دعوا بورقيبة يرتاح في قبره

حجم الخط
0

عبد الوهاب الفقيه رمضان أن أحب بورقيبة أو أن أكره بورقيبة فهذا لا يعني شيئا. أما أن أوافق ما فعله بورقيبة لتونس أو لا أوافقه فهو المهم. بورقيبة قام بأعمال تحسب له وقام بأعمال تحسب عليه. فما بينه وبين الله لا دخل لي ولا لغيري فيه فبورقيبة الآن في ذمة الله ومن الآداب أن نترحم عليه بصفته مسلما. ما دام الأمر هكذا فما الداعي لكتابة هذا؟ إنه داع هام وهام جدا. فهذا الذي يحدث اليوم بتونس ليس من العقل في شيء رغم أن من قام به يعدون من أصحاب العقول. مصيبتنا نحن العرب من أراد زعامة لقوم هرع إلى القبور ينبشها. معاوية بن أبي سفيان نبش قبور قومه وأخرج لنا عظام أمية بن عبد شمس ليسمي دولته باسمهم. السفاح نبش القبور ليخرج عظام هاشم بن عبد مناف ليسمي دولته. في المغرب نبشوا قبر علي بن أبي طالب ليسموا دولتهم العرش العلوي. عبيد الله المهدي نبش قبر السيدة فاطمة الزهراء ليسمي دولته الفاطمية. في تلك الفترات قد نلتمس لهم أعذارا باعتبار أن العصبية القبلية هي التي كانت تجمع. أما اليوم في شهر نيسان من سنة 2012 هل يعقل أن نقبل مثل هذا التصرف البدائي في التفكير السياسي؟ وممن؟ رجل قضى نصف قرن في وظائف سياسية متعددة تصل مرتبة رئاسة الوزراء هو قائد السبسي ورجل أول منصب وال يتقلده سنة 1980 ليصل مرتبة وزير مدير الديوان الرئاسي ووزارة الدفاع هو محمد جغام، ورجل تقلد مهام في المنتظم الأممي وفي حكومات بلاده هو كمال مرجان ورئيسا حزبين يسعيان إلى قيادة البلاد منذ عهد بورقيبة هما أحمد إبراهيم الأمين العام لحزب التجديد الحزب الشيوعي سابقا ومحمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي. ما الذي يجمع هؤلاء في تجمع شعبي بالمنستير تبركا بقبر بورقيبة. بالنسبة للسبسي وجغام ومرجان الأمر ليس غريبا. فهم من مائدة بورقيبة ترعرعوا وبين أحضانه نشأوا سياسيا. أما بالنسبة لأحمد إبراهيم فالأمر مقرف إذ أن محمد حرمل من مؤسسي حزب أحمد إبراهيم سبق وأن حوكم بالإعدام زمن بورقيبة وأنقذه الاتحاد السوفياتي من حبل المشتقة آنذاك. فأي عقل يقبل أن يتبرك أحمد إبراهيم ببورقيبة اليوم؟ أم هو العقلانية الجديدة لحزب يصنف نفسه على الراديكالية؟ وهل يعقل أن رئيس حزب ديمقراطي تقدمي يتبرك بقبر رئيس داس الدستور واعتدى على مبادئ الجمهورية المنصوص عليها في الدستور بأن جعل منصب رئيس الجمهورية مدى الحياة ثم جاءنا بجنرال من المؤسسة العسكرية المخابراتية ليفعل بتونس ما فعل طيلة 23 سنة. أهي الديمقراطية الجديدة والتقدمية الجديدة في هذا الزمن الذي أصبح فيه المشي بالمقلوب؟. الهزيمة النكراء التي مني بها حزب التجديد والحزب الديمقراطي التقدمي في انتخابات المجلس التأسيسي كان لسبب واحد ووحيد وهو أن أحمد إبراهيم ومحمد نجيب الشابي تقلد كل منهما حقيبة وزارية بعد 14 جانفي 2011 ولكن بمجرد أن صدر المرسوم بأن من يتحمل مسؤولية وزارية في تلك الحكومة ليس له الحق في الترشح في انتخابات المجلس التأسيسي استقالا من الحكومة. إنه السبب الواحد والوحيد لانهزام الحزبين في انتخابات المجلس التأسيسي. ليعلم القاصي والداني أن الناخب التونسي ليس غبيا، فقد أدرك أن الغاية لم تكن خدمة تونس بقدر ما هي خدمة الشخص وبسعة صدر خدمة الحزب. وشتان بين هذا وذاك. المصيــبة أن من يظن نفسه راشدا سياسيا يقع في نفس الخطأ وهـــذه المرة خطأ استراتيجي أخطر من الخطأ الأول. من هرع نحو قبر بورقيبة فقد انتحر سياسيا. والأيام سوف تثبت ذلك. إن الشعب اليوم غير الشعب الذي صفق لبورقيبة. فبورقيبة أصبح من التاريخ مثل حسين بن علي وحمودة باشا وأحمد باي وغيرهم كثير. ثم حتى من هو من أحباء بورقيبة للنخاع لا ينسى أن هؤلاء قد صمتوا حين كان بورقيبة يحيا حياة الذل والمهانة في حبس انفرادي لبن علي. أما إحياء حزب الدستور فهو انتحار سياسي آخر. لم يفرح الشعب التونسي في التاريخ المعاصر فرحة بحجم فرحته بحكم المحكمة بوضع حد نهائي للتجمع الحزب الذي به مارس بن علي دكتاتوريته وقاد الشعب التونسي بعصا غليظة لم يسلم منها لا من أسلم ولا من كفر. فأين كان الدساترة آنذاك وحزبهم يفتكه طاغية؟ ثم هل أن حزب الدستور ترك في نفس التونسيين ذرة من الحب أو الحنين؟ إن حزب الدستور افتكه بورقيبة من عبد العزيز الثعالبي سنة 1933 إثر مؤتمر ليلة القدر وكان الافتكاك الرسمي يوم 2 مارس 1934 بمؤتمر قصر هلال. أما بعد الاستقلال فقد هيمن بورقيبة على البلاد والعباد بحزب الدستور. وإن كل الكوارث التي مرت بها البلاد التونسية في العهد البورقيبي من أزمة الأزهر الشرايطي سنة 1962 إلى التعاضد في ستينات القرن العشرين إلى أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل جانفي 1978 إلى أحداث قفصة 1980 إلى انتفاضة الخبز 3 جانفي 1984 إلى انقلاب بن علي 1987 كل هذه الأحداث يتحمل الحزب الدستوري وحده أسبابها وتبعاتها ونتائجها باعتباره الحزب الواحد في زمن الحكم الواحد وباعتباره قد أقصى عمدا وبكل وسائل القمع والترهيب كل التيارات السياسية والفكرية المخالفة، وأرسى نظاما بوليسيا ميليشيا قمعيا. فهل ما زال من ينادي بالحزب الدستوري يطمع فيمن يسمعه ويستجيب؟. لا يغرن العدد قيل 7000 قد حضر هذه التظاهرة بالمنستير. تونس عدد سكانها حوالي 11 مليون، فما 7000 أمام 11000000، ولا ننسى العز والدلال لأهالي المنستير زمن بورقيبة. عادي أنهم أحبوا بورقيبة ومازالوا يحبونه وسوف يحبونه ولا يلومهم أحد على ذلك، لكن تونس من برج الخضراء إلى بنزرت ومن المهدية إلى ساقية سيدي يوسف. تونس ليست المنستير.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية