دستور يا اسيادنا: مصر تنتفض علي وقع التعديلات الدستو ـ وراثية
د. عماد عبد الرازقدستور يا اسيادنا: مصر تنتفض علي وقع التعديلات الدستو ـ وراثية د. عبدالسميع اللميع في حالة حوار الحملة الدعائية المسعورة التي أطلقها التليفزيون المصري مواكبة لحملة البلطجة الدستورية التي أطلقها النظام لا تختلف في رداءتها وفجاجتها عن أي شيء آخر يروج له هذا التليفزيون البيروقراطي العجوز. تتجلي الحملة الكسيحة في شعارات تظهر أسفل شاشات الفضائية وأخواتها من القنوات العرجاء كالنيل للدراما وقناة مصر الإخبارية، مثل شعار تحديث دستور مصر ، او شارك بصوتك في تحديث الدستور. تذكرني الحملة بأدبيات النظام الشمولي الاستبدادي في واحدة من أبشع صوره وأكثرها تكثيفا وبلاغة، تلك التي صورها الروائي البريطاني جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 .في إطار هذه الحملة المسعورة لطمس الحقائق وترويج البضاعة الدستورية المغشوشة، شاهدت برنامجاً اسمه حالة حوار علي الفضائية المصرية حري بالمسؤولين أن يغيروا اسمه إلي حالة خوار . فهو يطلق علينا تسونامي بشريا في صورة مذيع، منتفخ الأوداج، ممتلئ بذاته حتي التخمة، يشن علي المشاهدين هجوما كاسحا ماسحا، سريع الطلقات، يتحدث بلا هوادة حتي يجهز علي أنفاس مشاهديه في الأستديو ( ولا أحد يشاهده في المنازل طبعا). المذيع المدعو عمرو عبد السميع يتحدث بطريقة أقرب إلي الردح النسواني في الأحياء الشعبية، يلوح بيديه المكتنزتين، يكور الهواء تارة ويشطره أخماسا وأسداسا، متبخترا، متباهيا، مفتعلا الابتسام، متضاحكا وحده علي النكات التي يطلقها هو، ومشنفا أذنيه برجع كلماته وصولاته وجولاته في خضم حججه التي لا يشق لها غبار . مقدمة الحلقة الأخيرة خصصها لمناقشة التعديلات الدستورية وما انتهت إليه فقال: التعديلات الدستورية كما أرادها الرئيس كانت تهدف إلي الحد من سلطات رئيس الجمهورية. كما أصر الرئيس أن تكون التعديلات في خدمة زيادة سلطات الحكومة، وزيادة سلطات البرلمان في محاسبة الحكومة. وقال أيضا أن الرئيس أوضح في اختياره للتعديلات أن الهدف منها أن تزيد من هامش الممارسة الديمقراطية وان تتسع قاعدة الأحزاب المشاركة . الخلاصة الأولي في هذا الملخص الداعر أن هذه التعديلات الدستورية تأتي كعطية من السلطان، ومكرمة من مكارم أيادي سموه البيضاء، وهكذا أرادها هو أن تكون لصالح الشعب والجماهير الكادحة، قلبا وقالبا قدا وقديدا، فإذا ما انحرفت التعديلات عن ذلك فذلك بالتأكيد ليس خطأ الرئيس. أما الخلاصة الثانية فتتمثل في الاختزال الانتقائي الذي مارسه المذيع بلا وجل ودون خجل، فلم يأت بالمرة مثلا علي ذكر تعديل المادة مئة وتسعين التي ستخول الشرطة سلطات مطلقة في مجال الاعتقالات، وتسمح لها بالتنصت علي محادثات المواطنين الخاصة، كما أنها ستسمح لرئيس الجمهورية بحرمان المتهمين بالإرهاب من القضاء العادي وإحالتهم إلي محاكم عسكرية. بعد هذه المقدمة الدعائية الفجة التي استغرق فيها منتشيا المذيع الذي يستأثر بأكثر من نصف وقت الحلقة ليدلي بتعليقاته وأسئلته وأرائه وتنظيراته ودفوعاته وتفنديه لوجهات النظر التي يطرحها هو نيابة عن الآخرين ثم يتولي دحضها، بعدها يقدم البرنامج الفاجر أغنية وطنية يظهر فيها الرئيس في كل اللقطات يقبل الأطفال والشيوخ والفلاحين وأعضاء مجلس الشعب، يجالس شيوخ الفلاحين في قريته ويتبسط معهم، مع القوات المسلحة وعلي متن إحدي السفن، يحي الجماهير المحتشدة لاستقباله أينما ذهب، يفتتح المصانع والمتاجر والحدائق ومزارع الدواجن والجسور والمساجد، ولقطات له يكتب التعديلات الدستورية الجديدة، ومجتمعا مع الحكومة ومستقبلا الضيوف الأجانب ومعانقا المواطنين كبارا وصغارا، مدنيين وعسكريين، وملوحا بيده للجماهير الغفيرة في كل مكان. كلها لقطات للرئيس المفدي والقائد المبدي وكأنه لا يقضي احد عشر شهرا من السنة في حصنه الحصين في شرم الشيخ. لا يلتقي ولا يري ولا يسمع شيئا عن المصريين. فهل هناك أي علاقة لهذه الأغنية الدعائية الفجة بحالة الخوار؟ يعرض المذيع الجهبذ وجهات النظر الأخري من خلال كلمات مثل: البعض يري أن القانون الجديد لمكافحة الارهاب سيكون بديلا لقانون الطوارئ. البعض الأخر يقول كذا وكذا وكذا. وهو يذكر مثلا ان رئيس حزب الوفد قال كذا في جريدة الحزب، أو أن بعض المستقلين المعروفين بتعاطفهم مع الجماعة المحظورة ( ولا يشاء هو أن يدنس فمه الطاهر باسم الإخوان المسلمين ). كل هؤلاء لم ير المذيع الجهبذ ان عليه ان يستضيفهم ليسمع بنفسه آراءهم ويترك لهم الفرصة لعرضها والدفاع عنها وشرحها أمام المشاهدين. كلا علي الإطلاق، هو ينفرد بطرح الموضوع والحجج والحجج المضادة، والمسألة كلها حوار بينه وبين نفسه أولا، فهو يعرض حجة المعارضين ويفندها في نفس الجملة ( إن لم يكن بدحضها عنوة بالنفي القاطع، أو بعرضها بأسلوب يجمع بين الاستخفاف والسخرية والتهميش وغيرها من تقنيات الردح الفصيح) أو حوار بينه وبين ضيوفه من كتاب الصحف الحكومية الملاكي وزبانيتها من حاملي المباخر ومدلكي مفاصل الحكومة المصابة بالروماتيزم والروماتويد وسائر أمراض الشيخوخة. في هذه الحلقة بالذات استضاف رئيس مجلس الشعب، د. فتحي سرور، كبير ترزية القوانين في مصر المحروسة، الرجل الجهبذ، الفطحل المتخصص في كل ما له علاقة بالدستور وقوانينه وتشريعاته، والجاثم علي أنفاس مجلس الشعب منذ دهر طويل، ومع ذلك لم ير المذيع المتضخم شكلا وموضوعا سببا وجيها ليدعو ضيفا آخر من أي من المعارضين الذين جاء علي ذكرهم ليترك الفرصة لضيفه الجهبذ ليقارعهم حجة بحجة فيصرعهم ويجندلهم، وهو الذي لا يشق له غبار دستوري. ألم يتعلم المذيع اللميع في كلية الإعلام التي تخرج منها أن من أبجديات العمل الإعلامي ومن أخلاقيات المهنة أن البرامج التي تتصدي لمناقشة قضايا الرأي العام يتحتم عليها عرض كل الآراء لا وجهة نظر الحكومة أو صاحب البرنامج وحده؟حواديت عم عطا الله علي طريقة حواديت العم هيكل التي أكل عليها الزمان وشرب عن باشوات وبكوات العهد البائد، التي يطلقها اسبوعيا الصحافي المخضرم من علي مصطبته الملاكي في قناة الجزيرة، تسير الفضائية المصرية علي هدي النهج الهيكلي اللاتليفزيوني، الذي يكرس فلسفة حوار الطرشان ، أي أن يتكلم وحده ولا أحد يرد عليه، فتترك الشاشة لأحد عديمي الموهبة من كتاب الحكومة الملاكي لينفرد بالمشاهدين معلقا سياسيا ومحللا استراتيجيا فذا بأسلوب حواديت قبل النوم ( لأنها أفضل طريقة ترسل المشاهدين ليغطوا في نوم عميق علي الارائك). الفارق الوحيد ان الفضائية المصرية تأخذها الشفقة بمشاهديها وتقصر فترة حواديت قبل النوم علي نصف ساعة فقط في مقابل العرض المتواصل لجدو هيكل. ينفرد بالمشاهدين رجل يدعي مرسي عطا الله ( لا أذكر أن قرأت له عامودا واحدا في أي من الصحف السيارة ولا حتي في صفحة الوفيات أو في باب حظك اليوم)، طوال نصف ساعة يحكي لهم حواديت قديمة ومملة. اختار المتحدث ان يحكي لنا حواديت عن حكاية قتل الأسري المصريين علي يد الجنود الإسرائيليين. قال العم مرسي إننا (يقصد بالطبع مصر، علي اساس انه يختصر أم الدنيا في شخصه الكريم) في مصر ردينا علي جريمة قتل الأسري بس ماحدش واخد باله. إزاي؟ حذروا فزروا؟ فيه موقع في سينا ليس بعيدا عن موقع قتل الأسري اسمه المزرعة الصينية، كان اسمه كده لأن اليابان أهدته لمصر ( أليس من حق اليابان ان تغضب لأننا سميناه المزرعة الصينية؟ عموما كلهم شبه بعض، ثم إن كله عند العرب صابون) حاولوا الاسرائيليون الاستيلاء عليه وتكبدوا خسائر فادحة لذا سموه اكبر مقبرة اسرائيلية لجنودهم. احنا كده ردينا علي المجزرة لكن بالطريقة العسكرية الشريفة . ومن هنا يقفز فجأة الي نقطة أخري او حدوتة أخري قائلا طب ما احنا كان عندنا الأسري الإسرائيليين في مصر، أنا شخصيا كنت مسؤولا عن اللواء عساف ياغوري ورافقته ولفيت بيه علي المعبد اليهودي وعلي بيوت اليهود اللي عايشين في مصر؟! (وما علاقة ذلك بتلك، أنفهم من هذا أن مصر كانت تعامل الأسري من رتبة لواء فنازلا كسياح درجة أولي؟!)، وطبعا (والكلام للصحافي النكرة) الراجل مشي من هنا وهوه نادم اشد الندم علي إن الناس اللي حاربهم مطلعوش همج زي ما كانوا بيقولوله في إسرائيل . الله الله ع الحكمة التي تتقطر من أفواه المهابيل. فليهنأ شهداء مصر ويغطوا في نومهم قريري العين في قبورهم، فقد انتقم لهم العم عطا الله ولقن بني صهيون درسا لم ينسوه بدليل أنهم توقفوا عن قتل الأسري المصريين تماما وتفرغوا بدلا عن ذلك لقتل المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين فرادي وبالجملة في قانا وجنين وغزة والضفة الغربية وإلي آخر القائمة. سوبر ضيف بلا حدود كلي القدرة هل يشاهد المسؤولون في قناة الجزيرة برامجها بغية تقييمها ومراجعة مذيعيها ومحاسبتهم إذا اقتضي الأمر علي ما قد يقترفونه أحيانا من تجاوزات أو تقودهم إليه نزواتهم النرجسية. أم أن ذواتهم النرجسية تضخمت فباتت مستعصية علي المحاسبة؟ في حلقة من برنامج بلا حدود تناولت آثار المحكمة الدولية علي لبنان والمنطقة ، استضاف مقدمها رجل قانون متخصص اسمه د. علي الغتيت. قدم له بعريضة طويلة، عريضة، مستطيلة مستفيضة، عدد فيها مؤهلات الضيف والمناصب التي شغلها طوال حياته وتلك التي لا يزال يشغلها. وحتي لا أتهم بالتزيد هذه هي القائمة بحذافيرها. ضيفنا هو الأستاذ علي الغتيت عضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين. ولد الدكتور علي الغتيت في القاهرة عام 1940، حصل علي ليسانس الحقوق عام 1961 في جامعة القاهرة وعلي الماجستير في القانون في الجامعة وفي عام 1974 حصل علي الدكتوراه في جامعة بيركلي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1972، ثم عمل أستاذا مشاركا بها مع كبار أساتذة القانون لعلم الفلسفة الدستورية والمضمون الجوهري لقوانين المقارنة والمنازعات، متخصص في القانون الاقتصادي الدولي والمقارن وعضو بمجلس التحكيم الدولي ويعمل أستاذا لعلم الاقتصاد المقارن والقانون الدولي الخاص بكلية الحقوق جامعة القاهرة ومعهد قانون الأعمال الدولي في جامعة السوربون في باريس، عضو بالمجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين وعضو بمجلس إدارة المفوضية الدولية للمحكمين في باريس، نائب رئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي، رئيس مشارك لتحرير مجلة التحكيم الدولي التي تصدر ربع سنوي في كل من ميلان والقاهرة، عضو نقابة المحامين بمدينة نيويورك الأمريكية والمعهد البريطاني للقانون المقارن والقانون الدولي بمدينة لندن، عضو في المعهد الدولي لقانون الأعمال الدولي بباريس وعضو بجمعية القانون الدولي الأمريكية وعضو سابق بلجنة تمثيل الدول العربية للجمعية الدولية للأعمال في لندن والممثل الإقليمي للمجموعة العربية بقسم القانون الدولي بالنقابة الدولية للمحامين، مستشار قانوني للجمعية العربية لمكافحة التمييز وعضو في اللجنة القانونية العليا للتحكيم الاقتصادي الدولي وعضو بمجلس إدارة مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم الدولي وعضو في مجلس إدارة الجمعية الدولية للمترافعين أمام القضاء الدولي منذ العام 1980، ترافع في كثير من القضايا الدولية المعروفة ولعل أبرز مرافعاته كانت فيما يتعلق بالدفاع عن المفكر البارز روجيه غارودي في باريس، يجيد العربية والانكليزية والفرنسية . حتي المناصب التي شغلها الضيف سابقا لم تغفلها القائمة، ولا المجلة الربع سنوية التي تصدر في ميلانو والقاهرة؟!.. ولم يبق سوي أن يخبرنا المذيع إذا كان الضيف أهلاوي ولا زملكاوي، وهواياته وألوانه المفضلة. أما عن أهمية ذلك للمستمع المسكين، فحدث ولا تخف. السؤال المحير حقا هو من أين يأتي الضيف العلامة بالوقت الكافي للقيام بكل هذه المهام المتعددة من أقصي العالم لأدناه؟ لابد أن له عشر أياد وخمسة وعشرين قدما، ولابد أن يومه مكون من 365 ساعة، وإلا لما وجد ساعتين من وقته الثمين اللا محدود لبرنامج هو أصلا بلا حدود . ہ ناقد سينمائي من مصر