في الشهور المقبلة برغم سياسات التخدير الاعلامية والمالية التي تساهم في تمويلها اكبر دولة نفطية في الشرق الاوسط، لاسباب عديدة: اولها ان الانقلاب العسكري سيواصل حكم البلاد بالنار والحديد ولن يكون الدستور مانعا له عن ذلك. ثانيها: ان هذا الدستور كتبته لجنة فرضها الجيش ولم تنتخب من قبل المواطنين، كما هي العادة في البلدان الباحثة عن الاستقرار في ظل توافق مجتمعي. ثالثها: ان الوثيقة التي عرضت للتصويت انما هي تقنين لهيمنة الحكم العسكري وشرعنة لمن انقلبوا على الثورة والدستور الذي أقره الشعب بعد ان كتبه ممثلوه المنتخبون. رابعا: ان اداء العسكر لن يخرج عن القاعدة التي تقول ‘الطبع يغلب التطبع’، فالعسكري اذا تمكن من السلطة لا يرضى بالتخلي عنها لغيره، بل يواصل تصرفه المتميز بالغلظة والصرامة مع من يحاول منافسته في تلك السلطة. وما جرى في الجزائر بعد انقلاب العسكر ضد الانتخابات الديمقراطية في 1992 يؤكد استحالة استقرار الاوضاع في ظل الحكم العسكري. ويؤكد ذلك ما جرى في تركيا بعد انقلاب كنعان ايفرين في 1980 وحل حكومة سليمان ديميريل، فلم تستقر تركيا الا بعد عودة الحكم المدني قبل اثني عشر عاما.
ان اقرار ‘دستور’ كتب خارج الارادة الشعبية لا يمكن ان يوفر حلا سياسيا لبلد كبير مثل مصر التي لن تستقر اوضاعها الا بعد اسقاط الحكم العسكري الذي بدأت حقيقته تظهر بوضوح. فهو انقلاب ليس ضد حكم الاخوان المسلمين فحسب، بل ضد ثورة 25 يناير التي اسقطت حكم حسني مبارك. وفي الثورات الناجحة تطرح صيغ للتعاطي مع رموز الحكم البائد. هذه الصيغ تتخذ اشكالا عديدة، فتبدأ بمحاكمة رموز ذلك العهد، وربما اعدامهم وسجن اغلبهم، وتصل الى اجتثاث عناصر ذلك العهد من المؤسسات الرسمية ومواقع القرار. وفي أقلها حسما، تتخذ شكل ‘الحقيقة والمصالحة’ الذي تجسد تجربة جنوب افريقيا مصداقا عمليا له. وهنا يكتفي النظام الجديد باعتراف رموز العهد البائد بما ارتكبوه من جرائم في مقابل العفو عنهم وطي صفحة الماضي. اما ما جرى في مصر، وقبلها في الجزائر فلا ينطوي على ما يؤدي للامن والاستقرار، او اقناع الرأي العام بحصول تغيير جوهري في النظام. ففي 15 نيسان/ ابريل الماضي برأت المحكمة حسني مبارك، الذي اسقطته الثورة من التهم التي وجهت اليه. ومن تلك التهم الفساد المالي والاختلاسات، وقتل المتظاهرين الذين شاركوا في الثورة خصوصا في ما سمي ‘حادثة الجمل’. ونقل من سجن طرة إلى مقر إقامته الجبرية في مستشفى المعادي للقوات المسلحة بالقاهرة. ثم برأت المحاكم التي تعمل في ظل حكم العسكر، كلا من الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء المصري الأسبق، ونجلي حسني مبارك (علاء وجمال) من تهمة الاستيلاء على أرض مملوكة لجمعية إسكان ‘ضباط القوات الجوية’ التي عرفت إعلامياً بقضية ‘أرض الطيارين’. وفي شهر حزيران/ يونيو الماضي شهد الشارع المصري وأوساط الرأي العام، حالة من الغضب الشديد عقب الإعلان عن إخلاء سبيل جمال وعلاء مبارك في قضية قتل المتظاهرين والتربح والإضرار بالمال العام بتصدير الغاز لـ ‘إسرائيل’، وقضية التلاعب بالبورصة.
ويوما بعد آخر يتضح الوجه الحقيقي للانقلاب العسكري. المشكلة ان قوى الثورة المضادة التي مهدت الارضية لذلك الانقلاب ساهمت في التأثير الكبير على الرأي العام المصري، وهيأت الاوضاع عن طريق الاثارات الاعلامية والضغط الاقتصادي والبلبلة الفكرية والاطروحات المذهبية والطائفية، حتى تم خلق رأي عام مناهض لحكم الاخوان المسلمين داخل مصر وخارجها. وساهم الاخوان انفسهم في ذلك المناخ بسياساتهم الضعيفة ازاء قوى الثورة المضادة، واعتقادهم ان التظاهر بـ ‘المرونة’ وتحاشي التصادم مع تلك القوى، وانتهاج سياسات تهدف لاسترضاء تلك القوى سيجعل الآخرين مطمئنين لحكمهم، او راغبين في التعامل معهم. ولكن تلك السياسات شجعت تلك القوى على تلمس نقاط الضعف في التفكير الاستراتيجي للاخوان، واستيعاب مدى قدرتهم على مواجهة تبعات الانقلاب الذي كان يعد ضدهم. كما ان تلك القوى التي تحالفت مع العسكر او غضت الطرف عن انقلابهم أسست موقفها على الحساسية المفرطة تجاه مشروع ‘الاسلام السياسي’ الذي يمثل الاخوان احدى فصائله، ولكن اغلبها ادرك الآن ان التعويل على العسكر لم يكن في محله، وان حكم العسكر الذين اختطفوا الحكم بالقوة أخطر من الاخوان الذين جاؤوا للحكم بصناديق الاقتراع، ويمكن ازاحتهم عنه عبر تلك الصناديق.
وثمة مسألة اخرى حول التصويت على الدستور الذي كتبته لجنة من خمسين شخصا عينهم المجلس العسكري بشكل انتقائي. هل سيوفر هذا التصويت شرعية لهذا الدستور؟ وهنا يجب ملاحظة عدد من الحقائق: اولها ان الدستور كتب خارج اطار التفويض الشعبي، فلم يستشر المواطنون، ولم ينتخب مجلس او هيئة او لجنة لكتابته، بل كتبته اللجنة التي عينها العسكر. ثانيها: ان معارضي الدستور لم يسمح لهم بالدعوة لمقاطعته او التصويت بـ ‘لا’ عليه.
ومن فعل ذلك اعتقل، كما حدث لعدد من اعضاء ‘حزب مصر القوية’ بقيادة الاخواني السابق الدكتور عبد المنعم ابوالفتوح. فبرغم ان هذا الحزب ساير الانقلابيين حين اسقطوا الرئيس المنتخب، الا ان مواد الدستور ونغمته وتوجهه العام وما منحه من صلاحيات كبيرة للعسكر اقنعت قياداته بضرورة رفضه. وقد اعتقل الاسبوع الماضي عدد من اعضاء الحزب بعد ان قاموا بتعليق ملصقات تطالب برفض هذا الدستور. بينما سخرت كافة الوسائل الاعلامية لترويجه وخداع الجماهير بانه يعبر عن ارادتها وسيؤدي الى وحدة المجتمع المصري. ثالثها: ان اجراءات عديدة سبقت التصويت للايحاء للمواطنين بان الوضع الاقتصادي سيتحسن وان مصر ستكون اكثر استقرارا وجذبا للاستثمارات الضخمة. وفي الاسبوع الماضي قام وفد من 100 شخصية اقتصادية سعودية بزيارة مصر للاعلان عن عزم السعودية استثمار عشرات المليارات من الدولارات في مصر. هذه الخطوة السعودية تشبه ما فعلته الرياض بعد الانقلاب العسكري مباشرة. فقد اعلنت عن تقديمها ثلاثة مليارات دولار من الدعم، واعلنت الامارات والكويت دعما آخر جعل مجموع الدعم الخليجي الموعود اثني عشر مليار دولار. كل ذلك لدعم العسكريين في انقلابهم. رابعا: ان التصويت سبقته خطوات اخرى لاقناع المصريين بعدم جدوى رفض الدستور او مقاطعة التصويت عليه. ففي 24 كانون الاول/ ديسمبر اطلق رئيس الوزراء الذي عينه العسكريون، مصطفى ببلاوي قنبلة من العيار الثقيل قائلا: الاخوان المسلمون منظمة ارهابية. هذا التصريح اعلان لحرب مفتوحة مع منظمة منعت من العمل السياسي اكثر من خمسة عقود وسجن قادتها واعضاؤها منذ 1954، ومع ذلك لم ترفع السلاح بوجه الحكومات المتعاقبة.
الواضح ان قوى الثورة المضادة التي تتصدرها السعودية اعتقدت ان الاخوان المسلمين اذا بقوا في الحكم فترة طويلة فسيقلصون نفوذ العسكر من الحياة السياسية ويعيدونهم الى الثكنات، وان تحول اكبر دولة عربية الى الديمقراطية لن يكون اثره محصورا بحدود مصر. ومن جهة اخرى فان الانقلاب على رئيس منتخب بالشكل الدموي الذي حدث به قد اثار حفيظة الكثيرين واحرج الغربيين ودفع الاوضاع في مصر الى حالة غير مسبوقة من التوتر. يضاف الى ذلك ان استدراج القوى التي شاركت في الثورة واعتقدت انها حققت حلم العمر ينطوي على مخاطر كثيرة خصوصا اذا ظهرت خفايا المشروع الانقلابي. فالافراج عن مبارك ونجليه، واعادة ترويج رموز عهده ومن بينهم آخر رئيس وزرائه كان تطورا مروعا للكثيرين.
واذا اضيف لذلك اعتقال الرئيس المنتخب محمد مرسي ورئيس وزرائه، قنديل، فان الصورة تكون قد انقلبت تماما وان الثورة المضادة قد حققت كامل ما كانت تخطط له. وجاءت الضغوط الغربية ليس لابطال الانقلاب او التصدي للتدخل السعودي في مصر (وقبلها في البحرين)، بل لحماية ذلك الانقلاب وشرعنته بكتابة دستور جديد والتعجيل بالخروج من الواقع الخطير الذي تبلور بعد الانقلاب. وليس خافيا زخم الاهتمام الاعلامي الذي صاحب مشروع كتابة الدستور ثم الدعوة للتصويت عليه. انها واحدة من القضايا التي تدعو للتقزز والاشمئزاز لانها كانت من اهم وسائل خداع الجماهير البسيطة وتضليلها. وقد ساهم العداء العام للمشروع الذي يمثله الاخوان المسلمون والاخطاء التكتيكية التي استدرجوا لارتكابها أثرها في بلورة الرأي العام ضدهم، الامر الذي استغلته السعودية بشكل خاص، ودفعها لتسخير وسائل اعلامها لترويج حكم العسكر ودفع المواطنين للتصويت عليه. هذا لا يعني ان اغلبية ساحقة أقرته، بل الارجح، كما تدعي مصادر عديدة، ان النتيجة كانت معدة سلفا والارقام مقررة قبل فترة من التصويت. فليس من المعقول ان الشعب الذي ثار ضد حسني مبارك يوافق على حكم العسكر الذي لم يخف ارتباطه بذلك النظام، وتبرئة رموزه من كل ما نسب اليهم.
مصر لا تحكم بدستور مشروع، فأي دستور لا يكتبه الشعب عن طريق ممثليه المنتخبين بشكل حر لا يحظى بشرعية ولا يمكن اعتباره دستورا. فعندما تتم هندسته بمقاسات القائمين عليه، وتنفق الملايين لشراء اصوات الفقراء البسطاء، وتسخير الأقلام الرخيصة من المطبلين لانظمة القمع في مقابل حفنة من المال او الجاه، يفقد الدستور روحه التي تعبر عن مشاعر الجماهير وتطلعاتهم، ويصبح تعبيرا عن ارادة ‘المنتصر’ عسكريا وامنيا، وان كان مهزوما اخلاقيا وسياسيا. وقد اظهرت التجربة المصرية، وقبلها البحرانية، مدى ما يمكن ان ترتكبه القوى الرافضة للتغيير من مجازر وانتهاكات لضمان عدم وصول رياح التغيير الى حدود بلدانها. انها الاشكالية التي سعت اجيال متعاقبة في عالمنا العربي لتجاوزها، وما اكثر الانتفاضات التي حدثت في العقود الثلاثة الاخيرة، وما اكثر الذين استشهدوا على طريق النضال من اجل الحرية والعدالة، والسجناء الذين اعتقلوا وعذبوا وما يزالون حتى اليوم.
فمعتقلات مصر تضيق بالمعارضين الذين رفضوا الانقلاب الفاضح ضد ثورة الشعب، بتمويل سعودي ودعم غربي يسعى اهله للتعتيم عليه بالتصريحات المتناقضة. انها قصة الثورات التي يتم اجهاضها من قبل اعداء التغيير، مهما كان الثمن. فاذا كانت البحرين، وهي البلد الصغير الذي لا يعادل في مساحته او حجمه السكاني اكثر من واحد بالمئة من مصر تسجن ثلاثة آلاف من مواطنيها بسبب مطالبتهم بالتغيير، فكيف هو حال مصر التي سينعكس التغيير فيها حتى على مملكة الصمت في الجزيرة العربية؟ مع ذلك يمكن القول بقدر من الثقة ان الدستور المصري الذي تم التصويت عليه لن يكون بديلا شرعيا للدستور الذي كتبه ممثلو الشعب واقروه في استفتاء عام. وبحلول العام الميلادي الحالي تدخل المنطقة حقبة اخرى سيكون النضال فيها ملحوظا وقد تفوق تضحيات شعوبها من اجل الحرية والعدالة ما قدمته قبل ثلاثة اعوام. انه ربيع عربي آخر تسقى اشجاره بدماء ضحايا الثورات التغييرية الموؤودة، التي ترفض الموت وتصر على الحياة، مهما كان الثمن.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن