بشير عبدالسلام هذه هي السنة الثانية من الثورة التي شغلت حلم الالاف من التونسيين منذ اكثر من نصف قرن، كل الذين خذلتهم يوما ما دولة الاستقلال اولا ودولة الديكتاتورية والظلم والفساد ثانيا. وبالرغم من هذا الفرح المكتوم في دواخلنا والذي لا يريد ان ينفجر بعد فإن السنة الثانية تمتلأ ضرورة فينا بعبق افراح ستكبر يوما ما. هذه الثورة التي زرعت فينا املا لا يمكن ان تطفئه مطبات هنا ومطبات هناك. نعم لا زال الكثيرون في حالة من البهتة والذهول معتبرين ان الثورة هي الدخول لعالم من المثل حيث يصبح كل شيء ممكنا الآن وليس غدا. نعم لا زال الكثير من المثقفين والسياسيين في حالة من الخمول مخدرين بالنسبة العالية من الحرية لم يفيقوا بعد على الواقع المرير الذي نرزح تحته جميعا والذي يتطلب منا مجهودا غير عادي لفهمه وتفهمه ومجهودات غير عادية للبدء جميعا في تغييره. ستأتي السنة الثالثة والسنة الرابعة والسنة العاشرة، حتما كلها ستأتي وستمر وسيبقى السؤال الثوري يتحدى الجميع، ويتحدى بالخصوص السياسيين والمثقفين والجامعيين والطلبة وكل القيادات المعرفية والمالية والصناعية لبلادنا، لأن هؤلاء جميعا هم امل هذه الثورة وامل هذا الشعب الذي يرزح تحت الفقر والحاجة والاستهلاك السيء والحرمان والآمال التي لا تتحقق. ستمر سنة بعد أخرى ونحن تحت هذا التحدي الذي رفعته الثورة ورفعه الشهداء ورفعه المناضلون من هذا الشعب طوال الخمسين سنة الفارطة، التحدي الذي يدعو الجميع اليوم لتحويل الحرية الى عمل والذي يدعو الى تحويل العمل الى انجازات حقيقية تحوّل واقع الناس تدريجيا الى الافضل. منذ سنة نبت الامل في قلوبنا مثلما لم نحلم به اطلاقا. لماذا نخذل انفسنا اليوم او نتكالب على غنائم ليست موجودة؟ لماذا لا يتصالح الساسة والمثقفون مع معطيات الواقع والحقائق؟ لماذا ينبري العديد من المثقفين والسياسيين لكسر هذا الحلم الثوري الذي يفتح لنا اليوم، لنا ولبلادنا ولأجيال منا، نافذة في التاريخ الانساني لنكون جزءا من تاريخ هذا الكون؟ هل لفرط التخمر من منسوب عال من الحرية ذهب بعقولنا كتلك العقول والانفس الصغيرة والضعيفة التي تذهب بها حد التهلكة ثروة تأتي فجأة؟ ام هو الانهيار والسقوط في معادلات خارجية تعمل ليلا ونهارا لإفشالنا وافشال ثورتنا وتجربتنا ؟. هذه هي السنة الثانية للثورة والامل لازال ممكنا ان نستفيق جميعا من صدمة الحرية العالية التي استنشقها الجميع بعمق وبدون حد او ضبط نفس، ولهم الحق في ذلك، فلا يلام من كان رأسه تحت الماء حد الموت الا يتنفس هواء نقيا وهو يصعد الى الاعلى، ولكن يتحتم على الجميع العمل فورا الانقاذ انفسهم بعد ذلك. هذه هي السنة الثانية والفرح لم يكتمل بعد وزمن العمل والجد يفرض علينا واجبات وتضحيات كبرى اصعب بكثير مما يتصور الجميع. وهذه الواجبات والتضحيات، والتي قام بها البعض منا منذ زمن والتي اسست وساهمت في الوعي العام بضرورة الثورة والتي اسست للشرارات الاولى للثورة وانطلاقتها، لن تقدر من هنا فصاعدا على اتمام انجاز اسس الثورة السياسية والاقتصادية والقانونية الا باشتراك الجميع. وهنا لا بد من الانتباه الى ان التأسيس الحقيقي للمسارات الثورية يبنى اساسا على المشترك الوطني من جهة الحرية والحراك السياسي واليات الحوكمة والتداول السلمي على السلطة والتأسيس الثوري للسلطات المحلية القريبة والمشتركة مع المواطن في جانب، والتضحيات الكاملة من طرف كل المواطنين كل حسب قدرته وموقعه من جانب اخر. وهذا الاشتراك المناضل والذي يتأسس على الحرية والواجب اي على القناعة والتضحية لن يكون ذا فاعلية الا اذا انتهج فيه الجميع الصرامة قانونا ومبادئهذا هو ما نسميه اليوم المشروع الوطني. هذا المشروع الذي يبنى على خمسة أسس:أسس الحريات والرموز و هي المرحلة التي نعيشها اليوم والتي يجب ان تتواصل باستمرار لجعل روح الثورة متواصلة كأساس من اسس الثورة الدائمة والتي تنتج باستمرار رموز الثورة تأصيلا لتضحيتهم ورفعا لشأنهم وتذكيرا بمواقفهم في الوقت الذي عزت التضحيات وانهارت القيم. وهذا التأكيد بالتوازي مع اذكاء قيم الحرية والعدالة والشفافية والمساواة والمصلحة العامة وغيرها من القيم التي من دونها تصبح الثورة في خطر حقيقي. وجملة الحريات والرموز هي القاعدة الحقيقية للتأسيس لديمومة الثورة وتأصلها.أسس العدالة والتأصيل السياسي للثورة امكانات التأسيس السياسي، ولكن التأسيس السياسي لن يكون نهائيا منذ البداية فهو سيتطور ويتحسن من خلال الممارسة السياسية الواقعية وللأجيال اللاحقة حقوق التغيير والتبديل والتحسين. ولكن العدالة الثورية العاقلــــة والحقيقية يمكن ان تبــــنى بسرعة لأن اسس ونتائج الظلم والفساد القاسي والموحش هي التي عجلت بتفجير شرارة الثـــورة، وتغيير هــــذه الاسس الفاسدة هي من باب الممكن اليوم وهي بالضــرورة الخطوات الاولى التي يقدر عليها جيل الثورة هذا الذي يتصدر اليوم قيادة الوطن .أسس العمل و الانجاز و لن يكون الانجاز الا في الزمن. ودون وعي عميق بأن اسس الثروة والرفاهية هو نتيجة العمل الجاد والمتقن فإن كل المراحل الاخرى تصبح جوفاء ودون نتيجة. والعمل الجاد في بدايات الثورة معناه تضحيات كبرى لهذا الجيل بأكمله. تضحيات لا تلتفت الى مكاسب انية وانما تؤسس لمكاسب لاحقة لأجيال ستأتي. وهذا الوعي بالتضحية لن يتأكد في اعماق الناس الا اذا اقتنع الجميع (وهو واجب المثقفــــين والســــياسيين وقيادات المجتمع اليوم) ان هؤلاء الذين يطلب منهم التضحية الكاملة في العمل والانتاج من حقهم ايضا التمتع في نفس الوقت بثمار الثورة اي الحرية الحقيقية والاعلام الحقيقي والمعلومة الحقيقية والرموز الحقيقيين والعدالة الحقيقية وايضا تعليما حقيقيا لأبنائهم.أسس التعليم والتكوين والثقافة والاعلام و هي من امكانات الثورة ومن مفاصلها الخطيرة مثلها مثل مرحلة الحرية والرموز. وبدون منجز جريء يعدل في ادنى مستوياته المطلوبة (على الاقل اليوم) مسار جملة أسس التكوين العلمي للأجيال القادمة ويعطي الاشارات الواضحة لذلك، فإن شعبا بأكمله لن ينخرط في المنجز الثوري بالقوة المطلوبة وسيبقى خارج المشروع الوطني الذي يؤسسه المثقفون والسياسيون. ويتطلب هذا الأساس من أسس الثورة هيئات للتفكير والتنظير والتخطيط تؤسس لإعادة صياغة لغة ومناهج واهداف الفعل الثقافي والتعليمي والتكويني بما يتلاءم مع المشروع الوطني للثورة. أسس التوافقات الثورية.انفجرت الثورة التونسية في لحظة فارقة من تاريخ النضال الوطني لتشيد قاعدة متطورة في العمل الثوري وهي قاعدة التوافق والمشترك الوطني. وهذه القاعدة هي جزء من التواصل النضالي من حيث انها وضعت بوعي المثقفين والسياسيين التونسيين وشباب الثورة اسس المشترك السياسي ضمانا لاستمرارية الزخم الثوري. هذا الزخم الذي يتطلب اليوم، وسيتطلب بالضرورة غدا، اشتراك الجميع في العبء قبل الغنم. والاشتراك في العبء ليس بمعنى الاقتسام ولكن بمعنى البحث باستمرار على المشترك الافضل لتواصل المشروع الوطني، لا لأنه يستدعي جهد الجميع، فذلك ادنى مستوياته للفاعلية، ولكن لأن للجميع الحرية وبالتالي الواجب الثوري لدعمه من اجل الاتقان. والاتقان بمعنى طلب الجودة في كل عمل. والثورة بالضرورة منجز جيد في كل شيء.’ كاتب تونسيqmdqpt