(دمشق مع حبي): سينما الإيمان بالتعايش وقصيدة في عشق البشر والمكان

حجم الخط
0

فيلم يتعاطف مع يهود دمشق ويلوّن صورتهم بالحنين:

محمد منصور تبقى دمشق مدينة ملهمة في الآداب والفنون عموماً.. وتترسخ صورة المدينة في السينما يوماً بعد آخر، كعنوان لقضايا وموضوعات تعبر عن تركيبتها الفريدة، وعن خصوصية موقعها الاجتماعي في النسيج السوري والشرقي عموماً، وعن بنيتها التقليدية المفتوحة على تراث وحكايا ونسيج علاقات. في هذا الإطار يأتي فيلم (دمشق مع حبي) للمخرج السوري الشاب محمد عبد العزيز، ليحاول ملامسة هذه الصورة بكل غناها وكثافتها، نافذاً إلى موضوع إشكالي يثير الكثير من المواقف المسبقة: علاقة يهود دمشق بالمدينة من جهة، وعلاقتهم بالأديان والطوائف والقوميات من جهة أخرى. حفنة من تراب الشام عالج محمد عبد العزيز (وهو كاتب النص السينمائي أيضاً) موضوعه بكثير من الدفء والانحياز.. أجل فلقد انحاز منذ البداية إلى يهود دمشق، باعتبارهم بشراً خارج الأيديولوجيا الدينية والصراع السياسي والاستيطاني، الذي صنع نكبة فلسطين. وانطلق من رحلة (ألبير) اليهودي العجوز المقعد إلى إيطاليا للالتحاق بباقي أسرته، وهو ما يعيدنا إلى أجواء تسعينيات القرن العشرين، حين سمح لليهود بالسفر الى خارج سورية، فقرر الكثير منهم السفر والهجرة، وخلت حارة اليهود في دمشق من أصحابها تقريباً، قبل أن يكتشف بعضهم أن علاقته بالمدينة التي سكن في قلب حواريها العتيقة بمجاورة أحياء المسيحيين والمسلمين الشيعة، وفي قلب المحيط السني الواسع، ومارس نشاطه التجاري فيها بنجاح وبلا عوائق، لم تكن مجرد مكان للعيش، بل جزء من تكوين ثقافي واجتماعي غدا جزءاً منه، وسكنه في حله وترحاله.

في المطار يحمل (ألبير) اليهودي معه حفنة من تراب الشام، وقبل إقلاع الطائرة، يبوح لابنته (هالة) بالسر الذي هدم حياتها: نبيل حنا بشارة.. الشاب الدمشقي المسيحي الذي أحبته لم يمت كما ادعى، بل ما زال حياً يرزق. تلغي (هالة) رحلتها في الدقائق الأخيرة، ويسافر (ألبير) للالتحاق ببقايا أسرته في إيطاليا، حاملا معه حفنة من تراب الشام، وهناك في الطريق إلى بيت الأسرة، تشتعل الذكريات والحنين، ويعترف بأن المكان هو الذاكرة… وأنه قال ما قاله لابنته كي يدفعها للبقاء… فالخروج من مكان كدمشق هو فقدان للذاكرة. يبدو حديث الحنين والصباحات الدمشقية ورائحة الليمون والنارنج والكباد لا معنى له بالنسبة للفتاة التي تأخذ ألبير من المطار إلى المدينة الإيطالية القديمة.. لكنه بالنسبة لعجوز مرهق سيلفظ أنفاسه بعد قليل، هو حالة هذيان ومونولوج وداع أخير لعصر كامل، لن تنتهي فصوله إلا حين يعود ألبير في تابوت مغلق، ليدفن في تراب الشام. البحث عن الحب الضائع ليس هذا هو المحور الأساسي للفيلم، فالعمل يتحول بعد هذا الاستهلال الذي يرسم بيئة الشخصيات ويكشف انتماءاتها وقضيتها مع المكان والذاكرة والرحيل، إلى قصة بحث عن حب ضائع.. تخترق فيها هالة حدود الجغرافيا الدمشقية من حارة اليهود إلى الحي المسيحي إلى الفضاء الإسلامي الواسع للمدينة، لتخرج إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع لسورية… باحثة عن حبيب انقطعت أخباره منذ التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وذهب مع الجيش السوري إلى لبنان. لكن (هالة) في رحلة البحث عن حبيب يسكنها بالجنون لا تنطلق في رحلة التشرد في عمق الجغرافيا السورية فقط، بل في عمق التركيبة الاجتماعية والإثنية والدينية البالغة الثراء، التي تبقى دمشق النموذج الأمثل لتعايشها العفوي المسكون بتاريخ حي وملهم للسلام الاجتماعي.

وينساب الفيلم بعد ذلك عبر تفاصيل عذبة ومرهفة، لا تخلو من صنعة فنية في الكتابة، لكنها صنعة مقبولة على أية حال، لأنه في أي رحلة بحث في حيز واسع من الجغرافيا، يمكن أن نرى مثل هذه القصص والحكايا التي تولد من الصدفة أو من المجهول، التي لا تحتاج لتبرير كاف، لأنها مصادفات يخلقها الطريق، فلا يمكن إثبات استحالتها، ولا يمكن تأكيد حتميتها.. لكنها تبقى جزءاً من المشهد البانورامي الغريب والطريف لحياة البشر ولأقدارهم. من هذا المنطلق مثلاً يمكن التعامل مع قصة الحب الرعناء والجميلة بين الشابين المراهقين، التي تصادف (هالة) مع رفيق دربها في رحلة البحث المضنية، التي تقطع فيها دروباً، وتزور فيها أديرة، وتلتقي في منعطفاتها ببشر، أهم ما فيهم أنهم مختلفون وحقيقيون، مهما كانت حقيقتهم مثيرة للرفض أو القبول.

تلتقي هالة بالحبيب الضائع في نهاية الفيلم… لكن المرء لا يدري حقاً إن كانت هذه هي نهاية سعيدة لفيلم يتحدث عن الحب، أم نهاية حزينة لزمن ضاع وسرق من أعمار الحبيبين، ولرجل غدا ـ بإصابة حرب ربما- مقعداً، يمشي على كرسي بعجلات، حضور الكرسي ذي العجلات يجعل الفيلم ينحرف عن مساره الرومانسي نحو جرعة ميلودراما… شخصياً لم أستسغها، لكن المخرج في النهاية حاول التعامل معها بحذر وانضباط، فبدل الصدمة والبكاء، حلت النشوة والابتسامة.. وكأن (هالة) لم تر الكرسي في المشهد على الإطلاق، بل رأت وجه الحبيب وابتسامته فقط، واستعادت في حركة كفه المميزة التي اعتاد أن يحييها بها بطريقته الخاصة… صورة الزمن الضائع والمستعاد في آن معاً. بنية السيناريو وإحساس النصيكتب محمد عبد العزيز نصاً سينمائياً جيداً، وازن فيه بين الإمساك بالخط العام، والاهتمام بالتفاصيل اللماحة التي تغني مساره، وتضفي عليه نكهة مشبعة بلون الحياة.. البناء الفني المتشابك للسيناريو، نقطة انطلاق الأحداث من لحظة السفر ثم العودة إلى الماضي، في موازاة خطوط حاضرة أخرى، إشباع موضوع الحب بالتقاطع مع حب دمشق كمدينة ومكان وذاكرة، كل هذا تجسد في خطوط السيناريو وشكله ومضمونه وفق بناء فني محكم، فيه لمحات تجريبية موظفة في سياق سردي يتوخى تقديم عمل جماهيري، لا عمل يرهق المشاهد، ناهيك عن الحوار البسيط والمعبّر، الذي يقترب من لغة الشارع بلا وسائط وبخفة ظل تحسب للكاتب. النجاح الفني للسيناريو، لا يمنع من أن بعض الخطوط كان يمكن تعميقها أكثر، ولعل أكثرها أهمية العلاقة بين اللاجئين الفلسطينيين ويهود دمشق، فمن المعروف أن الدولة منحت بعض أملاك اليهود الغائبين في الخمسينيات إلى عائلات فلسطينية سكنت حي اليهود، وعاشوا علاقة حسن جوار، خرج فيه الدين من صبغته العنصرية التي صنعت الفكر الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، وتحول هنا إلى تفصيل إنساني للعلاقة مع الله، لا يفسد العلاقة بين الناس المتجاورين. طبعاً الفيلم قدم إشارة جيدة لهذا الموضوع، لكنه لم يوضحها بالنسبة لمن لا يعرف طبيعة هذه العلاقة، من غير الدمشقيين أو المعنيين بالموضوع.

على الصعيد الفني نستطيع القول ان محمد عبد العزيز قدم لغة فنية مشغولة بمهارة وعناية.. فهذا الشاب الذي بحث عن نفسه طويلاً، مرة صحافيا وأخرى كاتبا ساخرا، وثالثة مخرج منوعات لا يحمل إذن عمل من نقابة الفنانين، استطاع أخيراً أن يجد نفسه، أن يهتدي إلى قدراته، مثل كثير من الشباب السوري الذي تضيع موهبته في زحمة المؤسسات الفنية والإعلامية البيروقراطية التي لا تحترم موهبة، ولا تحزن على خسارة، ولا تشعر بوجود جيل شاب في الحياة يستحق أن تتاح له الفرص وتفتح له الأبواب. وبالنسبة لعمل أول فإن محمد عبد العزيز يبدو متجاوزاً للكثير من السينمائيين المكرسين الذين بدأوا بدايات أقل نجاحاً وأشد ارتباكاً، وهو متجاوز بالتأكيد لمخرجين تلفزيونيين نجوم كانت محاولاتهم في السينما بائسة ومخيبة للآمال.

دلالات اللغة البصرية إن محمد عبد العزيز المخرج شخص يخلص للنص الذي يكتبه، ولذلك تأتي لغته الإخراجية مسكونة بالإحساس بمشاعر النص وشخصياته، وهذا ليس عيباً بالتأكيد، وخصوصاً حين نقدم عملا يتوخى الجماهيرية، لكن هذا الاهتداء ببوصلة النص، لا يحرم صورة الفيلم بالمقابل من جماليات بصرية، ومن حلول إخراجية تنبئ عن مخرج له رؤية في بناء اللقطة، وتحريك ممثليه، وفي ما يريده من الكادر السينمائي… ناهيك عن إحساسه العالي بإيقاع اللقطة السينمائية، وفق زمن مونتاجي يجعل من السينما ذات إيقاع مختلف عن التلفزيون. رغم هذه المزايا كلها، لا نعدم تأثير المرجعية التلفزيونية على لغة الفيلم البصرية.. فالفيلم الذي تبدو دمشق شخصية درامية من شخصياته، ومحورا من محاوره، وفضاء للحب والحنين والبقاء والرحيل، تحتاج حضوراً بصرياً وجمالياً أكبر، وكنا نحتاج للقطات بانورامية أوسع تكرس الإحساس بفضاء التعايش الذي تمثله دمشق، من هذه الاقتراب من وجوه الممثلين، في حوارات لا تمتلك تعبيرات وانفعالات درامية استثنائية.. ومن الغريب أن أفق الكاميرا والصورة يتسع وينطلق حين تخرج الشخصيات من دمشق إلى فضاء الوطن الأرحب… وأعتقد أننا لو تأملنا جيداً في بنية هذا الخيار الفني الذي سلكه المخرج لوجدنا أن فيه خطأ دلاليا يناقض المقولة التي أراد الفيلم أن يكرسها في المضمون.

إن كل هذه الملاحظات لا تلغي النجاح الفني الذي استطاع محمد عبد العزيز أن يبلغه ككاتب ومخرج، يقدم فيلماً سينمائياً من إنتاج القطاع الخاص في سورية، غير المؤمن كثيراً بإنتاج سينمائي من هذا النوع، لكن محمداً استطاع أن يحمي فيلمه من التنازلات، واستطاع مع جهة إنتاج احترمت مشروعه مشكورة، أن يقدم إنتاجاً مشرفاً يحسب للقطاع الخاص السوري بكل تأكيد، ولشركة (الشرق) التي أنتجته، وللممثلين الذين شاركوا فيه، فحضروا في أماكنهم، وقدموا سوية جيدة من الأداء، بدت مرح جبر بلوعة الألم التي سكنت عينيها عنواناً من عناوين تلك السوية، إلى جانب الحضور الخاص لخالد تاجا، والأداء المتحرر من النمطية والتصنع لدى جهاد سعد وسامر عمران… من دون أن ننسى ذلك الألق المتدفق في أداء فارس الحلو، الذي يشرق ويضج به المشهد، فيصنع إيقاعاً خاصاً لأدائه، ناهيك عن الحضور التعبيري للبناني بيير داغر من دون أن أنسى مساهمات الشباب، ميلاد يوسف، وميسون أسعد، وريهام عزيز وسواهم.

تعاطف مثير للتساؤل سألتني زميلة صحافية بعد انتهاء العرض الإعلامي لـ (دمشق مع حبي) إن كنت أوافق على الصورة الإيجابية التي قدمها الفيلم عن يهود دمشق، وإن كان هذا هو الوقت المناسب لطرح صورتهم بهذه الطريقة، ونحن نرى ما يجري في فلسطين، ليس على أيدي جيش الاحتلال فقط، بل على أيدي المستوطنين أيضاً؟

وقد وجدت في السؤال موضوعاً يستحق التوقف… فالفيلم لا يقدم صورة إيجابية منمقة عن يهود دمشق، وهو لا يقصدها لذاتها، إن بدا الأمر كذلك من وجهة نظر بعضهم؛ لكنه يتعامل معهم كبشر من المعيب أن نصورهم كنمط قبيح ومسبق الصنع، لأنهم فقط ينتمون لديانة استغلتها بعض الحركات العنصرية الاستيطانية لتجعل منها عنواناً لسرقة حلم وطن/ من أعز أوطان الشرق العربي ألا وهو فلسطين. إننا إذا كنا نرفض الصورة النمطية المسيئة التي تقدم عن العربي في السينما العالمية أو الصهيونية، فالأحرى بنا أن نرفض تقديم هذا النمط من الرؤية تجاه الآخرين.. لأننا أصحاب حق، وليس أضر بأصحاب الحق من سلوك سبل أصحاب الباطل ذاتها. وفي المحصلة فالفيلم يقدم صورة إيجابية عن دمشق بالدرجة الأولى… دمشق حاضنة كل هذه الأديان والثقافات والطوائف، والتي عاشت قروناً من التعايش الحضاري السلمي، والتي بقيت على الدوام مستعدة لتقديم دروس عن هذا التعايش الاجتماعي، الذي تسبق فيه ثقافة البشر ديماغوجيا الشعارات.

أجل يهود دمشق هم جزء من لوحة دمشق الفسيفسائية البديعة، وهم بشر ارتبطوا بالمدينة وعشقوها، وعاشوا في قلبها داخل أسوار المدينة القديمة ولم يكونوا منفصلين عنها. من سافر ورحل عن المدينة اتبع خياراً شخصيا، ومن آثر البقاء فيها كان يمارس حريته في البقاء أيضاً… وفي النهاية هم أناس يتأثرون بالمكان ونمط الحياة، ويحنون إليه حين يشعرون على بعد مسافات الأميال أنه مازال يسكن فيهم. ولهذا يبقى فيلم (دمشق مع حبي) عملاً ذكياً ومرهفاً، يتعامل مع شخوصه بحنان ورهافة بالغين، وبمعزل عن انتماءاتهم الدينية… ويمجد حب البشر للمكان، وحب الدمشقيين بمختلف طوائفهم للشام التي تتحول في الفيلم إلى أيقونة من السحر والدفء، بمقدار ما يمجد الحب وعذاباته اللذيذة، ويكتب أنشودة مسكونة بالألم والجنون عن هذا الحب الذي يبدو في المحصلة قدراً غريباً من أقدار البشر، إنما في أنقى وأطهر حالاتهم الإنسانية. [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية