دعوات لتغيير طريقة الانتخابات في إسرائيل لتجاوز الأزمات السياسية الراهنة

حجم الخط
2

الناصرة- “القدس العربي”:
بعد جولتين انتخابيتين برلمانيتين متعبتين سبقتها انتخابات ثالثة للحكم المحلي في غضون عام واحد، تزايدت في الأيام الأخيرة، الدعوات لتغيير طريقة الانتخابات الإسرائيلية، أو حسب المصطلح المتداول “تغيير نظام الحكم”.

ويوضح المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” أن هذه الدعوات تتصاعد على ضوء الأزمة المستمرة، التي تمنع قيام حكومة جديدة، ما أدى إلى إعادة الانتخابات في أيلول، بعد 161 يوماً على انتخابات أبريل/نيسان، والحديث مجدداً عن احتمال إجراء انتخابات برلمانية ثالثة. منوها أن ما يجري هو فعليا استمرار لجدل نشب منذ ثلاثة عقود، حينما تفككت حكومة “الوحدة القومية” في العام 1990، بين الليكود و”العمل”، ومحاولة الأخير تشكيل حكومة تنقلب على حكم الليكود، إذ كانت محاولة رافقها تقديم إغراءات لكتل المتدينين المتزمتين “الحريديم”، في وقت تعاظمت النقمة الشعبية على هذه الكتل، بدعوى أنها “تبتز” كل حكومة تشارك فيها، لنيل ميزانيات أضخم لجمهورها ومؤسساتها.

إلا أن “القشة التي قصمت ظهر البعير”، كانت في عام 1992، حينما رأت الأحزاب الصهيونية أن من رجّح كفّة طبيعة الحكومة التي أفرزتها انتخابات ذلك العام، كانت أصوات المواطنين العرب (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي كان لها 3 مقاعد، والحزب الديمقراطي العربي، في حينه، وكان له مقعدان).

دور ووزن فلسطينيي الداخل
ويتنبه التقرير أنه حتى حزب “العمل” المستفيد الأساس من المعادلة الناشئة، وبفضلها نجح في تشكيل حكومة برئاسة إسحق رابين، مدّ يده لمشاريع تغيير طريقة الانتخابات وكان المشروع في حينه، انتخاباً مباشراً لرئاسة الحكومة، أجمعت عليه الأحزاب الصهيونية والدينية، وتم تطبيقه لأول مرّة في عام 1996.

ولكن هذا الحلّ، الذي كان يهدف إلى تجنيب رئيس الحكومة والحزب الحاكم الابتزازات لدى تشكيل حكومته، انقلب على الحزبين الأكبرين، إذ إن “الابتزاز” بات قبل الانتخابات، إذ اضطر الحزبان الأكبران “العمل” و”الليكود”، لمقايضة أصوات الناخبين لقائمتيهما، مقابل الحصول من القوائم الأخرى لدعم مرشح كل منهما لرئاسة الحكومة مما زاد من قوة وعدد الأحزاب الصغيرة مما زاد من الابتزازات و تعقيدات تشكيل الائتلاف. وقد أدى هذا إلى انهيار في حجم تمثيل الحزبين في الكنيست، ففي حين كان الحزبان يتمثلان على مرّ السنين، بـ40 وحتى 48 مقعداً لكل منهما في الولاية البرلمانية، وتضاف لها أحزاب تابعة، انهار تمثيلهما إلى النصف، وهذا الحال استمر أيضا في انتخابات 1999.

وفي تلك الولاية نشبت أزمة على خلفية المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، أدت إلى انهيار حكومة إيهود باراك، فتوجهت إسرائيل إلى انتخابات لرئاسة الحكومة فقط في أوائل فبراير/ شباط 2001، وشهدت تلك الانتخابات أضعف نسبة مشاركة.

وأمام المشهد الحاصل، قرر الحزبان الأكبران، إلغاء طريقة الانتخاب المباشر لرئاسة الحكومة، فعادت الانتخابات إلى ما كانت عليه سابقاً، ابتداء من الانتخابات البرلمانية التي جرت في الشهر الأول من عام 2003، ولكن لم يعد تمثيل الحزبين كما كان عليه في عقود خلت.

واليوم يجري الحديث عن نظامين مقترحين، فالبعض يطالب بالعودة إلى نظام الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، فيما يطالب آخرون باعتماد نظام الانتخابات الإقليمية، أو المناطقية، بمعنى الانتخاب لمرشح عن منطقة ما. وهذا نظام طُرح مراراً في السنين الماضية، إلا أنه من الصعب جداً تطبيق هذا النظام، لأنه سيعني اختفاء تمثيل الغالبية العظمى من الأحزاب، أو أن يكون تمثيلها ضعيفا.

ويتابع “مدار”: “لدى البحث في هذا النظام الانتخابي، من الضروري البحث في تعقيدات تركيبة المجتمع اليهودي الإسرائيلي، من كافة النواحي. والمتغير الأقوى، هو الارتفاع المتزايد في نسبة المتدينين اليهود، من التيارين المركزيين، المتدينين المتزمتين، “الحريديم”، الذين حسب تقديرات غير رسمية، تتجاوز نسبتهم من بين إجمالي السكان، 13,5%، ما يعني أكثر من 15,5% من اليهود وحدهم، والتيار الديني الصهيوني، الذي يطغى عليه التطرف السياسي، ليضاف له في العقدين الأخيرين، التطرف الديني، ونسبتهم شبيهة حاليا بنسبة “الحريديم”، وهذه نسب في ارتفاع مستمر، على ضوء نسب تكاثر الجمهورين، 3,8% للحريديم، و2,8% للتيار الديني الصهيوني، مقابل 1,4% لدى العلمانيين اليهود، و2,6% نسبة تكاثر فلسطينيي الداخل (17% من السكان)”.

تشكيلات فئوية
وبعد هذا تأتي التشكيلات الفئوية الأخرى، مثل المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، الذين تقدر قوتهم الانتخابية بحوالي 15%، ولكنهم باتوا مشتتين بين مختلف الأحزاب، والمهاجرين من دول أخرى، وأيضا جمهور العلمانيين، الذي يحارب من أجل الحفاظ على الوضع القائم، كحد أدنى. ما يعني أنه إذا تم إقرار نظام انتخابات مناطقية، فإن المشكلة ستظهر بحدّتها، حينما يجلسون ليرسموا حدود كل منطقة كل حزب، والأحزاب التي تمثل قطاعات مختلفة، ستسعى لرسم حدود تضمن سلامة قواعدها الانتخابية.

ويرى “مدار” أنه في هذا المجال، فإن المتضرر الأساس سيكون العرب، خاصة وأن 15% منهم يعيشون في مدن فلسطينية تاريخية باتت ذات أغلبية يهودية، وهي عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، إضافة الى عرب يسكنون في مدن يهودية، وبالذات في “نتسيرت عيليت”، التي باتت تحمل اسم “نوف هجليل”، الجاثمة على الأراضي المصادرة من مدينة الناصرة والقرى المجاورة، وبات العرب فيها يشكلون نسبة 25% حسب التقديرات.

ونوه المركز إلى إن الدعوات لتغيير طريقة الانتخابات، هي عمليا محاولة لهروب إسرائيل من أزماتها الداخلية، المتصاعدة في السنوات الأخيرة، والتي ستبدو أكثر تعقيداً كلما تقدمت السنوات، وهذه ليست فقط تعقيدات سياسية، رغم تقلص الفوارق في توجهات الأحزاب التي تدور في فلك الحكم، وإنما أساسا تعقيدات تفرزها التغيرات الديمغرافية، على مستويات متعددة.

تزايد المتدينين
يشار إلى أن هناك جهات بحثية أخرى تشير لعوامل خلف تعقيد وتغيير في الحلبة السياسية الإسرائيلية عدا التحولات الديموغرافية، وهي ترتبط بتحول الإسرائيليين للتعصب القومي والديني أكثر من الماضي.

ويوضح “مدار” أن إسرائيل سعت على مرّ السنين، للجم نسبة تكاثر العرب، وكان هذا من خلال عدة وسائل منها تضييق الخناق على الحقوق المدنية ومنع توسيع الخرائط الهيكلية للبناء واستقدام مئات آلاف المهاجرين، في العقود الثلاثة الأخيرة، ما أدى إلى خفض نسبة العرب من إجمالي السكان في مرحلة ما، ثم جمود النسبة مع انخفاض وتيرة الهجرة، حتى عادت نسبة العرب لترتفع بشكل بطيء في السنوات الأخيرة، وهم اليوم يشكلون 17,9% من عدد السكان دون القدس والجولان المحتلين.

ولاحقاً، جاء المتغير الذي بدأ بإحداث انقلاب في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، وهو بروز نسبة المتدينين كما ذكر سابقاً، فإن كانت المؤسسة الإسرائيلية قد هدأت من “رعب ارتفاع نسبة العرب”، فإنها الآن تواجه معضلة لا تجد لها مخرجاً حتى الآن، وهم المتدينون المتزمتون مما يدفع رئيس حزب “إسرائيل بيتنا ” أفيغدور ليبرمان للتحذير من تحول إسرائيل لـ”دولة شريعة”.
على خلفية كل ذلك، دعا رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين في حديث لإذاعة جيش الاحتلال، الخميس، إلى حساب وطني مع النفس، لافتا إلى انشغاله المركزي الراهن في توفيق القطبين المتنافسين من أجل تشكيل حكومة جديدة.

وتابع: “على كل منا القيام بحساب مع النفس والسعي للتعاون بين كل الأسباط المكونة للجماعة الإسرائيلية رغم أن هذا لا يبدو قابلا للتحقيق في المنظور القريب”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية