لم أكن في وقت من الأوقات من المؤيدين لانفصال جنوب السودان وإقامة دولة مستقلة في منطقته، ولم يكن ذلك لأنني اتخذت موقفا سياسيا لصالح أي فصيل من الفصائل، بل لأنني كنت وما زلت أعتقد أن انفصال جنوب السودان لا جدوى منه وسيقدم نموذجا لأعمال مماثلة في إقليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق .
أما لماذا كنت أعارض انفصال جنوب السودان، فلأنني أعتقد أن وحدة السودان جغرافية ولا يحقق الانفصال فائدة لأي طرف من الأطراف، وإذا نظرنا اليوم فسنجد أن دولة جنوب السودان دولة محصورة، فهي لا تستطيع أن تتصل بالعالم الخارجي إلا بالمرور عبر شمال السودان أو عبر بعض الدول الأفريقية الأخرى التي ستوجد لها مشاكل كانت في غنى عنها أيام الوحدة.
وعلى الرغم من أن حركات الانفصال تغذيها دائما نخب لها مصالحها الخاصة فنحن لا نستطيع أن نتجاهل الظروف الصعبة التي عاشها الجنوبيون خلال مرحلة الوحدة، ليس فقط من خلال مرحلة التمرد، بل أيضا من خلال موقف كثير من الشماليين من الجنوب، ذلك أنه في الوقت الذي كان ينظر فيه العالم كله باستهجان للتفرقة العنصرية في الولايات المتحدة لم يلتفت أحد للتفرقة العنصرية التي كانت تمارس ضد الجنوبيين في السودان، ذلك أن الكثيرين في شمال السودان كانوا يعتقدون أنهم ينتمون إلى سلالات أرقى من السلالات الأخرى ، وكانوا يطلقون على أصحاب الأصول الزنجية صفة العبيد، دون إثبات حقيقي لتفوق عنصر على آخر، وفي الوقت الذي مارس فيه الشماليون هذه الثقافة فإن بلاد العالم العربي الأخرى لم تتبع هذا الأسلوب، و حين طالب الجنوبيون بالانفصال في عهد حكم الإنقاذ سارعت الحكومة لمساعدة الجنوبيين على الانفصال اعتقادا من القائمين على نظام الحكم أن انفصال الجنوب سوف يسهل إقامة الدولة العربية الإسلامية في الشمال، لكن بعد خمسة وعشرين عاما من الحكم لم يستطع نظام الإنقاذ أن يقيم دولته التي وعد بها بل بدأ الدخول في مشاكل كثيرة مع دولة الجنوب، وأهمها أن السودان في عهد الوحدة كان يسيطر على النفط المستخرج من الجنوب غير أنه بعد الانفصال بدأ يأخذ ريعا محدودا بسبب مرور النفط عبر الشمال إلى الخارج، ومع اتساع المشاكل في جنوب السودان وازدياد الأزمة الاقتصادية في الشمال بدأت أحلام إعادة الوحدة تراود الكثيرين في دولة الشمال ومنهم الرئيس عمر حسن البشير الذي أخذ يدعو إلى بعض الآراء الجديدة التي يعزوها الكثيرون إلى اقتناع نظام الحكم بضرورة إحداث تغيير خاصة بعد استقالة نائب الرئيس علي عثمان محمد طه والمستشار نافع علي نافع وغازي صلاح الدين وغيرهم، وربما بدت دعوة التغيير في هذه المرحلة أمرا طبيعيا في نظر الكثيرين بسبب التقدم في العمر وشعور بعض القادة أنهم يريدون أن يتحرروا من القيود التي تحيط بهم، ولكن المسألة المهمة تتركز في قول الرئيس السوداني إن كثيرا من القيادات الجنوبية اتصلت به وعرضت عليه العودة إلى الوحدة مرة أخرى .
وقال الرئيس السوداني إنه تلقى بعض الاعتذارات من قوى دولية عملت في الماضي على فصل جنوب السودان، لكن الرئيس البشير لم يحدد تلك الدول بل قال فقط إن هدفها في الماضي كان إلحاق الضرر بدولة السودان، وقال الرئيس السوداني إن هذه الدول عبرت له عن أسفها وهي تدعوه الآن إلى إعادة الوحدة بين شمال السودان وجنوبه.وقال الرئيس البشير إن هذا أمر لا يقرره هو بل يحتاج إلى استفتاء يقرر فيه أهل السودان ما إذا كانوا يريدون العودة إلى الوحدة أم لا.
والسؤال الذي يدور في جميع أنحاء السودان هو هل هذه الدعوة تمثل واقعا حقيقيا أم أن الرئيس البشير استند فيها على الصراعات الدائرة قي دولة الجنوب والتي تبين فيها أن الصراعات القبلية أكثر خطورة من الصراعات التي كانت قائمة بين الشمال والجنوب .
لكن دولة الجنوب لم تقف ساكنة إزاء هذه الدعوة، إذ قال وزير الإعلام بجنوب السودان ‘مايكل ماكواي’إن دعوة الرئيس البشير لإعادة الوحدة هي من رابع المستحيلات حتى لو كانت تقف وراءها قوى أجنبية، وقال الوزير إن الانفصال تحقق باستفتاء شعبي كانت نتيجته في الجنوب تسعة وتسعين في المئة فكيف بريد الرئيس البشير الوحدة باستفتاء يجريه في شمال السودان دون تفويض من شعب الجنوب؟ ولكن الوزير لا ينفي أن هناك بعض العناصر في جنوب السودان ومنها ‘رياك مشار’ تريد إعادة الوحدة بين الشمال والجنوب.
ومن جهته قال الكاتب السياسي ‘فيصل محمد صالح’ إن خطاب البشير في هذه المسألة خطاب عاطفي يخص الحزب الحاكم وحده، ولو صدق ما قاله البشير فإن دعوة الجنوبيين للوحدة ستكون في نظر الكثيرين بسبب اليأس في إيقاف الصراعات القبلية الدائرة في بلادهم
وقد شكك الكثيرون في ما قاله الرئيس البشير استنادا إلى أنه يواجه مشاكل مع كثير من الدول الخارجية ولا يتصور أن أيا منها قد عرض عليه أن يشارك في حل مشكلة جنوب السودان.
وقال المحلل السياسي ‘أتيم سا يمون ‘إن ممارسة العنف في إقليم دارفور يجعل من المستبعد أن يطالب أي أحد بأن يعود الشمال إلى الجنوب مرة أخرى .
لكن ليست كل المواقف الجنوبية تسير في هذا الاتجاه، لأن كثيرا من القادة الجنوبيين في الوقت الحاضر كانوا في حزب البشير الحاكم قبل الاستقلال ولا يستبعد أنهم اتصلوا بالبشير مرة أخرى من أجل عودة الوحدة واستعادة نفوذهم القديم، لكن البعض يرون أن الدعوة إلى الوحدة من جديد سوف توسع دائرة الشقاق في جنوب السودان.
ولا نريد في الواقع أن نسترسل في مواقف المؤيدين والمعارضين للوحدة بين جنوب السودان وشماله، لأن الاسترسال في هذا المجال سوف يجعلنا نقف أمام طموحات النخب وليس أمام المنطق الموضوعي لهذه القضية والذي بيناه من قبل، لكن علينا في الوقت ذاته أن ندرك أننا لا نقف الآن أمام بلد موحد فيه تيارات متصارعة بل نقف أمام بلدين حدث بينهما الانفصال، ولن تكون أمور الوحدة بينهما من السهولة بمكان، والمطلوب الآن هو أن تتعظ من هذه التجربة الأقاليم الأخرى في السودان التي ما زالت تتصارع من أجل تحقيق هدف يشبه ما تحقق في جنوب السودان، ونعني بذلك على وجه التحديد إقليم دارفور الذي ظهرت فيه ما تسمى بالجبهة الثورية التي فاتها أن تدرك أن ما يحتاج إليه أي إقليم في السودان ليس هو الجيش الذي يقاوم به سلطة الدولة الموحدة بل المفاهيم العقلانية والمنطقية التي تؤسس لواقع يمكن أن يستفيد منه الجميع، ولدينا في نموذج الولايات المتحدة أفضل النماذج، ذلك أن كل ولاية تتمتع بإدارتها الخاصة ولكنها في إطار دولة الوحدة التي جعلت من أمريكا أكبر وأقوى دولة في العالم، فهل كان من الصعب أن تتحقق دولة الوحدة في السودان مع امتلاك كل إقليم لقراره الاقتصادي الذي يحقق مصلحته الخاصة ومصلحة الدولة بصفة عامة ؟ سؤال سيظل قائما وسيحتاج إلى إجابة تمكن قادة الصراعات من اتخاذ المواقف السليمة خاصة في ظروف مثل تلك التي يمر بها السودان.
‘ كاتب من السودان