دعوة الكاظمي للحوار الوطني سراب وسط عواصف العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

الاعتقاد السائد في الشارع العراقي، هو عدم امكانية تحقيق النجاح لمبادرة الكاظمي بالحوار الوطني، لأنها تتعارض مع مصالح أغلب أحزاب السلطة والأجندات الإقليمية.

بغداد-»القدس العربي»: تنتشر في العراق هذه الأيام دعوة لحوار ديني وسياسي بين القوى السياسية والدينية والاجتماعية، بهدف الحد ومنع تكرار الفتنة الطائفية والعرقية، بالاستفادة من نتائج زيارة بابا الفاتيكان قبل أيام للعراق، ودعوته إلى السلام والتوافق بين مكونات البلد.
وقد جاءت دعوة رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لإجراء حوار وطني، في أعقاب زيارة بابا الفاتيكان للعراق، لاستثمار أجواء السلام والتسامح التي نادى بها البابا، ولتحقيق تفاهم وتقارب بين القوى السياسية ومعارضي العملية السياسية في العراق، تمهيدا للانتخابات المقررة في تشرين الأول/اكتوبر المقبل. وبغض النظر عن نوايا الحكومة، إلا ان الدعوة أحدثت انقساما جديدا وردود أفعال متباينة بين مؤيد ومعارض للحوار الوطني، وسط مطالبات بضرورة وجود جهة ضامنة لأي حوار، بعد عشرات التجارب الفاشلة لإجراء الحوارات والاتفاقيات بين القوى السياسية.
وتدعو مبادرة الكاظمي، القوى السياسية المتنافسة في البلاد إلى اللجوء للحوار لحل الخلافات باستثمار «أجواء المحبة والتسامح» التي نشرتها زيارة البابا فرنسيس للبلاد.
ودعا الكاظمي، «القوى السياسية والفعاليات الشعبية والشبابية الاحتجاجية ومعارضي الحكومة» إلى الجلوس على «طاولة الحوار المسؤول أمام الشعب والتاريخ» مشددا على «تغليب مصلحة الوطن والابتعاد عن لغة الخطاب المتشنج والتسقيط السياسي، وإلى التهيئة لإنجاح الانتخابات المبكرة».
ويستغرب المراقبون وضع الحكومة سقفا عاليا جدا، للنتائج المتوقعة من الحوار، حيث تروج أن «المبادرة ستؤدي إلى عقد سياسي جديد للعراق، وسيادة منطق الدولة أمام اللادولة، وتعزيز نهج الاقتصاد الجديد ومعالجة وتفكيك الفساد والفقر والبطالة». كما تهدف كذلك إلى «تعزيز دور القوى المجتمعية الجديدة في الانتخابات المقبلة، وحصر السلاح بيد الدولة، والابتعاد عن الصراع الأمريكي-الإيراني». وهذه الأهداف يدرك الجميع استحالة قدرة أي حوار على تحقيقها في ظل تعقيدات المشهد العراقي.
وكما هو متوقع، فإن الدعوة الجديدة للحوار، قوبلت بموجة من الرفض والتشكيك في جديتها ونتائجها، مع اختلاف دوافع المواقف. فقد أجمع متظاهرو انتفاضة تشرين على أن الدعوة للحوار لن تتحقق بوجود الفصائل المسلحة المنفلتة وبدون تسليم «قتلة المتظاهرين» رافعين شعار (لا حوار مع القتلة) فيما يرى آخرون منهم، إن «الجلوس مع الحكومة لن يقدم أي حلول لأن الحكومة عاجزة أو غير راغبة بإعطاء ضمانات للناشطين». وذهب بعض المراقبين والناشطين، إلى أن تلك الدعوة تهدف إلى شق صفوف الناشطين، عبر جر بعض شباب الانتفاضة القريبين إلى القوى السياسية لتمثيل الحراك في الحوار.
الحزب الشيوعي العراقي، المعارض للحكومة، انضم إلى قائمة الرافضين لدعوة الكاظمي والمشككين بها.
وقال عضو المكتب السياسي للحزب جاسم الحلفي، إنه «لا جديد في إطروحة الحوار الوطني، فقد سبق طرحها من أطراف عدة، لكنها لم ترَ النور بسبب الاقتصار في الطرح على الشكليات وعدم تجاوز تبويس اللحى» (ويقصد مجاملة المسيء). مضيفا أن «العراقيين سئموا من تكرار هذا الخطاب». ويعتقد الحلفي إن «المتنفذين ليسوا بحاجة إلى لقاء وطني يجمع صفوفهم، فمنهج المحاصصة هو ملتقاهم الدائم الذي يؤمن وحدتهم ومصالحهم، وما من خلافات جوهرية تفرقهم سوى الصراع على المناصب».
وحتى تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، الذي يضم الفصائل الشيعية الولائية، أعلن أن الحوار الوطني الذي دعا إليه الكاظمي وأيدته أطراف سياسية، «عديم الجدوى» مشترطا خروج القوات الأجنبية من العراق، في إشارة إلى القوات الأمريكية التي يصر التحالف على خروجها ليبقى العراق تحت النفوذ الإيراني فقط. وطلب بيان الفتح، من الحكومة، «الاهتمام بالمشكلة الاقتصادية والانتخابات المبكرة» وهو ما يعني عدم الموافقة على الحوار لأنه قد يسلب منها هيمنتها على معظم مفاصل الدولة وخيراتها.
أما المؤيدون لحوار الكاظمي، فإنهم بدورهم وضعوا شروطا للموافقة عليه، فالتيار الصدري أعلن عن دعمه للحوار الوطني بشرط أن تشرف الأمم المتحدة عليه مع استثناء «البعث والإرهاب» من المشاركة فيه، ما يعني منع أية قوى من خارج العملية السياسية الحالية من الاشتراك في الحوار.
ومع ترحيب الأحزاب الكردية بالحوار، فإنها تهدف لإرضاء الكاظمي لتسهيل تمرير حصة إقليم كردستان في الميزانية التي تجري صراعات حادة حولها في البرلمان حاليا، فيما أبدت النائبة عن الاتحاد الوطني الكردستاني آلاء الطالباني، استعدادا للحوار لكن «برعاية محايدة» أي ضمانات دولية.
ورغم ادعاء بعض القوى الموافقة على الحوار الوطني، فإن هناك العديد من المؤشرات لتعمد تلك القوى، افشال الحوار عبر خلق مزيد من الأزمات للبلد.
فالخلافات العميقة بين المكونات (المسيحيين والإيزيديين والتركمان) وأحزاب الإسلام السياسي حول قانون المحكمة الاتحادية، وهي أهم مؤسسة قانونية تضبط حركة الدولة والخلافات الدستورية، وصلت إلى حد انسحاب نواب المكونات من مناقشات قانون المحكمة، لأنه يفرض وجود رجال الدين المسلمين على أعضاء المحكمة، ويقصي المكونات الأخرى عنها. وفي كردستان، أثارت حكومة الإقليم أزمة الطوابع البريدية الخاصة بزيارة بابا الفاتيكان إلى العراق، التي تضم خريطة كردستان الكبرى في العراق وإيران وتركيا وسوريا، والتي أثارت غضب شعبيا عارما رفضا للنزعة الانفصالية الكردية، إضافة إلى رفض تركي وإيراني، وسط صمت حكومة بغداد. كما جاء تفجير مواكب الزوار الشيعة في الأعظمية ببغداد خلال زيارة ذكرى وفاة موسى الكاظم قبل أيام، إضافة إلى قيام مسلحين يرتدون الزي العسكري بإعدام عائلة من 8 أفراد في صلاح الدين، كمحاولة جديدة لتأجيج الفتنة الطائفية.
وعموما، فإن الاعتقاد السائد في الشارع العراقي، هو عدم امكانية تحقيق النجاح لمبادرة الكاظمي بالحوار الوطني، لانها تتعارض مع مصالح أغلب أحزاب السلطة والأجندات الإقليمية، التي سبق وأفشلت عشرات دعوات الحوار منذ 2003 . كما ان وجود أحزاب وفصائل مسلحة ولائية تتحدى الدولة وتقتل المتظاهرين وتمارس الطائفية وتنهب خيرات العراق، ينسف أي دعوة للحوار الوطني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية