دلالة العتبات في رواية «عباءة غنيمة» للكويتية عائشة المحمود

رواية «عباءة غنيمة» هي الثانية للروائية الكويتية عائشة عدنان المحمود، صدرت عن دار الساقي اللبنانية، عام 2022، في 223 صفحة. وصدرت لها من قبل رواية «وطن مزور» ومجموعة قصصية بعنوان «آخر إنذار» وفي أدب الرحلات «في حضرة السيد Fuji San.. مشاهدات سائحة في اليابان».
يحار الكاتب فيما يكتب عن هذه الرواية المدهشة بهدوئها العاصف، وسلاستها القاسية؛ ليس من عجز أو قلّة حيلة، بل لكثرة الجوانب التي يمكن الكتابة عنها؛ فهل يكتب عن اللغة الفاتنة، أم العتبات، أم الشخصيات، أم الأحداث، أم التناقضات المجتمعية والشخصية والفكرية، أم الكويت ماضيها وحاضرها، أم فلسطين، أم لبنان، أم الغيبيات، أم حصاد الخيبات، أم التحولات، أم الحب، وغيرها كثير. وآثرت أن أتناول في مقالتي هذه العتبات لما فيها من عمق ودلالات.

العنوان

تتناول الرواية عبر عدة شخصيات وخاصة الشخصية الرئيسة فيصل، ما يزيد عن نصف قرن من تاريخ دولة الكويت وتحولاتها العميقة المتسارعة، وثمة عناوين بارزة ومفصلية، لكن جاء عنوان الرواية «عباءة غنيمة» إشارة إلى امرأة مسكينة من «أهل الله» يبدو دورها هامشيا، إلا أنَّ المتأمل عميقا، يدرك أنَّ «غنيمة» شخصية رمزية ذات تأثير عميق على أكثر من مستوى.
كان فيصل ابن ثماني سنوات عندما رآها أول مرة «رأيتها شعرا أسود مجعدا ككتلة واحدة صلبة لم يقهرها مشط من قبل، سمرة غابشة تكللها دكنة العبس، عباءة منسدلة من الرأس لا تحرص على إغلاقها كما تفعل أمي، بل تركتها منفتحة تفصح عن ثوبها القصير المشجر بزهور ملونة» وكانت رؤيته لها إثر خوف تسرب إلى دواخله عندما رأى أخاه عبد العزيز يواسي صديقه سعود الذي يبكي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. والغريب أنَّ «غنيمة» ركزت على عينيه وصرخت فيه، فخاف وارتعب، بينما لم يأبه بها عبد العزيز أو سعود. وعندما عاد إلى أمه، ارتمى في حضنها، وأخبرها بما رأى، فطمأنته وقالت: «لا تخاف يا يمه، هذه مرة من أهل الله ما تخرّع، ما تسوي شي» وبقيت صورتها بتفاصيلها ماثلة في خياله، يراها بين الحين والآخر. هل رأى فيصل «غنيمة» حقيقة أم تراءت له؟ على الأغلب أنّه رآها فعلا يومذاك، بدليل قول جدته مزنة بعد سنوات طويلة إنّها ماتت، لكن عبد العزيز الأكبر سنا من فيصل لم يهتم، لأنّه يعرفها، ويعرف حقيقتها. وتراءت «غنيمة» لفيصل مرات عديدة، ومعظمها تخيلات وتهيؤات، فقد يتقبل رؤيتها حقيقة في الكويت، أما في لبنان فلا. ويلاحظ أنّ رؤيتها تزامنت مع حالات نفسية مرَّ بها فيصل، فتأتيه كإشارة، أو لتبلغه رسالة، أو لتحذره، أو لتسخر منه. كانت «غنيمة» تجسيدا لخوف فيصل، ولذا كانت قوة حضورها بقوة خوفه، ولما تلاشى خوفه وتغلب عليه، أصبحت صديقة له؛ تجالسه ويأنس بها، ويفتقدها إنْ غابت، وكانت معه لحظة استشهاده.
«عباءة غنيمة» هي مظلة الخوف والأوهام التي تقيدنا وتحرفنا عن السبيل، هذا الخوف الذي ينبع من دواخلنا، دون أنْ يكون له وجود حقيقي، أو أنّه موجود لكنه مصنوع بأيدينا، فكم صنعنا من أصنام وقدسناها، وما لبثتْ أن تكشفت عن أوهام وفقاعات هوائية لا وزن لها.
لم تكن «عباءة غنيمة» وحدها من تعيق الحياة، فهناك عباءة التقاليد والعادات، وعباءة لعبة السياسة القذرة، وعباءة المال والشركات المشبوهة والشرهة، وعباءة الشهوات، وعباءة الخداع والاستغلال، وعباءة الطائفية والإقليمية والعصبية القبلية والقومية، وعباءة الذكورية المتجبرة، وعباءة الانحلال، وعباءة الفساد، وعباءة الأنا والنرجسية، وغيرها وغيرها. وقد تكون «عباءة غنيمة» أقلها ضررا وتأثيرا، ومن السهل التخلص من سطوتها، لكن العباءات الأخرى متجذرة متغلغلة مستحكمة، يحتاج خلعها إلى تضحيات وجهود جبارة، يسبقها وعي وإدراك لمخاطرها وآثارها المدمرة.

الإهداء

تَهدي عائشة المحمود روايتها «إلى الجهل، والحب، والهزيمة..» وهو إهداء إشكالي غير مألوف، بل متناقض؛ يبدو مقبولا الإهداء إلى «الحب» لكن هل يُهدى إلى «الجهل والهزيمة؟».
لا شك في أنَّ «الحب» يستحق الإهداء أيًا كانت نتائجه، وفي الرواية نماذج ناجحة ونماذج خائبة؛ فعلاقة شيخة مع مساعد تكللت بالزواج والسعادة، واختارت سها يامن على الرغم من معارضة أسرتها، بينما فشلت علاقة فيصل مع لين، وانقطعت فجأة واختفت دون سابق إنذار، كما فشلت علاقة بدور مع فهد رغم زواجهما، وفترت علاقة غازي مع مريم.. لكن الحب الأسمى هو الحب الإنساني المطلق؛ الحب المتبادل بين الأم والأب وأولادهما، وحب الأجداد والأحفاد، حب الأصدقاء، حب الحياة وما فيها من جمال وأنس وخير، وبرز ذلك في الرواية في مواطن عديدة فيها. أما «الجهل والهزيمة» فأرى أنهما يستحقان الإهداء، إذا كانت نتيجة إدراكهما ستؤدي إلى تغير جذري، ووعي وتجاوز لآثارهما، فيكونان جسرا أو عتبة للأمام والارتقاء نحو الأعالي. وإنَّ «الجهل» بأنواعه ومجالاته وتشكلاته كافة، أدى إلى هزائم متلاحقة في الداخل والخارج، على المستوى الشخصي والوطني والقومي؛ جهل مريم بحقيقة أمينة التي استولت على زوجها، وجهل بدور بحقيقة فهد، وجهل فيصل بحقيقة لين، والجهل بحقيقة وأطماع الجار، والجهل بدواخل الذين بين ظهرانينا، والجهل بلعبة السياسة والمصالح الدولية، والجهل بأسس العلاقة الصحيحة الناضجة بين أطراف العملية السياسية في البلاد، ومن قبل ومن بعد الجهل بعباءة «غنيمة» ومثيلاتها اللواتي يلقين ظلالًا ضبابية ومعتمة، فيضل الناس سبلهم، وتنحرف أولوياتهم، وتتبدد قواهم. والأمل أنْ يعي الجميع الدرس، ويستخلصوا العبر، فيتخلصوا من جهلهم، فلا عذر لأحد في عالم مكشوف متشابك، والهزيمة هزائم إنْ استسلمنا لها، لكنها رافعة وسلّماً إنْ كانت سببا للتدارك وانبعاث العنقاء من رمادها.

تكونت الرواية من ثلاثة فصول متقاربة الطول، تتضمن ثلاثة وعشرين عنوانا فرعيا، حيث تضمن الفصل الأول «شهقةُ بدايةٍ» ستة عناوين، والثاني «أزمنةٌ مشتبكةٌ» سبعة عناوين، والثالث «قالوا عنها» عشرة عناوين. وجاءت العناوين لافتة مميزة بما تضمنته من شحنات تعبيرية ودلالية ومجازية.

عناوين الفصول

تكونت الرواية من ثلاثة فصول متقاربة الطول، تتضمن ثلاثة وعشرين عنوانا فرعيا، حيث تضمن الفصل الأول «شهقةُ بدايةٍ» ستة عناوين، والثاني «أزمنةٌ مشتبكةٌ» سبعة عناوين، والثالث «قالوا عنها» عشرة عناوين. وجاءت العناوين لافتة مميزة بما تضمنته من شحنات تعبيرية ودلالية ومجازية. ولا يمكن كشف أسرار معظم العناوين إلا بعد القراءة، وهذا يدل على براعة الروائية، وتأنيها، ومهاراتها اللغوية والإبداعية؛ إذ جاء كثير من عناوينها أقرب أنْ تكون لافتات أو صورا شعرية، مثل: «شهقة بداية، أزمنة مشتبكة، مياهٌ… وغبشٌ، فُرَجٌ صغيرةٌ، حين يرمضُ الخوفُ، حبٌ عالقٌ في دربِ الحياة، عود على حب.. على قارعةِ المدينة وفي دروبها، انبعاثٌ.. بيتٌ مؤثث بالقشب، توق جديد… وفتق يتجدد… على درب لا يوصل إليها، عبورٌ مُستأنس، استدارات حانية ومدارات سحيقة، أنا الآخر والآخر هو.. عالم يذوي وآخر ينبثق، قماش وريش، أنْ أكونَ»
والمتأمل في هذه العناوين يدرك أنّها منتقاة ومصاغة بعناية شديدة، وذات إيحاءات ودلالات وتأويلات عديدة، وهي في حد ذاتها إبداع ونص موازٍ لا تقل أهمية عن المحتوى، فلا يكفي أنْ يضع الكاتب عنوانا أو أرقاما كما يستسهل البعض، بل لا بدّ أنْ تكون العناوين عملا متقنا جميلًا، يشكل إضافة نوعية للرواية، ويورط القارئ في القراءة العميقة، ومحاولة تفكيك العنوان والتوصل إلى مدلولاته وأبعاده. واللافت أنَّ كل العناوين الفرعية لازمها تاريخ محدد، بالسنة أو بالشهر أو باليوم، وأحيانا بالساعة، لتؤشر إلى الأحداث الرئيسية الحقيقية التي جرت في التاريخ والوقت المحدد، لتأتي الرواية أقرب إلى وثيقة اجتماعية وسياسية للكويت على وجه الخصوص والعالم العربي عموما، ولم تنس الرواية الإشارة إلى الحرب الأهلية في لبنان، والعدوان الثلاثي على مصر، وفلسطين وهزائمنا المتكررة ولا أدل على ذلك من العنوان اللافت «1 2 3 هزيمة … مايو 1967» تأكيدا على هزائمنا المتوالية وضياع فلسطين وما جاورها، ولم تكن هزيمة 1967 هزيمة واحدة بل هزائم، فقد ضاعت الضفة الغربية، والجولان، وسيناء، أي هزيمة وخسارة مباشرة لدول ثلاث.

إطلالة عامة

بدأت الرواية بولادة فيصل تزامنا مع نكبة عام 1948، وانتهت باستشهاده في 2 أغسطس/آب 1990، وعاش ويلات الحرب الأهلية في لبنان، ومن قبلها آثار هزيمة 1967، وأصيب برعبه الأول برؤية «غنيمة» عام 1967، وشعر بمخاوف حرب الخليج الأولى التي كانت تهدد الكويت، ومن قبلها مطالبات العراق بضم الكويت بعد استقلالها عام 1961، وحادثة خطف الطائرة، وغيرها من الأحداث التي تلقي بثقلها على النفس والروح والجسد. كان فيصل حلم أبيه غازي الذي سماه على اسم جده ليكون مثله، لكنه لم يأت على مقاسه وتوقعاته، وخالف توجهاته السياسية، حيث شكل خيبة أمل لأبيه، لكنه عندما وقع الخطب، كان القائد الذي قاد الأسرة إلى مأمنها، ثم انطلق ليؤدي واجبه تجاه وطنه، يقول: «إذا كان القدر قد رسم لي خريطة حياتي ويريدني أنْ أكون غازي ومن قبله فيصل الأول، فلن أترك للزمن الفرصة، سأباغته، وسأهب أبي رجلًا تمناه طويلا، سأكون فيصل ما كنته في أيّ أزمنة أخرى».
ولم تكن الرواية رواية فيصل وحده أو أسرته، بل كانت رواية الكويت كاملة بتحولاتها وأحداثها وتغيراتها، ومثّل فيصل الشباب الكويتي بشكل خاص والمجتمع الكويتي بشكل عام الحائر بين شرقيته وتحرره، وما يترتب على ذلك من تناقضات ومشكلات وإشكاليات، يقول فيصل: «كنت أمام معضلة، أنْ أختار أي الفيصلين: أريد أنْ أكون فيصل ابن الكويت الذي تثور ذكوريته وينتفض لفكرة أنْ يخدش أنثاه رجل مجهول، أم أكون فيصل الآخر، ذاك الذي اجتهدت لأنْ أكونه على مستويات أكثر عمقا وكثافة من أنْ يتفهمها أحد أو يستوعبها، فيصل العروبي الحر الذي يؤمن بأنَّ للجميع حق الاختيار وعدالة الانبعاث والتحرر من كل ما يمكن أنْ يكبلهم من قيود تتخذ صفات يُبالغ في وصوفها؟».
وبعد؛ فإنَّ «عباءة غنيمة» للروائية الكويتية عائشة عدنان المحمود، رواية رائعة سردا ومضمونا وحبكة وبُنية، تثير عاصفة من الأسئلة الإشكالية على غير صعيد. أما اللغة ففاتنة مدهشة، تحتاج إلى مقالات ودراسات تجلّي جمالها وروعتها، وظفتها الكاتبة بحرفية عالية دون إسراف أو تقتير. والرواية بشكل عام نموذج للرواية التي تستحق القراءة والدراسة، بما تضمنته من متعة وتشويق وحقائق ومعارف وأحداث ومعاناة ومشاعر، وتناقضات وصراعات، بالإضافة إلى فنياتها العالية، ولغتها الرائقة، وصياغتها المحكمة، وتنوعها الواسع، وإحاطتها الشاملة الموجزة.

كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية