باسل أبو حمدةسجلت عملية الغاء نتائج الانتخابات التشريعية، التي جرت في الجزائر في 26 كانون الاول (ديسمبر) 1991 وفاز بها حزب الجبهة الإسلامية للانقاذ بأغلبية ساحقة وصلت إلى 82′ بـ 188 مقعد من أصل 231، بداية حرب شعواء تشنها قوى سياسية تتلفح بعباءة العلمانية على آلية عمل النظام الديمقراطي في مشهد لمع فيه نجم نوع مدمر من الانتقائية السياسية التي تنم عن ضيق أفق القائمين عليها إن لم تكن تشي بخيانتهم لمروحة من القيم والمثل العليا التي دفعت الانسانية ثمنا باهظا لها متمثلة بالحرية والعدالة الاجتماعية في مجتمع مدني تحكمه دولة القانون. يومها دفعت حفنة من الجنرالات في 11 كانون الثاني (يناير) 1992 الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد إلى إعلان استقالته فجأة من رئاسة الدولة وانتقلت السلطة إلى المجلس الأعلى للدولة الذي كان في يد العسكر برئاسة وزير الدفاع خالد نزار، الذي اتخذ يوم 12 كانون الثاني (يناير) 1992 قرار إلغاء الانتخابات واتبعه باعلان حالة الطوارئ تحت ذريعة ان فوز الجبهة الإسلامية للانقاذ هو تهديد للتجربة الديمقراطية الفتية ما أدخل البلاد في فوضى سياسية عارمة وحرب أهلية طاحنة لم تبق ولم تذر ولا يزال المجتمع الجزائري يعاني من ارتداداتها حتى يومنا هذا. في المقابل أو في الامتداد العربي الطبيعي لهذه التجربة الديمقراطية المجهضة، كان لا بد لهذا المسلك السياسي غير المعني بترسيخ آليات عمل النظام الديمقراطي أن يجد صداه لدى قوى سياسية أظهرت عجزا غير مسبوق في قدرتها على توفير الإجابات الشافية لمروحة من الأسئلة المصيرية التي تدور في أذهان الناس والمجتمعات العربية الذين وجدوا أنفسهم بين سندان أنظمة مستبدة ومطرقة قوى مستعدة أن تدخل البلاد في حالة من الفوضى المفتوحة على المجهول طالما أن البدائل السياسية المطروحة لا تضمن لها مكانة في أي تغيير حقيقي يلوح في الأفق ولا تحقق لها مطامح سياسية راحت مقوماتها تتلاشي مع تلاشي الحوامل الخارجية التي أبقتها مرفوعة حتى انهيار قلعة المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي، فبقيت هذه القوى معلقة في الهواء مفتقرة لأي نوع من شرعية وجودها سواء على مستوى الداخل أم الخارج. تسونامي الجزائر كان مجرد البداية، فقد تكرر المشهد في فلسطين ما قبل الربيع العربي مع وصول حركة اسلامية أخرى إلى مركز صنع القرار بانتخابات تشريعية ديمقراطية هناك، وفي مصر ما بعد الربيع العربي، بينما تلوح في الأفق دعوات استباقية لما يمكن أن تؤول إليه الأحوال في سوريا ما بعد الثورة التي لم تتمكن بعد من تحقيق أهدافها في التخلص من نظام استبدادي دموي يعتبر أستاذا في تطريز عباءة العلمانية ذاتها التي تتلفح بها تلك القوى السياسية عينها التي يبدو أنها تعمد إلى الانتقائية في حال لم تتوافق حساباتها الحزبية الضيقة مع حسابات بيدر صناديق الاقتراع، فراحت تنثر الألغام الموقوتة بشكل مسبق أو استباقي في درب العملية السياسية الآخذة في التشكل في الحالة السورية مطلقة فزاعة امكانية وصول التيارات الاسلامية إلى مركز صنع القرار بغية تقويضها في مهدها ووضع اشتراطات مسبقة من شأنها نسف آلية عمل المنظومة الديموقراطية حتى قبل أن ترى النور.إذا كان قوام الظاهرة التراكم ومحركها الضامن لجعلها ظاهرة ترقى إلى مستوى القانون في ميدان علم الرياضيات والفيزياء والفلك وغيرها من العلوم التطبيقية، فإن تراكم حالات تقويض عمل الآلية الديمقراطية لا يبــقي هذه الحالات في دائرة الجزر المعزولة غير المترابطـــــة، بل إنه يحولها إلى ظاهرة لا بد من الوقوف أمامها على هذا الأساس وقراءتها من هذا المنطلق ليس من باب رفض الظاهرة وإنما من باب الحرص على الوصول بالمجتمعات العربية إلى تشخيص سليم لما يجري بين ظهرانيها بما يعود بالفائدة على مختلف القوى والتيارات السياسية والفكرية المتلاطمة أمواجها في بحر لم تسبر أغواره كما يجب بعد في ظل الحاجة الملحة إلى فتح ملفات تاريخية ضخمة ذات طابع جيوسياسي حجبتها ولا تزال نظم أوليغاركية لطالما حاربت بيئات التواصل والحوار السليمين في صيرورة تشكل منظومة العلاقات بين مكونات المجتمع الواحد وبين هذا والمجتمعات المحيطة به. كنا نتمنى أن يقتصر الأمر عند هذا الحد، لكن المشكلة الأكبر تكمن في أن هناك من يحاول تعزيز موقعه في الخارطة السياسية الجديدة لما بعد النظم الديكتاتورية بالطائفية والمذهبية تارة وبالقومية والقبلية والجهوية تارة أخرى وهناك من ينصب نفسه معلما يعطي الدروس للشعوب ويستبق كلمتها أو حتى يصادرها.. هناك من يكذب باختصار ويدعي أنه الغيور الوحيد على الوطن عن طريق استخدام لغة عدمية في التعامل مع الآخر متناسيا بشكل متعمد أن كل هذا الحراك الوليد يندرج ضمن عملية سياسية لا تزال في طور التشكل وتشمل جميع مكونات المجتمع المشكلة لها بحيث لا يسمح لأحد أن يصادر حق أحد بالإدلاء بدلوه ويفرض عليه شعارات غريبة عن موروثه الاجتماعي والثقافي والسياسي في إطار دولة القانون والمواطنة الفعالتين اللتان تحكمهما صناديق الاقتراع والحوار والتسامح والتعايش وهي قيم يجب أن تحترم في جميع الأحوال. في خط موازي، وجدت القوى العلمانية نفسها تنهل من معين حرب عالمية بقيادة الولايات المتحدة ضد ما يسمى الارهاب وقواه الاسلامية المتشددة مثلما وجددت نفسها متساوقة مع أنظمة مستبدة منخرطة في هذه الحرب حتى قبل اعلانها، وهذا أمر طبيعي، أي أن تتقاطع توجهات في لحظة ما مثلما تتصارع في لحظات أخرى، لكن كان يتعين على هذه القوى أن تقف وقفة جادة أمام هذه القضية وتتحمل مسؤوليتها التاريخية في توضيح هذا الالتباس لا أن تتماهى معه وتنأى بنفسها عن قوى ومكونات مجتمعية لا يمكن اختزالها برؤية قادمة من الخارج ولو أن منشأها داخلي ولا يمكن رفضها بسهولة تحت ذرائع على الرغم من أنها يمكن أن تكون مشروعة، إلا أنها لا ترقى أو يجب ألا ترقى إلى مستوى إلغاء الآلية التي تحرك المجتمع المدني ودولة القانون والقادرة على اصطفاء القوى السياسية المكونة له بحيث تصبح المسألة مسألة وقت وبرامج وانتظار حتى يتسنى لأي قوة أن تحل محلها في وقت لاحق. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن لعاقل تصديق أن منشأ هذا الرفض المسبق يتعلق بمخاوف مشروعة على المجتمع المدني؟ أم أن الأمر يتعلق بالإرث الفكري الذي ورثته القوى العلمانية عن الستالينية وغيرها من نماذج الحكم الأوليغاركية التي راجت في القرن الماضي؟ أم أن ثقتهم بأنفسهم مزعزعة إلى درجة تحول دون اقتناعهم بإمكانية الوصول إلى السلطة من خلال آلية ديموقراطية وصلت عن طريقها قوى أخرى يختلفون معها؟ أم أن المسألة تتعلق بالعجز عن تقديم برامج ورؤى قادرة على وضع حد لمجموعة الأزمات المتراكمة على مدى عقود من الزمن؟ ‘ كاتب فلسطينيqmdqpt