البعض يقول ان المقاهي كلّها فضائل، والبعض الآخر يقول انها كلّها رذائل. أما أنا فعلى قناعة متمرّسة أنها كلها فضائل سوى رذيلة واحدة أدخلتها عليها لاحقا الدولة جورا وظلما، ألا وهي قرار منع التدخين في الاماكن العامة المقفلة، وينطبق ذلك على جميعها خلال فصل الشتاء. جلست الى طاولة احتسي القهوة واطالع صحيفة يومية، قرأت فيها أن سفير المملكة العربية السعودية في لبنان قام بتدشين مركز استقبال النازحين السوريين قي منطقة المرج ذ البقاع لتقديم اخدمات اساسية لهم، وسيكون مقرا مؤقتا لهم يستقبلهم فور وصولهم الى لبنان، ليتسنى لهم الانتقال فيما بعد الى اماكن افضل الى حين عودتهم الى ديارهم’، خاتما كلامه قائلا لاهل سوريا: ا ان كل ليل يعقبه نهارب. أستوقفني هذا الخبر وطويت الصحيفة كما يطوي كل انسان ورقة قبل رميها في سلّة المهملات. بقيت بعض الوقت ساهيا شاردا، غير مبال بالعابرين، على غير عادتي. جلس الى طاولة ملاصقة مجاورة رجل بدين، حليق الراس، داكن السحنة، في العقد السادس من عمره، يلبس ثيابا شتوية فضفاضة، والتهم قطع صحن الحلوى بنهم لافت. بعد قليل، اقتربت منه طفلة لا يزيد عمرها عن الخمس سنوات مع طفلة اخرى اصغر منها سنا ونادته اباباب وكلمات أخرى بصوت خافت. مدّ يده الى جيبه واعطى الطفلة ثلاثماية دولار من رزمة تتعدى قيمتها الخمسة الاف دولار. أسرعت الطفلة الى داخل محل ثياب فبالة المفهى وعادت مع والدتها الشقراء التي لا يتعدى عمرها الخامسة والعشرين ربيعا، شعرها طويل مرخى على كتفيها، فارعة الطول، جميلة القد. تحدثت اليه شاكرة باللغة اللبنانية العامية. بادرها بالقول أن اأم كاملب سوف تصل الى بيروت قادمة من الرياض بعد يومين، ولن يكون لديه حيلة لمشاهدة الطفلتين، وان تطلب منه كل ما تشاء. ثم غادرا المكان سوية، هو يحمل اكياس التسوٌق، ودخلا من جديد الى محلات افيرجينب القريبة. أزددت بعد ذلك شرودا وألما رغم فرحي بمشاهدة الطفلتين الجميلتين البريئتين. فكّرت كيف ان هذا السعودي المزواج من سيدة لبنانية سرّا، يستطيع ان يكون له مثل هاتين الطفلتين الملاكين ويعيش جهارا، مع سيدة أخرى، أو سيدات كثر سواها، ويحتمل شوق البعاد عنهما وعن اطفال كثيرين سواهنّ. لست أدري ان كان يدرك معنى الابوّة الحقّة. اعادني هذا المشهد المؤثر الى الدور المشبوه الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في لبنان جهارا، بعد أن أرسلت سرّا الارهابيين من شاكلة االفئات الضالّةب والسلاح الى سوريا لاسقاط الرئيس بشار الاسد ونشر القتل والارهاب والدمار في طول البلاد، ونشر االديمقراطيةب لم تدخل المعجم السعودي في الداخل الوهّابي، وهي الان تبدي هذا العطف والرعاية لمن سببت لهم كل هذه المآسي والتهجير والويلات والمجازر. ثُم ماذا يعني السفير في قوله ان هذا المقر امؤقتب؟ كم هي مدة هذا الزمن المؤقت؟ أو يقول اليتسنى لهم الانتقال فيما بعد الى اماكن افضلب. اين ستكون هذه الاماكن الافضل؟ هل ستكون داخل لبنان أم داخل السعودية؟ أو يضيف قائلا: االى حين عودتهم الى ديارهمب. ان معظم النازحين الى المقر هم فلسطينيون فرّوا من مخيم اليرموك في دمشق المجاورة لمنطقة المرج – البقاع. هل ستعيد السعودية هؤلاء الشرفاء الذين ابتلوا بادخال ارهابيي السعودية الوهّابيين الى مخيمهم في اليرموك؟ أم الى أديارهم في فلسطين السليبة واستقرارهم الدائم؟ ام الى مخيمات مستحدثة في لبنان وزجّهم في حرب داخلية اهلية مستقبلا؟ ثمّ لو وعد غير السفير السعودي ان كل ليل يعقبه نهار، لاستبشرنا خيرا. فكيف علينا ان نستبشر خيرا فيمن هو نفسه واربابه الذين زرعوا الليل الاسود في سوريا ويدّعون ان نهارا سيعقبه عليها في أدعيتهم!سعد نسيب عطاالله – لبنان