توفيق بكار
شاعت في السّنوات الأخيرة دعوات موت الآداب وضرورة غلق أقسام الأدب والإنسانيات لعدم جدواها في ظلّ عالم تكنولوجي رقمي متحوّل تحولات سريعة هائلة، وخاصة في الجامعات الغربية، في حين واصلت أقسامنا العربية على حدّ علمنا، وفي بعض أقسامنا التونسية، واصلت التدريس بمناهج السرديات الكلاسيكية لا في أصولها النظرية تمثّلا جيدا ومناقشة وإضافة وعودة إلى المسائل التي ما زالت في حاجة إلى الجدل العلمي الجماعيّ، ولكن واصل أغلبهم الاستعانة بدروس الشيوخ المتقاعدين أو الذين غادروا الحياة، رحمهم الله، وقد اجتهد الشيوخ في تطبيق السرديات الكلاسيكية والمناهج الغربية على النصوص العربية قديمها وحديثها (توفيق بكار ومحمد القاضي ومحمد الخبو..). وكنا قد استشعرنا هذا الخطر والمؤامرة ضدّ الدرسين الأدبي والسردي والتخطيط الممنهج لغلق هذه الأقسام أو تهجينها بإدخال أقسام أخرى بتعلّة التجديد والانفتاح والإصلاح وإعادة الهيكلة والحوكمة الرشيدة بإحداث ماجستارات موازية خارج الاختصاصات الثلاثة الأدب واللغة والحضارة.
والحال ينبغي التجديد في هذه المسارات العلمية التكوينية (يطول الحديث في هذا الموضوع) حتى لا ننتج أعمالا مونوغرافية دوغمائية غايتها أدلجة التفكير وتسييسه، وهذه مآخذ تفطنا إليها تتجاوز حدود هذا المقال لتتنزل في قرارات سياسة التعليم وتوجيه التفكير النقدي في نهج غربي مسطّر، وقد نعود إلى هذه المآخذ لأننا كنّا من ضمن السبّاقين في اكتشاف ما يحدث للدرس الأدبي العربيّ من ضروب التهميش أو التكرار واللامبالاة واجتناب التجديد والتقويم، وكانت الحجج واهية ليست علمية في نظرنا، وإنّما اقتضتها الضرورة السياسية وتمّ التعويل على أعوان ساهموا بأيدي مرتعشة في بعث اليأس من شعب البطالة و«الأدب الميّت» لغايات في نفس يعقوب ولنرجسية مفرطة ومصالح ضيقة، هي حجج تعتبر الأدب زائدا في مناهج التدريس، ولا عمل للمتخرّجين من هذه الشعب، وانّ الأدب يمكن أن يتنزّل في الفعل الثقافي عامّة، وانّه إبداع فرديّ لا علاقة له بالشّهادة العلميّة، وأنّ النصوص القديمة تجاوزها العصر والنصوص الحديثة سيّئة تفتقر إلى الأدبيّة، وأنّ مستوى طلبة الآداب ضعيف، وأنّ العصر يسير نحو هيمنة الذكّاء الصناعيّ، ألخ، من الحجج التي بعثت اليأس عند أغلب الباحثين الذين اختاروا الأدب عن وعي وإرادة، أو محاكاة للمقرّبين من الأصدقاء أو تأثّرا بأساتذة اجتهدوا في قراءة النموذج النظري الغربي وطبقوا على النصوص السردية العربية قديمها وحديثها تقليدا في أحايين كثيرة، وتجاوزا نسبيّا في بعض الدروس إذا تعلقّت الهمم الفردية بالتأويلية، لأنّنا نؤمن أنّ الأستاذ الجيد هو الذي يستثمر معارفه المتنوعة لتأويل النصوص ويجتهد قبل أن يلجأ إلى مراجع الآخر يستنسخها وينسبها إلى نفسه.
الغاية من المعارف
أسئلة كثيرة تخامرنا ونحن نفكّر في جدوى الدّروس اللسانية والعرفانية والسردية والثقافية والسوسيولوجية والجندريّة، إن لم تؤثّر في إدراك المتعلّمين لذواتهم وتغير سلوكهم وعاداتهم وفهمهم للعالم وتثير فيهم هواجس معرفية وتمسّهم في حياتهم وتحقق شرطهم الأنطولوجي وتنمي قدراتهم الذهنية؟ ما الغاية من هذه المعارف إذا كان الأمر ينحصر داخل أسوار الجامعة ويرتبط بالاختبارات والشهائد والجوائز ثمّ تتبخّر هذه المعارف في معترك الحياة وفي اليوميّ القاتل؟ هل نلمس قطيعة في ذهن الأستاذ نفسه بين الدرس السردي والحياة، وأنّه مطالب بالالتزام بمقررات التدريس المفروضة من سلطة الإشراف أو من يمثّلها في لجان التنسيق داخل الأقسام؟ فإذا كان الأمر يتعلّق بضرورة التنفيذ دون المساءلة والتفكير بحرية ومسؤولية، فإنّ الخطر المحدق بالدرسين الأدبي والسردي يزداد تشعبا، وإن وُجدت أصوات خارج السّرب تقف حجر عثرة أمام هذه العوائق الممنهجة، لكن مصير الداعين إلى لا جدوى الأدب وضرورة غلق أقسام تدريسه وتكرار المواضيع المستهلكة.
هذا المصير في طريقه إلى الزوال إذ لم يصمد هؤلاء أمام قوّة الأدب، وسلطة التخييل الإبداعيّ، وعمق المعارف الضمنيّة المتنوعة غذاء للعقل ومتعة كبيرين، بل ولم ينجح هؤلاء في زعزعة من آمن بدور الأدب في حياة البشر. لماذا الخوف من الأدب والإنسانيات إذن؟ هل يقتصر الأمر على استراتيجيات تشغيل المتخرجين من هذه الشعب؟ أم إنّه الخوف من العقل النّقدي الذي تتسع آفاقه ويخرج من حدود الدّرس الجامعي إلى الحياة لا بالمعنى المجرّد الفضفاض والشاعريّ والذاتيّ، وإنّما بمعنى الإحاطة الشاملة لكلّ ما يتعلّق بالشأن العامّ: السياسي والقضائي والاجتماعي والاقتصادي والثقافيّ….
لن يموت الأدب ولن تتوقف الإبداعات الثقافية والفنية ما دامت البشرية موجودة، ولن تتخلى الاختصاصات المعرفية الأخرى عن الأدب مادّة مهمة للبحث العلمي وللتفكير، والأدب عامة بكل أشكال كتابته وأجناسه ومحمولاته وسيلة علاجية تنفيسية في الحياة. فعندما استشعر كثر من المنظرين الغربيين هذه الخطورة (أنطوان كوبنيون وتزفتان تودوروف وغيرهما..) في الجامعات خاصة، كنّا نتابع هذه الأصوات ونبحث عن حلول جماعية لوضعنا نحن في الجامعات العربية وفي الدرس السردي على وجه الخصوص، بعد زعزعة يقينيات صنمية النظرية الأدبية -السردية. وفكرنا في ضرورة عقد الصلة بين الأدب مادة تعليمية والحياة الكبرى، وذلك بكسر هاجس الخوف من هذه الصفوية، أردنا أن يبحث الباحث عن القصص في الحياة، وأن يعيد النظر في مفهوم الأدب ويخرجه من العلموية الصارمة إلى حرية الفعل الإبداعي، إلى فعل الكتابة.
لم نكفّ عن متابعة تأثير هذه الدروس في بعض كتابات الباحثين على مواقع التواصل الاجتماعي، في تدويناتهم الذاتية التي تستثمر المعرفة السردية وتتحرر منها عن وعي والحقّ يقال، سواء جاءت هذه التدوينات بلغة عربية فصيحة أو بعامية تونسية، صحيح أن عشق الأدب قد يكون منذ الصغر ويتطور عبر مراحل العمر بتنويع القراءات، لكن لا ننفي أثر درس الرواية الفلسطينية مثلا في تدوينات الباحثين الفيسبوكية واقتطاع شواهد مؤثرة عن الغربة والتهجير والنفي..لا ننفي أثر الدرس السردي الذاتي في بعض الكتابات الرقمية المعاصرة، وقد تعدّ في نظرنا مادّة مهمّة للبحث فيها واستخلاص ملاحظات تتعلّق بالإشكالية الكبرى التي انطلقنا منها لكتابة هذا المقال «علاقة الأدب بالحياة -وتأثير الدرس السردي في سلوك الباحثين وأفكارهم ومواقفهم وكتابتهم وأحاديثهم».
إنّ بعث الثقة في نفوس من اختار الأدب دراسة وعلما وفنا ومنهجية وتفكيرا نقديا وفعلا جماليا، مسؤوليتنا جميعا، لا بوصفنا جامعيين ملتزمين بمقررات التدريس، بل بوصفنا بشرا بالدرجة الأولى في حاجة إلى هذه الإبداعات حتى نقاوم الجهل والظلم وندعو إلى قيم الحرية والعدالة والاختلاف والخير الأسمى، إنّها ثيمات السرود والأدب عامة مما لا شكّ في ذلك، ترسخ الموضوعات الأدبية في الذهن كما ترسخ الحكم الفلسفية والأمثال والشواهد الدينية في العقول والقلوب ولا فصل بين كل الموضوعات في جميع أنواع النصوص والخطابات الأدبية وغير الأدبية ما دام تأثيرها إيجابيا في تغيير الطبيعة البشرية وتحقيق وظائف التطهير والعلاج والإدراك والمتعة.