دمعتان علي أطوار الرافدين
خالد الحروبدمعتان علي أطوار الرافدينألا فلتشل يدهم يا أطوار، يقصفون من العراق أحلي نخلاته، يطالونك يا بهاء السامراء، يا ملوية العراق وملتقي النهرين. ستغيب عينان كان فيهما كل إخضرار ضفاف الرافدين، وكان فيهما لهفة كل السنين علي عراق حزين يُعاث فيه دماً وموتاً. في القاهرة من شهور ثلاثة ارتشفنا معاً فنجان قهوة سريع في مقر الجامعة العربية خلال مؤتمر المعارضة العراقية. كان هم العراق وحديثه مراً كقهوة سريعة مقدمة علي غير كرم. كان شموخ أطوار السامرائي يعلوه انكسار خفي. لما تحدثت عن عراقها والجرح الذي يتسع، دهمنا الوجوم. كانت تكسره بكرم ابتسامتها، لكأنما تريد التخفيف عنا نحن عشاق العراق والعراقيين، قالت أشياء كثيرة كلها خوف علي دجلة والفرات. كانت تخشي أن تتسع بيداء الموت وتفرق ما بين النهرين. أطوار هي العراق الواحد تخشي عليه كأنه والديها، تريده واحداً ونظيفاً من الموت، تريده لقاءا أبديا كما هو لقاء أبيها السني وأمها الشيعية، كانت ملتقي لحبين، ولنهرين، وتستنزف منا اليوم دمعتين طويلتين. أطوار كانت تكره الرصاص، تراه يتراكم في كل مكان من سامرائها إلي بغدادها، من بصرتها إلي موصلها، ومن كركوكها إلي سليمانيتها. كانت محقة في كراهيتها حتي لو لم تعلم عندها أن ذاك الرصاص قدر قرر أن يكمن لها في جيب جبان غادر. ويتربص كي يفتك بها. أطوار كانت هدفاً سهلاً، تحمل قلماً، وقلباً محباً للعراق، وحديثاً عذباً عنه.لحظة أطلق ذلك الغادر رصاصاته البشعة علي أطوار وزميليها العزل، قلب حمورابي جدارية شريعته غاضباً، وألغي هارون الرشيد حجه السنوي. لحظتها أطلق الحسين صرخة استغاثة كربلائية أخري، وعاد صلاح الدين الكردي من فتح القدس جزعاً. في تلك الساعة السوداء عندما أطلق الغادرون رصاصهم الكالح البوصلة علي بهاء أطوار، قرروا أن يقتلوا الملتقي، ينحروا النهرين، ويفصموا عراق أطوار ووالديها. ألقوا القبض علي التاريخ، وزجوه في بارود رصاصهم الأخرق، وأطلقوه شظايا لا تُرد ولا تُجمع. كيف العراق يا أطوار، أسأل؟ تجيب، العراق سيكون بخير، وتبتسم ابتسامة خائفة. علي شاشة التلفزيون لم تكن أطوار تحكي بلا تيقظ، لم تسمح للكلمات بأي فوضي، كانت ترسم الكلمات لكأنما تتمايل بين حبات المطر. كانت ترأف بالنهرين، وبالواقفين علي الضفتين متضرعين بأن يهمد صوت الرصاص. هي الملتقي فكيف يمكن لقلبها أن يقبل إغضاب نهر منهما فيشيح بوجهه عنها ولو للحظة؟ ظلت هكذا حتي أيامها الأخيرة، تشد النهرين بوثاق الحب، وأمل بغد تصر علي أنه قادم. حتي يوم انتقلت من الجزيرة إلي العربية كانت تسير علي ذلك الوثاق بتؤدة وخشية عليه. تجمع بين شاشتين، وطائفتين، ونهرين، …، والآن دمعتين. في القاهرة لم نر أطوار. كانت منهمكة في عمل دؤوب. كأنما لم تكن صحافية تقوم بواجبها الوظيفي، ثم تعود إلي فندقها تستمتع بوقتها. كانت نحلة في مؤتمر تأملت منه أن يزيح أرتال الرصاص بين ملتقي النهرين. كل هؤلاء العراقيين يريدون عراقاً من دون محتلين. وكلهم قالوا كلاماً كثيراً، وسمعت أطوار كلاماً كثيراً. أخذت منه ما أخذت، ومشت كما العادة بين حبات المطر. أما هي، فقد كانت تريد عراقاً عراقي الوجه واللون والانتشاء. كانت كما الجميع تريد أن تجوس شوارعه من الجنوب إلي الشمال فلا تري فيه سوي راية النهرين، لا يحجبها بزات العسكر الأجانب والموت الذي جلبوه، ولا أقنعة الارهاب والموت الذي جلبوه. كانت كما الجميع تريد لعراقها أن يعود بهي الطلعة ليس فيه مجرمون يستهويهم سفح الدم البريء بإسم الدين أو أي إسم آخر. كل الرصاص تجمع لقتلك أيتها الملتقي. يستفزهم إلتقاء النهرين، إلتفافهما حول بعضهما كما عاشقين، سني وشيعية، وشيعي وسنية، كردي وعربية، عربي وكردية. الرصاص الغادر يعلن: لا حب بعد اليوم في بلاد الرافدين، الغدر دستورنا، والموت ننشره عند كل إنعطافة طريق، وعلي كل ناصية شارع. نزرعه تحت سجادة كل صلاة، وتحت كل قبة مسجد. رصاص الهوس الزرقاوي المجنون يبيد أول ما يبيد الدين نفسه. يستهدف فيه الرأفة والتسامح ولقاء الآخرين. يستهدف فيه ما تم بعثه رحمة بالعالمين. هذا الرصاص القادم من أظلم كهوف الحقد لا يريده عراق أطوار، ولا رافديها. ينقمون عليه، أخرج وليعد لنا عراقنا. عراقك يا أطوار الرافدين حزين بعدك أكثر. حزين علي القبة الذهبية والمرقد الوديع وقد طالتهما يد الارهاب الجنوني. حزين علي عابر صلاة، وساجد في سكينة الجامع. حزين علي يوم السواد الذي هبط بكل الجبن الغادر علي سامرائك، فنشر فيها الموت والدم والعويل. حزين عراقك يا ملوية سامراء إذ يري وثاق النهرين ينفك عروة عروة، ينظر حوله بهلع إذ يخشي أن يبتلع نبت أسود طالع من بيداء الرصاص ما تبقي من نخلات العراق. تهوي النخلات نخلة نخلة، لا شيء مكانها سوي الدمع، وغضب لا ينبت إلا رصاصا مقابلاً. كلما سقطت نخلة يا أطوار، إنداح مدي لانفجار قنبلة. عندما ودعت زملاءها في القاهرة، قالت يجب أن تزورا العراق. العراق جميل رغم كل ما ترون وتشاهدون. زملاؤها هناك تمنوا لها سفراً مأموناً. ما جال ببال أحد منهم أنها تودع القاهرة للمرة الأخيرة، وتودعهم للمرة الأخيرة. ومنذ اسابيع ويوم أنتقلت إلي العربية أرسلت رسالة هاتفية تخبر الجميع بخطوتها وإطلالتها الجديدة، ورقم هاتفها الجديد. يومها أرسلت لها رسالة قصيرة، باركت لها وتمنيت لها حظاً طيباً. قلت في نفسي، سأتصل في وقت لاحق وأقول لها مبروك. لم أتصل! ما أصعب أن تمسح رقم هاتف صديق أو زميل من ذاكرة هاتفك لأنه مات! كلمة أمسح تبدو لئيمة وقاسية. قبل عام وأكثر مات ماهر عبدالله، زميل عزيز، وهو في ريعان شبابه وما جرؤت علي مسح رقم هاتفه حتي الآن. أشعر كأني أميته مرة أخري. اليوم هناك رقم آخر ميت هو الآخر علي هاتفي رغم أني لم أتصل به يوماً. قلت لأطوار في القاهرة أني سأتصل بها من لندن وهي في بغداد لتدلني علي آخر ما صدر في العراق من كتب. لم أتصل! ثم قلت في نفسي أتصل بها متمنياً لها التوفيق في عملها الجديد. مرت أسابيع ولم أتصل، كان الرصاص الغادر أسرع. عذرا أطوار، عذرا سامراء، عذرا ملتقي الرافدين.اعلامي من فلسطين يقيم في لندن0