دفاعاً عن باسم يوسف…السجن عقاباً للنقد الفني في سوريا…والعنصرية القاتلة في كل مكان

حجم الخط
5

بمجرد إعلانه تقديم برنامج تلفزيوني يدعو إلى النظام الغذائي النباتي جوبه الإعلامي المصري باسم يوسف بحملات هجوم ونقد لاذع.
لم تستطع الحلقات الأولى من البرنامج أن تبدّد سوء الفهم، إذ أصرّ كثيرون على تلقي برنامج يوسف المغامر الجديد على أنه برنامج طبخ أو موضة، ولم يتورعوا عن تعليقات مثل «آخرتك طباخ»، «لا ينقصك سوى مريول الطبخ»، «المطبخ مطبخك»..
توخياً للدقة، ليس الأمر تماماً مجرد سوء فهم، فهو أولاً استهداف سياسي، بإمكاننا أن نتخيّل كم من الأعداء لدى الرجل، بعد انتقاداته اللاذعة للنظام المصري الجديد الحاكم في سنوات ما بعد الثورة. لقد جنى يوسف أعداءً على كلا الضفتين، وعلى ما يبدو فقد قرر أن يكسب، مع برنامجه الجديد «بلانت بي»، عدداً أكبر بكثير من الأعداء، لأمر لا يتعلق بالسياسة هذه المرة، فهو يدعو سكّان الكوكب إلى نظام غذائي نباتي، والكفّ عن تناول أي طعام ذي مصدر حيواني. ولا يبدو أن من السهل التسامح مع دعوات «بغيضة» كهذه!
لا يقبل الناس بهذه البساطة من إعلاميّ اعتادوا على برامجه السياسية اللاذعة أن يتحوّل إلى برنامج «طبخ». هو بالنسبة للكثيرين، إلى حدّ ما، أسير صورة الإعلامي المناوئ للنظام، يعوّلون عليه، على الأقل، في أن يكون «فشّة خلق» تجاه نظام السيسي. يلام يوسف بشدة على انكفائه، خصوصاً بعد أن بات خارج البلاد، وتحرّر من الضغط المباشر لأجهزة النظام المصري.

“بلانت بي” ليس برنامج طبخ، إنه بمثابة دعوة لإنقاذ الناس لأنفسهم من الأمراض العسيرة. هي دعوة غير مسبوقة في الإعلام العربي لنظام غذائي نباتي، يؤمن بعض «أتباعه» بأنه قد يكون المخلّص الجديد للبشر، للكوكب برمته.

لا يحق ليوسف إذن أن يكون خارج معطف السياسة، وهو زاد الطين بلّة حين غادرها إلى المطبخ. على ما يحسب نقّاده.
لكنه ليس برنامج طبخ، إنه بمثابة دعوة لإنقاذ الناس لأنفسهم من الأمراض العسيرة، السرطان والزهايمر وأمراض القلب وسواها الكثير.
هي دعوة، لعلها غير مسبوقة في الإعلام العربي، لنظام غذائي نباتي، يؤمن بعض «أتباعه» بأنه قد يكون المخلّص الجديد للبشر، للكوكب برمته.
برنامج باسم يوسف الجديد، لا يستحق السخرية، ولا الاستهجان، فالرجل يعود إلى ملعبه الأول كطبيب، ويتوجه إلى شأن يقع في صلب حياة الناس ومصائرهم. وإلى جانب ذلك فإنه، كإعلامي، يقدم برنامجه بإتقان قلّ مثيله، عندما يستضيف خبراء كباراً في هذا المجال، بالإضافة إلى أصحاب تجارب ممّن غيّر النظام النباتي حياتهم، ويستعين بمقاطع تمثيلية خفيفة الظل، إلى جانب حضوره اللطيف كمقدّم للبرنامج، ومتبن لوجهة نظر.

السجن والنقد الفني

قبل اندلاع الثورة في سوريا، لم يكن مجرد نقد فني لفيلم أو عرض مسرحي يوصل بكاتبه إلى السجن، كانت وزارة الإعلام أو الثقافة (في عهد الوزير رياض نعسان آغا على سبيل المثال) تكتفي بالتضييق على الناقد، قد تقوم بطرده إلى مكان عسير، أو تشكّل لجنة تحقيق مزينة بأسماء ثقافية لردع الناقد واستتابته.

اعتقال ناقد مسرحي في سوريا يلخص جوهر العلاقة بين الناقد والمخرج، إذ يتمنى الأخير أن يبني معتقلاً تحت منزله يزجّ فيه من يخالفه الرأي. ويبدو أن مناخ التوحش قد بات مهيئاً لذلك الآن.

اليوم، في عزّ توحش النظام، يبدو أن الأمر وصل إلى معاقبة الناقد الفني بالسجن. إذ تضج مواقع التواصل الاجتماعي السوري بإدانة اعتقال ناقد ومخرج مسرحي سوري إثر كتابته لبضعة سطور بخصوص عرض مسرحي قدّم في مدينة اللاذقية. (حظي المعتقل الناقد بكل أشكال الإدانة من مؤيدي النظام وشبيحته كما من معارضيه).
لا تشي فحوى النقد بأي اقتراب من المحرمات السياسية أو سواها، وليس من الواضح إن كان الناقد معارضاً للنظام حتى يتم تصيّده بأي كلام «يوهن نفسية الأمة»، لذلك سنجد من يفسر الاعتقال على أنه جاء بتأثير من مخرج العرض المسرحي النافذ الذي أصابه النقد، وهذا أمر جديد، ليس على دولة المافيا، بل على العملية الإبداعية في هذه البلاد، لكن للحق إنه يلخص جوهر العلاقة بين الناقد والمخرج إذ يتمنى الأخير، خصوصاً إن كان مخرجاً أو ممثلاً تلفزيونياً، أن يبني معتقلاً تحت منزله يزجّ فيه من يخالفه الرأي. ويبدو أن مناخ التوحش قد بات مهيئاً لذلك الآن.

العنصرية القاتلة

تغريدة لوزير الخارجية اللبناني جبران باسيل قال فيها «هذه الأرض التي أثمرت أنبياء وقديسين لن يحل محلنا فيها، لا لاجئ ولا نازح ولا فاسد». عنصرية باسيل ليست مفاجئة ولا جديدة، لكن الجديد هذه المرة هو في كلمة «محلنا» بعد عبارة «الأرض التي أثمرت أنبياء وقديسين»، أي أن الرجل يرى في نفسه وريثاً شرعياً للأنبياء والقديسين.
داني بيكر، أحد مشاهير الإعلام البريطاني، المعروف كصحافي وكاتب ومقدم تلفزيوني وإذاعي، يشبّه طفل الأمير هاري، بقرد سعدان، باعتباره أول وليد ملكي بريطاني يتحدر من أم أصولها أفريقية (مارغان ماركل).

يرى جبران باسيل في نفسه وريثاً شرعياً للأنبياء والقديسين!

الممثلة المصرية شيماء يوسف تدهن وجهها بلون أسود على أساس أنها تؤدي دور شخصية سودانية، فتقدم أسوأ أداء عنصري يستفز أهل السودان الذين عانوا على الدوام من صورة نمطية ولا أسوأ، في الدراما العربية عموماً والمصرية بشكل خاص، فسودانيو الدراما ليسوا سوى بواب وحاجب.
هذه حوادث طازجة لإساءات عنصرية، نشهد على الدوام مثلها في كل مكان حولنا، من المتعلمين أو غير المتعلمين.
لا أحد يمكنه إنكار أن لغاتنا في عمقها، تعابير وأشعاراً وأمثالاً، لم تتخلص البتة من جذور العنصرية.
تكاد العنصرية تكون طبعاً فطرياً لدى كثير من البشر، يستعملها واحدهم، أياً كانت مكانته تجاه من يرى فيه أقل مكانة، في دائرة من التعالي والاحتقار لا تنتهي ولا تتوقف عند حدّ. إنها لا شك وجه من وجوه الهويات القاتلة.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية