بغياب وزير الثقافة ومديرية المسارح والموسيقا دمشق ـ ‘القدس العربي’ من أنور بدر يبدو أن الأجواء المشحونة بالتوتر في العاصمة السورية دمشق قد انعكست بالضرورة على احتفالية هذا العام باليوم العالمي للمسرح، حيث انتقلت الاحتفالية من صالة الحمراء بدمشق إلى المعهد العالي للفنون المسرحية في ساحة الأمويين، مع أن هذا الإجراء يقرأه البعض في إطار أبسط من المنافسة بين د. عجاج سليم عميد المعهد وبين مديرية المسارح والموسيقا التي غادرها منذ عامين تقريبا. إضافة لغياب الدكتور رياض عصمت وزير الثقافة عن هذه الاحتفالية أيضا، مما ترك بضع علامات استفهام.
الدكتور عجاج سليم قارب المسألة في كلمته باعتبارها محاولة لاستعادة الألق لعروض المعهد، ‘وأن تكون مشاهدة أي عرض رحلة مليئة بالمتعة والفائدة حيث بدأنا بعرض السنة الرابعة سيليكون وتبعه عرض أحلام افتراضية وها هو شكسبير سيعود ليصدح على خشبة مسرحنا في ليلته الثانية عشرة’. لافتا الانتباه إلى أن أهم ما في الأنشطة المتعددة التي يقدمها المعهد في احتفالات يوم المسرح العالمي أنها نتاج جهود حقيقية لطلاب وأساتذة المعهد معا. كما قام بتكريم عدد من المسرحيين الرواد في المعهد العالي للفنون المسرحية وهم أسعد فضة والدكتور غسان المالح ثاني عمداء المعهد والدكتور نديم معلا أول رئيس لقسم النقد في المعهد، إضافة لعرفان عبد النافع مدير المسرح القومي لعدة سنوات. وأعلن في كلمته عن إصدار قسم الدراسات المسرحية لنشرة خاصة بيوم المسرح العالمي، تحت إشراف الدكتورة ميسون علي. وقد تضمنت احتفالية المعهد العالي بهذه المناسبة تقديم مجموعة من الفقرات التمثيلية والراقصة لطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، على أن يمتد الاحتفال بيوم المسرح العالمي إلى مجموعة أنشطة: عرض ‘المساكين’ لدوستويفسكي الذي سيتم في كنيسة مار بولس يوم الثلاثين من الشهر الجاري بإشراف مدرس الصوت فيودور بيرفيرزييف، وعرض ‘طقوس الإشارات والتحولات’ الذي يشرف عليه الفنان فايز قزق وهو مشروع تخرج لطلبة قسم التمثيل، وعرض راقص لمدرسة الباليه، فضلاً عن قراءات مسرحية لقسم الدراسات.. معارض قسم السينوغرافيا.. ونتاجات أعمال قسم التكنولوجيا. أما كلمة هذا العام والتي كتبتها المسرحية الأغوندية جيسيكا أ.
كاهوا تحت عنوان ‘المسرح خادم الإنسانية’ فقد قرأها بالنيابة الفنان أيمن زيدان بصفته أول خريج من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. يذكر أن الفنانة كاهوا كاتبة مسرحية وممثلة ومخرجة وأستاذة جامعية في جامعة ‘ماكيريري’ بالعاصمة كمبالا في أوغندا، حاصلة على الدكتوراه في العلوم المسرحية والنظرية والنقد من جامعة ميريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2001. ولها أكثر من 15 مسرحية تأليفا، أشهرها: ‘حجر الزاوية، الجنة إلى الأبد، صداء السلام، طبول الحرية’ … كما أخرجت مسرحية ‘الملك لير’ لشكسبير، و’الأم شجاعة وأولادها’ لبريخت. وقبل ذلك كانت ممثلة في العديد من المسرحيات. وتعتبر كاهوا مدافعة قوية عن كرامة الإنسان وحقوقه، علما بأن قائمة الأفارقة الذين كتبوا رسالة يوم المسرح العالمي قبل ذلك تمتد من ول سوينكا إلى فتحية العسال عام 2004، والتي كانت ثاني شخصية عربية تكتب هذه الكلمة بعد سعد الله ونوس من سورية، وقبل الدكتور سلطان بن محمد القاسمي من الشارقة. تقول جيسيكا أ. كاهوا في كلمتها:’هل يتصور في أي وقت أن المسرح يمكن أن يكون أداة قوية من اجل السلام والتعايش؟ بينما تنفق دول مبالغ هائلة من المال على بعثات حفظ السلام في مناطق الصراع العنيف في العالم، فإن اهتماماً قليلاً يولى للمسرح كبديل قادر على تحويل الصراعات وإدارتها. كيف يمكن لمواطني الأرض الأم تحقيق السلام العالمي عندما تأتي الأدوات المستخدمة لهذه الغاية من قوى خارجية وقمعية على ما يبدو؟
يطمئن المسرح بشفافيته النفس البشرية المسيطر عليها الخوف والشك، وذلك عن طريق تغيير صورة الذات وفتح عالم البدائل من أجل الفرد والمجتمع إذ بمقدور المسرح أن يعطي معنى للواقع اليومي في حين أنه يكبح غموض الآتي.. كما أنه يمكن للمسرح أن يشارك في الحياة السياسية على تعددها بين الشعوب بطرق مباشرة بسيطة. ولأنه شامل، فيمكنه أن يقدم خبرة قادرة على تجاوز المفاهيم الخاطئة التي رسخت منذ زمان. بالإضافة إلى ذلك، فالمسرح هو وسيلة ناجعة في دفع الأفكار التي نحملها جماعياً، ونحن نستعد للقتال من أجلها عندما تنتهك.
لتوقع مستقبل سلمي، يجب علينا أن نبدأ باستخدام الوسائل السلمية التي تسعى إلى فهم واحترام والاعتراف بمساهمات كل إنسان في دأبه لإحلال السلام. المسرح هو تلك اللغة العالمية التي يمكننا من خلالها تقديم رسائل السلام والتسامح من خلال دمج المشاركين في نشاطه لتحقيق الكثير من مسرح ينغمس لتفكيك التصورات التي عقدت سابقاً، وبهذه الطريقة يعطي للفرد فرصة للانبعاث من أجل اتخاذ قرارات على أساس المعرفة واكتشاف الحقيقة. لكي يزدهر المسرح، من بين جملة من الأشكال الفنية، يجب علينا اتخاذ خطوة جريئة من أجل إدراجه في الحياة اليومية، والتعامل مع القضايا الحرجة في الصراعات لأجل السلام. بغاية التحول الاجتماعي والإصلاح للمجتمعات، فان المسرح وجد بالفعل في المناطق التي مزقتها الحرب، وبين السكان الذين يعانون من الفقر المزمن أو المرض. وهناك عدد متنام من قصص النجاح، حيث تمكن المسرح من حشد الجماهير لبناء الوعي ومساعدة ضحايا الصدمات النفسية بعد الحروب. إن المنابر الثقافية مثل ‘الهيئة العالمية للمسرح’ التي تهدف إلى ‘توطيد السلام والصداقة بين الشعوب’ لفاعلة في الحياة المسرحية.
لذلك، فانه من العجب أن نرتهن إلى الهدوء في مثل أزماننا هذه، ونحن ندرك سلطة المسرح، فنسمح لمسخري البندقية وقاذفات القنابل أن يكونوا حفظة السلام في عالمنا. كيف يمكن لأدوات الاغتراب أن تضاعف وجودها كأدوات للسلام والتصالح؟
إنني أحثكم في هذا اليوم العالمي للمسرح للتفكير في هذا الاحتمال، وأن تضعوا المسرح في المقدمة كأداة عالمية للحوار والتحول الاجتماعي والإصلاح. وبينما هيئة الأمم المتحدة تنفق مبالغ هائلة في بعثات حفظ السلام حول العالم، من خلال استخدام الأسلحة، فان المسرح هو الشكل الإنساني والعفوي والأقل تكلفة، وهو البديل الأكثر قوة في كل الأحوال. وفي حين أنه قد لا يكون الحل الوحيد لإحلال السلام، فإن المسرح ينبغي أن يُدرج بالتأكيد كأداة فعالة في بعثات حفظ السلام في عالمنا’.