دفاعاً عن الثقافة والكباريه

حجم الخط
0

زياد عدوان

ما الذي يجمع الثقافة بالكباريهات؟ علي المستوي العالمي لا يجتمعان علي أنهما نتاج مجتمع ما، فالمصطلحان يعبران ويشيران بسرعة إلي ما يفكر به المجتمع والطريقة التي يعبر بها عن نفسه بصفتهما نتاج الوعي وما يفرزه مجتمع ما، ولعل الكباريه هي أحد أشكال التعبير والتسلية التي يتبناها المجتمع وتفرزها الثقافة. أما علي وجه الخصوص فلا يجمع الكباريه مع الثقافة في عالمنا العربي إلا نظرتنا الرافضة للمفهومين.

لكل جيل حقه التام في اصطلاح كلماته، وهذه ظاهرة صحية، تعبر عن ديناميكية المجتمع وعن حراكه وقابليته للانتاج. وكل كلمة جديدة تتدخل علي اللغة هي ابتكار ينم عن الحاجة الفردية والجماعية للتعبير عن كل جديد يطرأ عليهم. وبالمناسبة أحد المفاخر الانكليزية بشكسبير، هي إعجابهم بحريته التي أدخلت مئات الكلمات الجديدة علي اللغة الانكليزية والقاموس الانكليزي.

غالباً ما تقف الأجيال الكبيرة ضد دخول أي مفردة جديدة، وتمنعها من الدخول إلي قواميسيها الأمر الذي يشكل الإرباك الأكبر للأطباء عندما يسعون لتطوير شهاداتهم في الخارج. وإلي الآن نجد من يرفض أن تدخل كلمة كومبيوتر إلي لغتنا، وكأن لغتنا لمت بالمعاني كلها، ولا يمكن لأي لغة أجنبية أو كلمة جديدة من اللغة نفسها أن تخترق جدارها، علماً بأننا قبلنا في الفترة الذهبية للعرب كلمات فارسية وتركية، ويونانية. ولعل مسألة قبول الكلمات الجديدة مؤشر علي ثقة هذه اللغة بنفسها، وأن دخول بضع كلمات إليها لن يؤثرعلي عزتها. ولكن ما يحدث الآن هو توتر مستمر يخشي علي الثقافة العربية والاسلامية من الهزيمة، فتعرب المصطلحات العلمية، والآلات الموسيقية والبيتزا، علماً بأنها كلمات شهية، في الوقت الذي صدرنا ونصدر فيه كلمات عديدة كالجهاد، والشهيد، ويلا حبيبي، ودخلت هذه الكلمات لغات العالم كله. أما ما يجمع الثقافة بالكباريه فهو الطريقة التي تحولت فيها المفاهيم والمصطلحات، بطريقة تنم عن العقلية السائدة في المجتمع العربي. الكباريه، هي أحد أشكال العروض المسرحية، المنتشرة في العالم كله، وهي ليست تهمة أو سمعة سيئة كما هو متداول الآن، ولكن العقلية التقليدية الرافضة، حولت ببساطة كلمة الكباريه، إلي ابتذال، وأطلقت هذه الكلمة علي المواخير، علماً بأن الكباريه بالذات أفرزت نجوماً محبوبين في الوطن العربي، كمارينا ديتريش، ولويس أرمسترونغ، والتايغر ليليز، والتي نشرت صحيفة القدس مقالاً عنها في صفحة الثقافة. كلمة كباريه، هي نفسها ما تحدث عنه فيلم Molan Rouge، (الطاحونة الحمراء)، الذي نال إعجاباً جماهيرياً ونقدياً، وعرض في البلاد العربية ولاقي نجاحاً جماهيرياً. ولكن تم تحويل هذه الكلمة كي تدل علي كل ما هو بذيء ومبتذل. ويستحضرني هنا تعريف آخر نشر في جريدة تشرين السورية، عن موسيقي الصديق كنان عظمة، والتي عرفنا بها كاتب المقال الضليع، بأن موسيقي الجاز هي الموسيقي التي تعزفها القردة السوداء للرجل الأمريكي الأبيض حيث تثور الرذيلة، ليرتكب الفاحشة. هذا ما قدمه ناقد موسيقي في الجريدة الرسمية عن معني مويسقي الجاز. في النهاية أصبحت كلمة كباريه عاراً، وبعد أن انتهي أمرها واطمأن الشارع إلي دلالتها، انتقل إلي كلمة أخري لتحويرها وهي artist والتي ما أن تقال حتي يثار الضحك، والسخرية من هذا الـartist ، أو يستوجب الاستنكار عند النظر إلي هذه الـartist، أو الرقاصة (وليست الراقصة). وما كان معناه فناناً ولا زال كذلك، تحول لدينا إلي شتيمة. أذكر إعلاناً تجارياً عن (علكة)، وكان يذاع في إحدي الإذاعات السورية أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه سفيه. يتكلم ولد صغير إلي جدته ويخبرها أن معه artist، فيثور غضب الجدة، فيقول الولد مازحاً وببراءته التجارية الطفولية ما معناه، لا تغضبي يا جدتي هذه الـ artist هي علكة، وليست ما تفكرين به. إذاً هذا الولد الصغير ملم بالمعني الرذيل للكلمة. ويؤكد بالتالي وبالضربة القاضية أن كلمة مثل artist لا مجال لها للعودة إلي الاحترام مجدداً، فبعد أن أصبحت تهمة، بات حلمها أن تكون علكة. وبعد التخلص من كلمة كباريه و artist جاء دور الثقافة والمثقفين، وهناك الآن موجة شرسة، تجاه كلمة ثقافة، نطالع الهجمات عليها في العديد من المقالات والمقابلات الصحافية والتلفزيونية، بالإضافة إلي المدلولات المنتشرة لهذه الكلمة في الشارع. ورغم اعتراضي الشخصي علي كلمة ثقافة، ومثقفين ومعناهما، إلا أنني لا أمانع أن تأخذ الكلمة معناها عبر أجيال اعتبرت حالها مثقفة. عملياً كلمة ثقافة، هي المرادف للأعراف المشتركة بين جماعة، والمثقف هو الشخص المحصور في ثقافته، ولا تدل علي من هو ذو ثقافة متنوعة. فالثقافة، هي ثقافة إسلامية أو ثقافة شيوعية، أو ثقافة منغلقة علي نفسها، وهي المرادف لكلمة الوعي العام. ولا تدل كلمة ثقافة وكلمة مثقف علي التنوع، والاختلاط الحاصل هو دمج كلمة مثقف، بكلمة كاتب، أو مفكر أو فنان، أو معارض… ليصبح هذا التنوع من الأفراد والمهن مختزلاً بكلمة واحدة هي المثقفون. هناك الكثير من الأبحاث التي تصدت لتعريف الثقافة، بدءاً من عالمنا العربي مع أدونيس وإدوارد سعيد، وانتهاء بالعالم كله، ولا تزال الكلمة شائكة، ولكن لا يمكن إنكار تفاهم مجتمع ما علي تبني معني موحد لهذه الكلمة. وسنتفق أن كلمة مثقف باتت تعني هؤلاء الأفراد الذين لا ينتمون إلي الثقافة السائدة عملياً وأن هذه الكلمة اكتسبت معناها مع الجيل الحالي، وبات من المتعارف عليه أن مجموع الكتاب والمفكرين هم المثقفون. بعد أن ثبتت كلمة مثقف علي هذه الشريحة، بدأ تحويرها لتعني كل من هو معقد، أو متسخ، أو معارض لمجرد الرفض. وأصبح تعبير المثقف كاريكاتيراً يلازم أدباءنا وكتابنا ومفكرينا. والكلمة التي كانت تشير إلي أشخاص من أمثال صادق العظم، وعبد الرحمن منيف وصبحي حديدي هي الكلمة نفسها التي تشير إلي هؤلاء المعقدين، ويصبح فخرنا بأمثال هؤلاء الكتاب نعتاً ساخراً منهم. وبالمقابل، وبعد أن تم تفكيك واحتقار هذه المصطلحات، كالكباريه، والـ artist، والمثقف، أنظر حولي إلي ما ابتكر ويبتكر جيلي من مصطلحات وكلمات خاصة به، وهنا تظهر الإهانة. أغلب المصطلحات هي من نوع (طيلسة) والتي تعني الاستغلال و النصب، أو (السلبة) والتي تعني الهبل، أو (تقفيل) والتي تعني السخرية، و (الخورفة) والتي تعني أن أغش شخصاً ما إلي أن أخدعه وأحصل منه علي ما أريد. لم ينتج جيلي والجيل الذي قدم بعدي مصطلحات تخرج عن هذا الإطار، وما يدور في المجتمع الحالي وما نريد أن نعبر عنه كشباب في الوقت الحالي، هي مفاهيم من هذا النوع، مليئة بالانتهازية، ومبررات السلوك الفاسد. وما يدعو للغرابة أن الجيل الذي يرفض كلمة كباريه لبذاءتها، هو نفسه من ابتكر الخورفة والطيلسة. وهنا لا بد من وضع إشارة استفهام كبيرة علي التفكير الحالي، والذي وببساطة يستبدل مفاهيم ويطلق أحكاماً كما نراها اليوم علي المثقفين، ليغرينا بمصطلحاته البديلة. كانت هناك إشارة في بداية هذا المقال الي أن لكل جيل حقه بالتعبير عن نفسه وابتكار مصطلحاته، وأن الوعي العام لا بد وأن يفرز تعابيره، ولكن هذا لا يعني أبداً أن تكون هذه الابتكارات ظواهر إيجابية وأن تكون هذه المصطلحات كلمات تطرب لها الآذان. ولا يعني أبداً الاستسلام للوعي العام وما يفرزه الشارع. وهناك الكثير من الحوادث التي أشارت إلي الكيفية التي انهارت فيها إمبراطوريات كبيرة، فقط بسبب انحلال الوعي العام فيها، ولما أفرزه الشارع من خراب وانتهازية، ولعل أهمها هو المثال المساق في الموسوعة (قصة الحضارة) عن سقوط الامبراطورية الرومانية، والذي يشير إلي الغموض الذي يلتبس ظهور هذه الامبراطــورية وسقوطها. ولكن إجماعاً بين العديد من الباحثين والمؤرخين يقول إن السبب الأساسي هو العنف والدموية التي تجلت في الشارع وفي الوعي العام وفي حلقات المصارعة والصراع مع الأسود والتعطش للدماء، والتي وبمجملها قضت علي المجتمع الروماني من الداخل. هذا الانحلال هو نفسه الذي يتحدث عنه العرب الآن والإسلام عندما يبشرون بسقوط الامبراطوية الأمريكية، بسبب الانحلال في مجتمعهم. هناك كتاب جميل للمسرحية المكسيكية الأمريكية كوكو فوسكو اسمه (الأجساد التي لم تكن ملكاً لنا). تتحدث الكاتبة عن تجربة الجسم الأسود باعتباره كان ملكاً للرجل الأبيض في ما مضي، وكيف أثرت العبودية واضطهاد الجسم الأسود علي عقل السود وسلوكهم الآن. وتشير الكاتبة إلي أن الحرية التي يتمتع بها السود في الوقت الحالي ما هي إلا حرية فارغة. فالأسود فيما مضي لم يكن سوي جسم يقوم بالأعمال الشاقة، أما الآن (والحديث ما زال للكاتبة) تحول الشخص الأسود من جسم يقوم بأعمال شاقة إلي جسم يفتن الرائي، وإلي جذب بصري، كما هي في العديد من الصور التي تستعرض مفاتن الرجال والنساء السود. وتقف كوكو فوسكو علي مسافة من هذا الإعجاب، ورافضة ما يعتبر السود الآخرين الذين اندفعوا بأعداد هائلة ليكونوا نجوماً في الفيديو كليب، واستعراض عضلات الرجال ومفاتن النساء. الخطاب السائد عند من يدعي انه من عامة الشعب الآن هو الانتماء الفارغ إلي العامة، وتموضعهم كطبقة من (المواطنيين العاديين) الذين يشبهون كل أطياف المجتمع ما عدا من يطلقون عليهم كلمة مثقفين. فينتج لدينا خطاب مستسلم لعصبيته الطائفية، والفساد والتملق ويلتحمون صفاً مقابلاً للصف الآخر وهو ما يسمي اليوم طبقة المثقفين. فهم يمثلون ويتباهون بالجهل (كم من مرة سمعت كلمة تتباهي أنا لست مثقفاً، وأنا جاهل)، ثم يدعون أن صراحتهم بالانتهازية، هي ما يقربهم إلي المواطن العادي.

الموضة اليوم هي الداعية إلي الاستسلام إلي رجل الشارع أو المواطن العادي، والذي يتحدث الجميع بالنيابة عنه، بدءاً من الكتاب والنقاد والساسة، ومن يناقش أي موضوع كان قائلاً (أنا أفهم عليك ولكن يجب أن تنتبه إلي رجل الشارع). الكل يتحدث عن رجل الشارع أو المواطن العادي (ما هذه الكلمة)، علماً أني لم أصادف هذا المواطن العادي حتي الآن، وفي كل مرة أعتقد أن هذا الشخص هو المواطن العادي الذي يحدثني الجميع عنه أفاجأ بأن هذا الشخص هو الآخر يتحدث عن المواطن العادي. ولعل كلمة المواطن العادي هي إحدي مفرزات هذه المرحلة. ونيابة عن المواطن العادي يقوم العديد من الانتهازيين بالحديث عبر المنابر جميعها بالنيابة عنه، والترويج لما يؤمنون به، كونهم الأمناء علي رغبات وتطلعات المواطن العادي. ويتباري الجميع، للحديث والدفاع عنه بدءاً من عبد الحليم خدام (الحزين علي المواطن العادي) إلي المواقع الالكترونية السورية (التي تنقل بشكل يثير الريبة آراء المواطن العادي، والتي بأغلبها تطلق أحكاماً بالإعدام علي كل من لا يعجبهم)، وانتهاء بزهير عبد الكريم الذي ظهر ببرنامج ليدلي بشهادة عن الكاتب والشاعر محمد الماغوط فإذ به يسقط حق المواطنة عن ياسين الحاج صالح! لا بد من الاعتراف بأن المواطن العادي (الذي بت أشك في وجوده) والذي أفرغ كلمات من معناها ليضفي عليها معاييره الرافضة كما حدث مع الكباريه والمثقفين، وهو نفسه الذي يفرز اليوم كلمات مثل (الطيلسة) و(الخورفة). ولا بد من الإشارة إلي أن نسبة الأمية في الوطن العربي هي نسبة مرتفعة جداً حسب إحصائيات عديدة في العالم العربي، ولا يزال العديدون مصرين علي احترام الأمية، والترويج للانتهازية المنتشرة بيننا، وكل من يقول عكس ذلك سيحكم عليه بالإعدام حسب تعبير المواطن العادي، في نشراتنا الالكترونية.

شاعر ومسرحي من سورية يقيم في لندن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية