محمد صادق الحسينيِ
مرة اخرى يفشل الغرب في كسر ارادة المفاوض الايراني، ويضطر للنزول عند رغبة طهران للتفاوض معها بالجملة وعدم الاستفراد بموضوعة الملف النووي كما كان يتمنى!
لقد سعت البارونة اشتون ممثلة الاتحاد الاوروبي لتكون المباحثات على قاعدة مناقشة موضوع التخصيب وتبادل الوقود، لكن المفاوض الايراني ظل متمسكا بما سبق الاتفاق عليه في محطة جنيف الثالثة الا وهو اطار الحوار من اجل التعاون، وهكذا كان!
وعندما لم تتمكن اشتون من لي ذراع المفاوض الايراني حاولت الالتفاف عليه من خلال الاغراء بانها ترى من المناسب ان يلتقي المندوب الامريكي في مجموعة الخمس زائد واحد اي وليام بيرينز مع السيد سعيد جليلي لعل ذلك يفتح فجوة في جدار المحادثات الحديدي والجاف!
ولكن عبثا حاولت اشتون لان جليلي كان حازما هذه المرة كما كان في جنيف قبل نحو 45 يوما عندما قال لها اذا كان ثمة ولابد من كلام مع الامريكي فليقل كلمته ضمن مجموعة المباحثات الجماعية، وهكذا حصل بالفعل!
اما هي فقد حاولت مبكرا الايحاء لسعيدي بان لا معنى للمباحثات اذا كان غير مسموح بمناقشة قضية وقف التخصيب، فاجابها سعيدي وبالحزم المعروف عنه بان هذا هو ما اتفقنا عليه في محطة جنيف الثالثة، فاذا كنت تريدين نقض تعهداتك فليعد كل الى بلده ولا داعي للمباحثات بالفعل!
كانت هذه هي بدايات انطلاق محادثات اسطنبول على قاعدة ما اتفق عليه في جنيف والذي اقتضى ان يكون مجمل النقاش في اطار ‘الحوار من اجل التعاون’ على ان يطرح كل طرف ما يعتقد بانه من القضايا ذات الاهتمام المشترك ومنها تلك المتعلقة بامن الطاقة العالمي وهكذا كان!
احبطت اشتون وخرجت مكتئبة وخاب املها كما سارعت للاعلان ولم تتمكن من ايجاد اي اختراق لمصلحة وقف عملية التخصيب ناهيك عن التهديد بمزيد من الحصار الاقتصادي!
على العكس تماما فقد تمكن المفاوض الايراني من التقدم خطوة اخرى الى الامام عندما استثمر فرصة اصرار الطرف الغربي على الدخول في مفاوضات ثنائية، وذلك عندما وضع على الطاولة البند الثاني من رسالة جليلي الشهيرة الى اشتون في حزيران الماضي والقاضية بضرورة ان تحسم الدول الخمس زائد واحد بانها تريد الحوار تحت ظلال السيوف ام حوارا سلسا وبعيدا عن الضغوط؟!
وهكذا خاطبهم جليلي بالقول اذا كنتم جادين بالفعل في انضاج القواسم المشتركة مع طهران كما تدعون فلماذا لا تفكرون برفع الحصار الاقتصادي اذا؟!
وهنا اختلف الستة الكبار فيما بينهم وخرجت طهران مثل الشعرة من العجين! يبقى اخيرا وليس آخرا السؤال الثالث الذي سأله جليلي من اشتون في رسالة صيف العام 2010 دون جواب الا وهو: ما هو موقف الغرب والدول الست الكبرى من ترسانة الكيان الصهيوني النووية؟!
سؤال لم تتجرأ اي من الدول الغربية الاقتراب منه لانه من محرمات الحوار على ما يبدو!
وهكذا تكون انتهت محادثات اسطنبول كما انتهت محادثات جنيف الثالثة، ويكون المفاوض الغربي قد خرج خالي الوفاض وعاد كل واحد من الستة الكبار بخفي حنين، فيما عاد المفاوض الايراني الى بلاده وهو اقوى من ذي قبل.
ثمة من يعتقد بان نتائج اجتماعات اسطنبول كانت قد حسمت اصلا في كل من بغداد وبيروت وغزة عندما خسر الغربي رهاناته على تركيع ارادة معسكر المقاومة والممانعة هناك، فكانت نتائج اجتماعات اسطنبول مطابقة لما زرعه الغربيون انفسهم من فشل في مناطق الاحتكاك المعروفة!
ففي بغداد كان الثنائي السوري الايراني هو من رسم حل الخروج من الازمة الدستورية العراقية وليس واشنطن او اي من حليفاتها! وفي بيروت كان المحور السوري الايراني هو من نزع فتيل الفتنة المذهبية واجبر ارباب المحكمة الدولية والقرار الظني على التراجع والضمور والانكفاء الى غرف الظلام رغم اصرارهم على التآمر ضد لبنان!
وفي غزة كانت قوى الممانعة والمقاومة هي القوة الاشد صلابة في المواجهة والصمود ما اجبر العدو الصهيوني على تفكيك تحالفات جبهته الداخلية وفرط حكومته المتطرفة البقاء متخبطا دون اهداف عــالية والتـوقف طويلا عند حدود القوة المحدودة!
انها لعبة شد الحبل المستمرة بين طهران وواشنطن انتهت جولة جديدة منها كسبتها العاصمة الايرانية مرة اخرى بالنقاط، تماما كما كان يتوقعها العارفون بما يجري من وراء الكواليس، والسبب بسيط جدا الا وهو ان امريكا لم تعد هي امريكا السابقة وحلفاء امريكا لم يعودوا هم انفسهم حلفاء امريكا، فامريكا اليوم وحسب العديد من التحليلات باتت تتخبط في سياساتها العامة ولم تعد قادرة على حماية اي من حلفائها او التابعين لها فما بالك تهديد تحالف عريض من قوى قوية ومتينة متحالفة على اكثر من صعيد وهي بدأت تشكل قوة اقليمية كبرى تمتد من بحر الاناضول الى البحر المتوسط لا يمكن تخطيها من الآن فصاعدا تلعب فيها طهران دورا مركزيا لا يمكن تجاهله.