دفاعا عن الثورة والجمهورية وجيش مصر

حجم الخط
0

حسام ابراهيمبقدر سهولة الهجوم في مصر وخارجها هذه الآيام على المجلس العسكري بقدر مايتعرض من يتخذ موقفا معارضا لهذا الهجوم لسيل من الاتهامات التي تتضمن بالطبع الانتهازية وتملق السلطة والرغبة في تحقيق مكاسب شخصية وقد تصل لحد الاتهام بالعداء لثورة 25 يناير او الانتماء لفلول نظام حسني مبارك الاستبدادي والثورة المضادة.لكن كل ذلك الضجيج لايجوز ان يغيب اسئلة كبيرة تشكل في الحقيقة جوهر الصراع الدائر الآن في مصر وربما لايدركه بعض المشاركين في حملات الهجوم اليومية وربما على مدار الساعة ضد المجلس العسكري..ولعل اهم هذه الاسئلة :هل تعني ثورة يناير وهي ثورة الشعب المصري في سواده الأعظم الغاء ونسخ ونفي ثورة 23 يوليو 1952 من الواقع والتاريخ؟نظرة متعمقة ولو قليلا للخطاب السياسي لسدنة الهجوم على المجلس العسكري تكشف عن ان المراد نفي ثورة يوليو من الواقع المصري ناهيك عن التاريخ ومن هنا تتكرر في احاديثهم عبارات الادانة ‘للستين عاما الماضية’ اي الحقبة التي بدأت منذ ثورة 23 يوليو بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر .ولما كان الجيش المصري طليعة ثورة يوليو بل انه ولأسباب متعددة يستمد شرعية دوره السياسي من شرعية هذه الثورة فقد باتت قيادة هذا الجيش ممثلة في المجلس العسكري الأعلى هدفا مستمرا لكل عمليات القصف التي يقودها اعداء ثورة يوليو والراغبين منذ زمن بعيد في تصفية الحساب التاريخي مع جمال عبد الناصر ونيل الثأر منه بصورة حاسمة وللأبد بقتل ثورته حتى في تاريخ بلاده.واذا كان البعض يتساءل عما اذا كان المطلوب محاكمة سياسية وتاريخية مستحقة للثلاثين عاما الماضية وربما ماهو قبلها في سنوات الرئيس الراحل انور السادات ام الستين عاما الأخيرة في تاريخ مصر فان رموز الحملة العاتية ضد المجلس العسكري وهم من تيارات متعددة اتفقت في العداء لجمال عبد الناصر وثورة يوليو لن يرضوا الا بنفي ال60 عاما من واقع مصر وتاريخها .وتتصور هذه الرموز ان الجيش يشكل العقبة الكؤود امام عملية ازاحة ثورة يوليو من عقل مصر ووجدانها وتاريخها وهي لاتتردد في استغلال اي اخطاء يقع فيها المجلس العسكري لتصوير هذا المجلس باعتباره يقود الثورة المضادة لثورة يناير في افتئات صارخ على الحقائق. الم يهتف الشباب الثائر في ميدان التحرير بوحدة الشعب والجيش عندما رآوا طلائع القوات المسلحة في الساعات العصيبة اثناء المواجهة مع نظام حسني مبارك والم يقف الجيش بمجلسه الأعلى مع هؤلاء الشباب رافضا ماسمي ‘بالحل الصيني’ اي تكرار مذبحة ساحة تيان آن مين في قلب بكين بميدان التحرير في قلب القاهرة لسحق الثورة الشعبية المصرية كما سحقت الانتفاضة الديمقراطية الصينية عام 1989؟الم يكن الجيش بقيادته هو الأمل للشعب المصري في السنوات الأخيرة الكئيبة لنظام حسني مبارك التي بدا فيها التوريث من الأب للابن قاب قوسين او ادنى؟!..والم يكن الجيش هو اكبر قوة على الأرض مضادة لمشروع التوريث لأنه يتعارض مع جوهر النظام الجمهوري لثورة 23 يوليو؟!..وهل من صالح ثورة يناير تفكيك التحالف الثوري بين الشعب والجيش كطرفين اتفقا في لحظة عبقرية على اسقاط نظام مبارك الاستبدادي الذي هدد باخراج مصر من التاريخ؟ومن الطريف ان من يتحدثون عما يسمونه بالامبراطورية الاقتصادية للجيش المصري يتناسون ان هذا الجيش جزء من الدولة وان هذه الامبراطورية ملك لشعب مصر وليست ضيعة لأعضاء المجلس العسكري الذين سيحالون بالضرورة للتقاعد مثل من سبقهم ثم ان هؤلاء الذين لايكفون عن الصياح حول اقتصاد جيش مصر يغفلون اما عمدا او عن جهل الدور الهائل للجيش في ديمقراطية مثل الديمقراطية الأمريكية على مستوى الاقتصاد ويكفي الاشارة الى ان شبكة الانترنت ولدت في البنتاجون.وان كان من المعروف ان المجلس العسكري يشكل مجموعة القيادة الفعلية للقوات المسلحة بجيوشها وتشكيلاتها المقاتلة وان الفصل بين القيادة والجيش مجرد ترف نظري فان السؤال :هل المقصود والمراد من الحملة العاتية على هذا المجلس اهانة الجيش واعادته جريحا لثكناته والا يشكل ذلك هدفا غاليا لأعداء مصر والأمة؟. نعم اسئلة الحرية كثيرة واشواقها جارفة ولكن هذا شيء مختلف كل الاختلاف عن فتنة بين شعب وجيش عرف دوما بانتمائه الأصيل لهذا الشعب ويفخر بأنه لم يشهر سلاحه في وجهه فهم ليسوا ‘العسكر’ بالمفهوم الأمريكي اللاتيني الذي يسعى لتسويقه وترويجه اولئك الساعين لقطيعة نهائية بين ثورتي يوليو ويناير ونفي ثورة يوليو من الواقع والتاريخ. نعم دولة الحرية والعدالة والكرامة حلم تاريخي للمصريين لكن من الذي قال ان الطريق لهذا الحلم يمر عبر تدمير جيش هو في الحقيقة جزء اصيل من هذا الحلم ؟!..ومن الذي قال ان التشكيك المستمر في نوايا المجلس العسكري هو الطريق للديمقراطية مع انه من الواضح لكل ذي عينين ان المرحلة المتبقية لعودة الجيش ومجلسه لمهامه الأصيلة قد لاتزيد عن ثلاثة اشهر؟. كان مشروع التوريث يعني ببساطة تحويل نظام الحكم في الدولة الاستبدادية الى استعمار داخلي مستدام ورأس جسر لمركز الهيمنة الغربي-الصهيوني المعولم وتحويل المنطقة كلها الى هامش للمركز الاسرائيلي الذي يتصدر المتن وكأنه ‘التاريخ المضاد’ لرؤوس الجسور التي اقامها جيش مصر في حرب العاشر من رمضان 1973 على ارض سيناء اثناء العبور . وعلى طريق التحول المصري من الدولة الاستبدادية الى الدولة الديمقراطية فان الجيش الوطني مدعو لحماية العبور الكبير للحرية والعدالة وهو الذي عبر من قبل مدعوما بشعبه قناة السويس فيما شكلت سياسات نظام حسني مبارك تهديدا للعقيدة العسكرية المصرية لأنها اضعفت القوة المصرية بالمفهوم الشامل وهددت الأمن القومي المصري في الصميم.التاريخ يشهد على ان الانتصارات الكبرى في الحروب الفاصلة تكون من نصيب الدول ذات الأنظمة الديمقراطية والمجتمعات التي تتمتع بما يسمى بالرضا الاستراتيجي والقبول المتبادل بين الارادات الحاكمة والمحكومين هي الافضل في المواجهات العسكرية ومن ثم فان قضية الحرية تصب في نهاية المطاف في خدمة الاداة القتالية وهو مايعني بوضوح ان دولة الحرية والعدالة والكرامة تخدم جيش مصر كما تخدم شعبها..فقوة الاداة العسكرية لحظة القتال تنبع من حصيلة العلاقة بين الجيش المحترف والمواطن المدني القادر على خدمة هذا الجيش بطريق مباشر او غير مباشر.ولذلك تتحدث ادبيات الفكر الاستراتيجي في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية عن الوظيفة السياسية للمؤسسة العسكرية كضمان نهائي يسمح بالضبط والرقابة على القيادة السياسية عندما تتجاوز حدودها بأن تخطىء او تنسى التزاماتها الوطنية والقومية التي بلورها تاريخ امتها ووظيفة تلك الأمة في نطاق التعامل الاقليمي وهذا ماتجسده مجالس الأمن القومي في النظم الديمقراطية كأداة معبرة عن الضمير القومي ووعاء للتعاون الوثيق بين القيادات العسكرية والسياسية والفكرية.ومن هنا فان الجيش المصري لابد وان يكون الحارس الأمين لعملية بناء دولة الحرية والعدالة على انقاض الدولة الاستبدادية التي تتعارض مع المعنى الحقيقي للأمن القومي وانتجت النفاق والانتهازية ونماذج بارعة في التلون وركوب الموجات والاستعداد المستمر لتقديم الخدمات لكل الأنظمة والمقايضة ولو على حساب دماء شهداء الثورة. ان مصر بثورتها هزمت هؤلاء الذين تآمروا لدفع المصريين نحو الهاوية والمجهول فاقدين لسيادتهم ومجردين من تاريخهم وبعيدين عن حضارتهم وثقافتهم..مصر رفضت هؤلاء الذين ساقوا المصريين صوب الألم وهم يتحدثون عن الأمل!..واذا كانت ثورة 25 يناير قد كشفت في انطلاقتها عن علاقة سوية بين الجيش والشعب فان العلاقة بين الجيش والشعب في دولة الحرية والعدالة هي علاقة بين الآداة العسكرية والسلطة السياسية وهي تفترض تنظيما ووعيا بحدود المقدرة وحدود الاختصاص. للجيش المصري انضباطه المخلص وتقاليده الوطنية الراسخة وللثورة عبقريتها وعقلها الخاص بل وانضباطها المتحضر خلافا لما يتصور البعض او يروج له البعض الأخر وهي في الحقيقة قصة كل مصري ينتمي لتراب الوطن والأمة بقدر ماعبرت قصة الثورة عن تقاليد رائعة واحترام حقيقي من الجيش لشعبه في اطار فهم الواضح لعقيدته القتالية المرتبطة بالوطنية المصرية الجامعة والمخزون القومي .هذا الجيش المصري لم يتنكر ابدا لتاريخه وتراثه ولم ينس او يتناسى انه ابن الفلاحين والعمال او يتعالى عليهم فيما تستند عقيدته القتالية على ادراك قومي متكامل ويفهم أن الصراع في عالم اليوم هو صراع ارادات وان كل مواطن عليه في لحظة المنازلة مع العدو ان يتقدم ليؤدي دوره..للعقيدة القتالية ابعادها النفسية والاقتصادية..العسكرية وغير العسكرية وهي بهذا المعنى تتسع لتشمل العديد من العناصر والأبعاد. وفي مقابل خيانة بعض المحسوبين على ما يسمى بالنخبة لأحلام الجماهير في الحرية والعدالة ينبغي للجيش الذي انحاز للثورة الشعبية وادى لشهدائها الأبرار التحية العسكرية في مشهد سيبقى للأبد في ذاكرة مصر والأمة ان يضمن مشاركة كل الأطياف السياسية في دولة الحرية والعدالة دون اقصاء لأي فصيل او تيار لأن ميدان التحرير شمل بثورته المجيدة التي تجاوزت ثورة 1919 كل الأطياف والألوان الوطنية وسارت المنقبات والسافرات جنبا الى جنب في موكب الثوار لاسقاط نظام الطغيان والكل ينادي بالمساواة ودولة القانون .واذا كان البعض من المشاركين في الحملة العاتية على المجلس العسكري المصري يرفع ‘فزاعة النموذج الباكستاني’ فان ‘النموذج الهندي’ يمكن ان يشكل الرد على هؤلاء الذين استبدت بهم الآماني لاجهاض الثورة وهزيمة الجيش..نعم انها الديمقراطية دفاعا عن الثورة والجمهورية وجيش مصر. ‘ مدير تحرير بوكالة انباء الشرق الأوسط-القاهرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية