البيانوني يشتبه في ان طهران تسعي الي نشر المذهب الشيعي في سورية
كل إضفاء للشرعية علي هذا النظام ولو بدرجة صغيرة يعني المس بجهود دفع الديمقرطة في المنطقة، فسّر في نهاية الاسبوع الناطق بلسان البيت الابيض، توني سنوؤو، توبيخه للسناتور بيل نيلسون الذي التقي مع الرئيس السوري بشار الأسد. للوهلة الاولي يبدو أننا أمام حرص صادق وحقيقي من الادارة الامريكية لدفع الدمقرطة مع التفهم العميق للحاجة الي تأييد المعارضة السورية. ولكن هنا بالضبط تبدأ المشكلة، يكتب صحافي لبناني مناهض لسورية، نظام بوش لا يعرف بالضبط من هي وما هي المعارضة السورية، هل هي الليبراليون الذين يدخلون ويخرجون من السجن، أم الاخوان المسلمون في سورية؟ من الذي يتوجب علي الادارة أن تؤيده بالضبط؟. يتبين ان سورية أكثر تعقيدا مما يعتقدون.
التعرف علي الصراعات الداخلية في سورية قد يبدأ مثلا ببيان نائب الرئيس السوري، فاروق الشرع، في نهاية الاسبوع الذي قال فيه ان الاختلافات بين سورية والسعودية شخصية، اي ان قطة سوداء قد مرت بين الأسد وبين الملك عبد الله، وان هناك حاجة فقط الي قبلة علي الوجه لحل الاشكال.
الا ان الواقع بالطبع مختلف. بين دمشق والرياض أصبحت هناك هوة بعد مقتل الحريري، وتعمقت عندما رفضت سورية التعاون مع لجنة التحقيق الدولية. الملك عبد الله كان صديقا شخصيا للحريري وعائلته، وقد وعد ابنه سعد بأن يبذل قصاري جهده لوضع اليد علي المذنبين. العلاقات بين السعودية وسورية ازدادت تدهورا بعد أن ألقي الأسد مع انتهاء الحرب اللبنانية خطابه الغريب الذي اتهم فيه مصر والاردن والسعودية مباشرة بخيانة القضية العربية لانهم انتقدوا حزب الله وأيدوا موقف الحكومة اللبنانية. الأسد أوضح بعد ذلك لمبارك أنه لم يقصد التعرض له. أما عبد الله ملك الاردن فلم يتلق أي توضيح، ومع ملك السعودية لم ينجح في التحدث.
في هذا الاسبوع ظهرت تصدعات في الخصام العربي مع الأسد: مبارك وافق علي الالتقاء برئيس الحكومة السوري ناجي العطري الذي تحول الي مهرجان اعلامي في الصحافة السورية، وربما ايضا احتفالا تجاريا. الدولتان وقعتا علي 20 اتفاقية تجارة وتعاون. حسب الادعاء السوري لم يكن هناك خصام بالمرة، والدليل علي ذلك أن رئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان خرج ودخل الي سورية من دون عراقيل عندما أراد عقد صفقة التفاهمات مع خالد مشعل التي أدت الي وقف اطلاق النار مع اسرائيل في غزة.
الخروج من لبنانمسار التصادم الثاني الذي سارت عليه سورية بعد المسار السعودي ـ المصري، كان مع لبنان. حتي ما قبل الحرب الأخيرة كانت هذه السنة سنة صعبة علي الأسد. قرار مجلس الأمن 1559 الذي اتخذ في صيف 2004 كان بداية مرحلة جديدة طولبت سورية فيها بالانسحاب من لبنان. القرار اعتُبر في نظر دمشق خطوة هجومية من رفيق الحريري، وعلي ما يبدو قررت سورية إزالة هذا العائق وتصفية الحريري. الا ان هذه المسألة لم تتأكد بعد.
في أيار (مايو) 2006، بعد قتل الحريري بسنة وثلاثة اشهر، قام 275 مثقفا سوريا ولبنانيا بصياغة وثيقة عُرفت باسم بيان بيروت ـ دمشق نشرت في الصحف اللبنانية وفي مواقع الانترنت التابعة للمعارضة السورية. في هذا البيان يُطلب من الأسد تحسين علاقة سورية مع جارتها الصغيرة، أي اخراج مخالبه من لبنان. هذه هي نفس المعارضة السورية التي صاغت في عام 2000 عريضة طالبت فيها الرئيس الجديد بشار الأسد باجراء اصلاح دستوري واقتصادي في الدولة.
في البداية سمح الأسد لهذه المجموعة باجراء عدة مداولات في اطار الصالونات الأدبية، ولكن عملاءه سجلوا عدد سيارات المشاركين. بعد فترة قصيرة تم اغلاق النوادي وإقالة بعض المشاركين في المداولات من مناصبهم أو اعتقالهم. بعد بيان بيروت ـ دمشق حرص أتباع الأسد علي إظهار اعضاء المعارضة في صورة العملاء للولايات المتحدة، أو علي الأقل عملاء للحكومة اللبنانية. هكذا علي سبيل المثال كتبت الصحافية ماريا معلوف من صحيفة تشرين بأن أحد المعارضين الهامين وهو ميشيل كيلو، قد حصل علي مبلغ من المال من الوزير مروان حمادة، أحد أنصار فؤاد السنيورة. كيلو قدم ضد معلوف دعوي تشهير، إلا أنها لم تُبحث حتي الآن.
حساب مفتوحولكن معارضة الأسد الابن لا تنتهي عند هذا الحد. احد اركان المعارضة هو حركة الاخوان المسلمين السورية التي تطالب بإزالة نظام الأسد. للحركة حساب دموي صعب مع عائلة الأسد لان والده حافظ ذبح 25 ألفا من اعضائها في عام 1982 في مدينة حماة. ولكن هذا ليس السبب الوحيد. الاخوان المسلمون في سورية هم معارضون لايران ايضا لان رئيس الحركة في الدولة، المحامي علي صدر الدين البيانوني، يشتبه في أن طهران تسعي الي نشر المذهب الشيعي في سورية.
الاخوان المسلمون هم حركة سنية، وعلي هذه الخلفية يُفهم قلقهم. ما هو غير مفهوم هو أن الحركة تستطيع أن تؤيد حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيين اللذين يتلقيان الدعم من ايران في نفس الوقت. والأمر الأقل وضوحا هو كيف يمكن للاخوان المسلمين السوريين انتقاد نظام الأسد الذي يدعم حماس.
هناك توضيحات لهذه التساؤلات. بعض هذه التوضيحات غير صحيح مثل ادعاء بأن الاخوان المسلمين في سورية بأن حماس هي اختيار الفلسطينيين والتضامن معها ليس علي أساس ديني وانما قومي. ولكن التوضيح الأقوي هو أن الاخوان المسلمين لا يؤيدون حماس فعلا ولا الجهاد الاسلامي لان هذه الحركات مدعومة من قبل سورية.
علي حد قول مصدر مصري مقرب من الاخوان المسلمين في مصر طُلب من قائد الحركة مهدي عاكف قبل سنة علي يد النظام المصري بأن يطلب من الاخوان المسلمين في سورية بأن لا يتعرضوا للأسد. عاكف استجاب للطلب بصورة مفاجئة ولكن نظراءه السوريين عارضوا. الصيغة المجردة القائلة أن كل الحركات الاسلامية موحدة وتعمل من خلال دوافع واحدة لا تنطبق علي سورية، ولا علي غيرها حتي.
فترة عذوبة في العراقبين حركة معارضة واحدة واخري، وبعد الانهيار الكبير في لبنان وجدت سورية نفسها أمام فترة عذبة كبيرة في علاقتها مع العراق تحديدا. بعد ربع قرن من القطيعة بسبب دعم حافظ الأسد لطـــــهران في حرب ايران ـ العراق، وبعد أن شاركت سورية في التحالف الدولي المناهض للعراق في حرب الخليج الاولي، وافقت حكومة بغداد الجديدة علي عقد العـــــلاقات مع دمشق. والآن إبان قيام العراق باستئناف علاقاته مع سورية ينتصب فاروق الشرع أمام الدول العربية ليقول لها ويُذكرها لمن تدين بالشكر. الشرع قال ان سورية هي التي شاركت في الحرب ضد العراق الذي احتل الكويت. وفي نفس الاسبوع الذي يُذكر فيه الشرع الدول العربية بواجبها يخرج الأسد ببيان للعالم حول استعداده للتفاوض مع اسرائيل ملقيا القفاز أمامها، لا بل ويرسل وزير خارجيته وليد المعلم لقول كلماته العذبة في صحيفة واشنطن بوست.
في موقع الانترنت التابع لمحطة العربية الفضائية التي نقلت تصريحات الشرع، كان من الممكن ان تجد الرد التالي من أحد المشاركين في التعليقات: ويلكم أيها العرب، فسورية هي التي أنقذتكم من الاحتلال. الي أين كنا سنصل من دون سورية، والآن فلتذهبي يا سورية لتحرير الجولان. هذا ليس ردا منفردا. الأسد سمع مثل هذه التصريحات بصورة كثيرة في لبنان لدرجة أنه اضطر الي تغيير طريقة حديثه عن هضبة الجولان وبدأ يتحدث فجأة عن خيار آخر لتحرير الهضبة، ان لم يتمكن من تحريرها من خلال السلام.
الآن لم يعد واضحا من يريد ماذا. واشنطن تعارض إضفاء الشرعية علي سورية، ولكنها سمحت لبغداد باستئناف العلاقات مع دمشق. هي لا تعتقد أن علي اسرائيل اجراء المفاوضات مع سورية، ولكن تقرير بيكر ـ هاملتون يطالب باشراك سورية في مراقبة ورعاية العراق، الأمر الذي يعطيها أحد المفاتيح المركزية للسلام الاقليمي. سورية تريد عملية سلام مع اسرائيل وتريد الجولان، ولكنها تدعم حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي ـ كوزن مضاد لمعارضة الاخوان المسلمين، أو كوزن مضاد للروافع التي تملكها مصر والسعودية في المناطق. اسرائيل ستجد صعوبة في سبر غور هذه الحسابات، وهي ليست ذات صلة في القضية المركزية الآن: التفاوض مع سورية أو عدمه؟ حماس وحزب الله يسألون هذا السؤال ايضا، وعلي اسرائيل أن تعطيهم الجواب، ذلك لانه في كل الاحوال تخوض هذه الأطراف الثلاثة الحرب ضد بعضها البعض منذ سنوات طويلة.
تسفي برئيلمراسل الصحيفة للشؤون العربية(هآرتس) 22/12/2006