دعوة للمشاركة في إعداد خديعة محكمة البناء

حجم الخط
0

دعوة للمشاركة في إعداد خديعة محكمة البناء

منال الشيخدعوة للمشاركة في إعداد خديعة محكمة البناءمن الممكن إعتبار المقابلة الصحفية نوعاً من أنواع الإبداع الأدبي لما فيه من مزايا خاصة في اكتمال مادة أدبية تقرا من جوانب عدة من حيث اللغة والتشكيل الظاهري والمعلومة التاريخية والمعرفية والآنية وخاصة إذا تمت علي طريقة المقابلة المباشرة مع المبدع ، والذي يتطلب جهداً استثنائياً في التحضير من حيث العودة إلي تاريخه ومتابعة مسيرته وقراءة مجمل أعماله التي يستطيع المحاور أن يستنبط منه جُلَّ أسئلته المختارة . إضافة إلي قراءة حواراته السابقة التي تمنحه التعرف علي مكامن الضعف والقوة لدي المبدع . ومما يتيح له أيضا تجنب تكرار بعض الأسئلة أو تحويرها لصالح زاوية مختلفة .هذا ما يفترض أن يكون وخاصة أن الحوار المباشر يمنح الفرصة للمحاور في ارتجال بعض الأسئلة الطارئة التي تفرضها لحظة اللقاء وفي بعض الأحيان تكون أهم بكثير من الأسئلة المُحضّر لها مسبقا . وبهذا يكون قد خدم الحوار بشكل ايجابي وبسلاسة والعفوية المطلوبة .إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : هل هذا ما نلمسه في حواراتنا التي نقراها حاليا في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية ؟؟ بالتأكيد سيأتينا الجواب : لا .إن التقدم التكنولوجي خدم الوسط الثقافي بنفس القدر الذي ساهم في قتل الروحية في العمل الفني ونعلم بان معظم الحوارات المنشورة الآن مع المبدعين تتم عن طريق إرسال أسئلة جاهزة عبر e _ mail والانتظار في أن يجيب دون أن يكون هناك نقاش حقيقي حول الأسئلة أو حوار مباشر . وغالبا ما تعتمد هذه الحوارات الوتيرة نفسها ترسل الي أكثر من مبدع في الوقت نفسه ..ربما لا نحس بهذا لحظتها ونظن أننا معنيين ومتفردين بسؤال معين ولكن بعد فترة نراه متاحاً للآخرين كما لنا . ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فالحوارات التي تجري الآن تعتمد أساس العمل علي سد فراغ المساحة المتاحة للمحاور في الصفحة التي يعمل لحسابها وأحيانا يجبر نفسه علي تقديم حوارات سريعة وغير مدروسة فقط لان ذلك مطلوب منهُ. وأمور ثانية نلاحظها علي الحوارات الحالية هي أن معظمها تجري مع الأصدقاء لإرضاء العلاقة بينهم دون الانتباه الي قيمة ما يمكن تقديمه من فكر وإبداع من خلال الحوار .. وما الحوارات الأدبية غير نافذة أخري لتسويق الفكر والإبداع .لا اعرف لم تحمست لطرح هذا الموضع ، مع علمي أن اغلب الحوارات التي تجري معنا مبنية علي هذه الأسس ،وذلك اثناء قراءتي كتاب ( شاركت في الخديعة ) للصحفية والكاتبة السورية سلوي النعيمي والصادر عن دار قدمس للنشر . الكتاب عبارة عن مجموعة حوارات أجرتها الكاتبة في لقاءات مباشرة مع كبار الأدباء ونشرت لصالح صحف ومجلات دورية عربية … ومن الأدباء الذين حاورتهم الكاتبة : أدونيس ، نجيب محفوظ ، يوسف إدريس ، جمال الغيطاني ، فدوي طوقان ، عبد الرحمن منيف ، أنسي الحاج ،لطفية الزيات ،رشيد أبو جدرة ، سركون بولس ، رضوي عاشور ألان روب غرييه ، وممدوح عدوان وآخرون .لم تجذبني الأسماء بقدر ما هالني الطرح . أسئلة بعيدة عن النمطية ومعظمها وليدة اللحظة رغم الوضوح في التحضير لها مسبقاً . وهذا شيء جيد أن يقوم المحاور في وضع أسساً مدروسة ومن ثم الاسترسال والارتجال أثناء المقابلة .. وما لا نستطيع نكرانهُ إن الكاتبة بذلت جهداً استثنائياً في قراءة ومتابعة مسيرة الكاتب الذي تحاوره والتعرف عليه عن كثب ومن بعيد وترصد بدقة فكر الكاتب من خلال إبداعه وطروحاته الفلسفية . وهذا واضح تماما في الأسئلة التي تستبطن دواخل من تحاوره ولنتأمل بعض المقتطفات من حوار الشاعر أدونيس :*سلوي النعيمي : في ( مفرد بصيغة الجمع ) يحدق المتكلم من المرآة ويسأل نفسه ( من أنت أيها السيد ؟ من يقول لأدونيس من هو ؟) هل تجيبني علي هذا السؤال ؟ *أدونيس : تصوري أنك تعرفين نفسك تماما . ستتحولين عندها الي شيء ، وسأحزن عليك لحسن الحظ أني لا اعرف من أنا ، أنت تعرفين نفسك فيما تنتجين ، ولا تكتمل هذه المعرفة حتي بالموت لأنه ستكون هناك تأويلات لما نتركه بعدنا من نصوص . ليست هناك معرفة نهائية علي أي مستوي ، سواء داخل الذات أو خارجها .* سلوي النعيمي : ولكن هناك معرفة آنية ، متغيرة .* أدونيس : أنا سؤال ، أنا لست سؤالا مطروحا علي نفسي وعلي العالم .* سلوي النعيمي : ألا تحاول الإجابة علي هذا السؤال مرحليا علي الأقل ؟ يمكن للجواب الأخير أن يكون محصلة هذه الأجوبة الآنية .* أدونيس : نعم . يمكن لي أن أقول لك في آخر الأمر أنا كائن عاشق . خلافا لما يبدو في شعري . جوهر حياتي هو العشق . أعطي أهمية اكبر للحياة . هذا يبدو عليّ ربما .* سلوي النعيمي : لماذا ؟* أدونيس : كلامي صنع نوعا من الحجاب عليّ . أصارحك الآن : الحياة هي نصفي الثاني . ولكنني أعيش كل نصف ككل . في الحياة أنا بكل كياني ، في الشعر أنا بكل كياني .* سلوي النعيمي : وهكذا يحتمل أدونيس ؟* أدونيس : من هو أدونيس ؟هذه مقتطفات بسيطة وكنت أتمني أن يعاد نشر هذه الحوارات تباعا لأهميتها وجديتها في البحث والسؤال .. وان كانت هذه الأسئلة المختارة هي من خاتمة الحوار إلا أننا نلاحظ من السؤال الأول وفيه تحاول الكاتبة تنبيه الشاعر علي أنها قد قامت بدراسته من زوايا متعددة وتسلط الضوء علي التفاصيل الصغيرة والفكرية منها علي الأخص لأنها تعرف تماما قدر من تحاوره والأسئلة التقليدية لا تجدي نفعا مع بعض الأدباء . من سؤالها طرحت الكاتبة فلسفة خاصة برؤيتها هي وكيف استقبل عقلها الباطن ما طرحه في ( مفرد بصيغة الجمع ) واستهلت بسؤال جدلي حركت في الشاعر ذات الفيلسوف الذي نود أن نقرأ عنهُ فجاء جوابه محيرا وقابلا للتأويل علي أوجه عدة وتستوقفه لتستطرد بان هناك معرفة آنية متغيرة .. يجيب بنفس الروح الفلسفية ( أنا سؤال ) ونجدها تصر علي استفزازه واستمالته لانتزاع اعتراف لتستخلص في النهاية أنه ( كائن عاشق ) ولا تكتفي بطرحه بل تتعدي الي أسباب تفضيل الحياة علي الكتابة مع انه لا يبدو عليه ذلك وهذه ( اللماذا ) ربما فجرت نظرة فلسفية أخري عند الشاعر عندما يقول ( أصارحك الآن ) أي انه يخصها بمعلومة عن ذاته ولم تأت هذه ( اللماذا ) اعتباطا أو زائدة بل أتت مدروسة وفي محلها وتحس أن هناك سجالٌ جميل بين الاثنين وحياة تتفجر من الكلمات والأسئلة والأجوبة معا ولنتأمل الخاتمة عندما تستدرك بسؤالها الخبيث المحبب :وهكذا يكتمل أدونيس ؟وجوابه الاخبث :ومن هو أدونيس ؟كم من الحوارات التي نقراها اليوم تملك هذه الملكة في الاسترسال . والغالب علي الحوارات الحالية أنها مبينة علي بقايا حوارات سابقة لنفس المبدع من غير العودة الي ارثه أو أعماله وتاريخه ومسيرته الإبداعية لتخيل الجديد من الأسئلة غير المستهلكة ، كم من الحوارات الحالية نقرا فيها دغدغة لفكر الكاتب والتحرش بجانبه الفلسفي والمعرفي .. كم من الحوارات تحس أن فيها سجالاً حقيقي قائم علي سعة إطلاع المحاور وفكر المبدع .. ربما نلمس هذا في بضع الحوارات ولا تتعدي الـ( بضع ) واغلبها تكون مع الأدباء الكبار أيضا .ألا يستحق مبدعينا الشباب وقفة نستكشف فيها جوانبهم المكنونة هذه لنتعرف عليهم أكثر وهل يرضينا أن نقرا نفس النمط لكل الأدباء ونفس الأسئلة تمرر عليهم وكما لو انه واجب مدرسي !!والموضة الجديدة من الحوارات هو أكمال حوار سابق مع محاور جديد .. كيف ذلك ؟ هناك أسئلة معينة تطرح علي الكاتب ويجيب عليها في لحظتها دون الاستدراك لما يؤل كلامه من متواليات طارئة لان الاسئلة تصله عبر الايميل فلا مجال للاستدراك والتنويه عما طرحه في السؤال ولهذا يأتي محاور آخر ليكمل علي أسس الحوار السابق .. وهكذا لا يعاني المحاورين الحاليين من إعداد الاسئلة والأجوبة المحتملة لان لديه مادة معدة مسبقا يبني عليه عمله ..والمسالة الأساس إن الاستطراد يجب أن يكون في الحوار الأصلي وإلا سيبدو الحوار ناقصا وربما سيذكر البعض أن التواصل أصبح صعبا في هذه الأيام بسبب قلة الملتقيات الأدبية وضيق وقتها وقلة إمكانية السفر من اجل إجراء حوار نظرا لشحة الإمكانيات المادية المرصودة لمثل هذه الأعمال .. أجيب ، ربما هذا صحيح ولكن لكل محاور طريقته الخاصة في تدارك الموقف وتذليل العوائق لصالح حواره .. وهذا الأمر اتاح لبعض المبدعين برفض الحوارات المباشرة تجنبا للخطأ والتصريحات غير الدقيقة ولهذا نراهم يطلبون الاسئلة عبر الايميل وإعطائهم الوقت للإجابة وتكون الأجوبة نهائية .. هكذا سيبدو كما لو أنه واجب بالفعل مع الأسف .إن التناص حالة إبداعية ولا خلاف علي ذلك ولكن أن يبني عمل صحفي بأكمله علي التناص فهذا يعتبر ضعفا إلا إذا تطلب الموقف أن يتناص مع حوارات سابقة ويكون بشكل محدود وليس مفتوحا علي الحوار من أوله الي أخره . ( شاركت في الخديعة ) لم يقدم لنا مجرد حوارات ممتعة مع أدباء نتمني أن نقرا عنهم ولكنه أيضا فتح لنا أفق التعامل مع الكلمة والمعلومة وذات المبدع وثقافة المحاور نفسه والي أي مدي نحس فيه إننا غير مطلعين وكم يبدو عمل المحاور صعب وشاق تحتاج الي ذاكرة وحضور مميزين .. سلوي النعيمي أضافت لنا بنفس القدر الذي أضافت لتاريخها المهني والمعرفي كما جعلتنا نكتشف الجانب الآخر من المبدعين الذين ننظر إليهم وكأنهم(أشباه آلهة ) .كاتبة من العراق0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية