دموع حري علي كارثة حي (الفضل) العريق ببغداد:

حجم الخط
0

تحدر منه اول طيار عراقي يقود طائرته مباشرة من لندن واليه ينتمي المصارع الذي غلب البطل العالمي الالمانينساء سنة يقدمن النذور لآل البيت وقبور زوجة هارون الرشيد وابنها وتلميذ ابو حنيفة تجاور الائمة

أ. د. سامي الصقارہ نشرت جريدة التايمز اللندنية في عددها الصادر يوم 2007/4/12 رسالة صحافية من بغداد عن الهجوم الذي تعرضت له محلة (اي حي) الفضل في بغداد، وقامت به مجموعة من قوات الاحتلال، وشاركت فيه اربع مروحيات وعدد من الدبابات الي جانب الجنود المدججين بالاسلحة الفتاكة. وقد وصفته جريدة غارديان البريطانية.. وفقا لما نقلته “القدس العربي” ص 3 ليوم 2007/4/14، بأنه اطول معركة خاضها الجيش الامريكي مع رجال المقاومة من السنة، وقد كانت ـ حسب رأيها ـ للقضاء علي المقاومة السنية، قد تنتهي الي بقاء دائم للامريكيين في شوارع بغداد (والجدير بالذكر ان ما تقدم من قول، كان ضمن خبر مفاده ان الخبراء الامريكيين صاروا يؤكدون خسران بلادهم في حرب العراق). وعلي اي حال فقد اسفر الهجوم ـ حسبما ورد في جريدة تايمز ـ عن مأساة دموية تشتمل علي مقتل عدد كبير من المواطنين الابرياء القابعين في بيوتهم، وكانوا عرضة للعدوان، بحجة وجود مقاتلين من السنة في هذا الحي، يقلقون (مزاج) قوات الاحتلال. وقد ادي الهجوم الي اخلاء الطرق واغلاق الاسواق، ولم يبق فيه سوي المعتدين واشلاء القتلي الذين لم يجرؤ احد علي الاقتــــراب منهم حتي ولو كان من اهلها، خشية ان يكونوا هدفا لنيــــران المهاجـــــمين، او ان يعتقلوا بتهمة معاداة الـــــسلطة، ومقاومة قوات الاحتلال، وقد كانت النتيجة تدمير المساكن والمؤسسات المختلفة من مدارس ومساجد ومستوصفات، علاوة علي تدمير الدكاكين ومرافق الاسواق. حقا انها مأساة كبري نزلت بهذا الحي العريق الذي يرجع الي العصر العباسي، وجريمته ـ علي حد قول الجريدة البريطانية ـ انه يقع في بغداد الشرقية (الشيعية)، كما وصفها كاتب هذه الرسالة الصحافية، مما يحز في النفس ويورثها الألم، خاصة لدي من يعرف هذا الحي حق المعرفة، مثلي أنا.

وارث حي الرصافةلا أريد الآن ان اتناول هذه المقولة المؤلمة، وانما اريد اولا التعريف بهذا الحي العريق الذي يمثل نموذجا حقيقيا لاحياء بغداد، وهو وارث حي (الرصافة) الذي انشأه ابو جعفر المنصور في الجانب الشرقي من دجلة، واوكل امره الي ابنه المهدي، وشيد فيه جامع الرصافة اكبر مساجد بغداد العباسية، بعد جامع المنصور في الجانب الغربي. وقد زال جامع المنصور تماما حتي لا يعرف احد موقعه الصحيح. اما جامع الرصافة، فانه قد نال حظه الكامل من التدمير، ولكن بقيت منه بقايا هي (جامع الفضل) الذي لا يزال يحتل موقعه في وسط بغداد الشرقية، ويؤدي دوره ليس بيتا للعبادة فحسب، بل ومدرسة للتعليم، ودارا للندوة لأهل الحي. وقد شيدت حول صحنه غرف كثيرة لايواء طلبة العلوم الدينية، ويحتل ركنا من اركانه ضريح (الفضل) الذي يعتبره الناس احد (الاولياء)، ولم اسمع عنه من احد اكثر من ذلك الوصف، لكن البحث المستفيض هداني الي ان صاحب الضريح هو الامير (الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي) الذي كان من اكابر أعيان بني العباس، ومن علمائهم وكان (صاحب صلاة) بمكة والمدينة وامام جامع الرصافة المشار اليه، بل كان يشغل منصب امير مكة في موسم الحج، وقد حج بالناس، نيابة عن الخليفة بصفته اميرا للحج، عشرين سنة، ثم توفي في بغداد سنة 307هـ/919م ودفن فيها (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج75/12) و(اعلام الزركلي ـ طبعة 4 ـ ج 150/5) وانني اكاد اجزم بأنه دفن في هذا الجامع الذي كان امامه، ويكفي ان الناس ـ رغم مرور مئات السنين ـ لا زالوا يزورون ضريحه ويترحمون عليه. وقد كان هذا الجامع دائما موضع العناية حتي اجريت اليه قناة من ماء دجلة (ويبعد عنه كليومترين)، وتنتهي في بركة تجاوره مسقوفة بقبة قائمة الي عهد قريب، وكانت القناة تمد بالماء وليس المصلين فحسب، بل وأهل الحي ايضا، مثلما كان الوضع بالنسبة لقناة جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني. وهكذا فجامع الفضل يتمتع بمكانة مقدسة لدي الناس، وقد كان حريا بقوات الاحتلال ان ترعي لحيه بعض الحرمة علي الاقل!

مركز للعلم والثقافةوحي الفضل رغم كثرة اسواقه، فان ما غلب عليه هو الاهتمام بالعلوم الدينية والتصوف، ففيه (تكية آل الشيخ قمر) حيث يجد الفقراء والغرباء الملجأ للمبيت وتناول الطعام، علاوة علي الغذاء الروحي. وقد برز فيه واحد من كبار المشايخ هو الشيخ محمد سعيد النقشبندي المتوفي سنة 1830م الذي يعد في زمانه ابرز مشايخ الطريق النقشبندنية في بغداد، علاوة علي تضلعه في علم الحديث. (اعلام الزركلي ـ ج140/6). وقد ورث عنه مركزه حفيده الشيخ بهاء الدين النقشبندي الذي كان من اكابر الفقهاء علاوة علي تمثيله حي (الفضل) في البرلمان العراقي طيلة العهد الملكي. ولكن ابرز الشخصيات الدينية في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين (ليس في هذا الحي وحده، بل وفي بغداد كلها) هو العلامة عبد الوهاب النائب العبيدي المتوفي سنة 1927، الذي قال عنه الزركلي بأنه فاضل من اعيان العراق، غزير العلم بالفقه والادب، وقد شغل منصب الاستاذية في (جامعة آل البيت)، وذكر انه انشأ عدة مدارس من ماله الخاص. وله تصانيف كثيرة، منها الالهام في تعارض علم الكلام)، ومنظومة في المنطق، وديوان خطب منبرية وغيرها (الاعلام ج183/4). وأنا اضيف الي ذلك واقول: إن الذين تتلمذوا عليه في العلوم الدينية واللغة العربية، ممن التقيت بهم (وبعضهم درست علي ايديهم) لا يحصون عددا، ومن ابرزهم الشيخ قاسم القيسي الذي تولي منصب (مفتي العراق) سنين عديدة حتي وفاته في منتصف القرن الماضي. وكثير منهم تولوا القضاء الشرعي ومنهم ابناه حسين وحسن، والاول منهما ترأس المحكمة الشرعية في بغداد لمدة طويلة. كما ان له ابنا ثالثا هو علاء الدين النائب، الذي شغل منصبا عاليا في القضاء المدني. ومن البارزين من العلماء في هذا الحي الشيخ عبد المحسن الطائي، وابنه الشيخ كمال الدين مؤسس (جمعية الهداية الاسلامية) ورئيس تحرير مجلتها.

وفي هذا الجو الروحي، برز عدد من القراء لتلاوة القرآن الكريم، ابرزهم الشيخ مهدي بن فزع العزاوي، الذي كان اول من تلا القرآن في اذاعة بغداد عند افتتاحها سنة 1934، وهو عادة يترأس مجالس تلاوة قصة المولد النبوي، ليس في جامع الفضل فحسب، بل وفي البيوت ايضا، عند اقامة تلك المجالس بمناسبات الافراح والاتراح، ويشاركه في ذلك مساعده (ابن شعبان) احد ابناء الحي. ثم هناك اسرة (آل القدسي) التي تخصص ابناؤها في احياء حلقات الذكر، ومن ابناء حي الفضل، الشيخ عبد القادر القيسي، خطيب جامع الامام ابي حنيفة، واستاذ علم القرآن في الكلية الملحقة بالجامع، وهو ايضا من عائلة دينية، اذ كان ابوه الشيخ عبد الرزاق من كبار العلماء (ومن عائلته الوزير جميل عبد الوهاب). مدرسة الفضلولم يقتصر اهتمام اهل (الفضل) علي الشؤون الدينية، بل كان بعض ابنائه من المبرزين في الثقافة الدنيوية، وقد شهد الحي اول مدرسة ابتدائية اسست في العهد العثماني باسم (مدرسة الفضل) واستمرت تخدم ابناء المنطقة حتي يومنا هذا. ومن أبرز مثقفي هذا الحي الاستاذ فهمي بن عبد الرحمن المدرس الخزرجي المتوفي سنة 1944. يقول عنه الزركلي: انه كاتب عراقي شارك في النهضتين الفكرية والسياسية منذ العهد العثماني، فدرس في جامعة استانبول، وتولي رئاسة تحرير عدة صحف، وكان من مؤسسي (حزب العهد العربي) في استانبول للمطالبة بحقوق العرب، ثم ترأس الديوان الملكي العراقي في عهد فيصل الاول، وكان من معارضي الانكليز الذين نفوه ايام الانتداب. صنف عددا من الكتب في السياسة وفي التشريع الاسلامي (الاعلام ج158/5). ومن ابناء الفضل المثقفين عبد الكريم العلاف المتوفي سنة 1969، والشاعر والاديب. وصفه الزركلي بأنه (عالم بغداد) صنف عددا من الكتب اكثرها في تاريخ الادب، مثل (ايام بغداد) و(الطرب عند العرب) و(القيان) وغيرها (الاعلام ج 4/53). وبرز كثيرون من ابناء الحي في العهد العثماني، اغلبهم من قبيلة (العزة) التي يشكل ابناؤها نسبة عالية من اهل (الفضل) الي جانب قبيلة (العبيد)، نال عدد مهم رتبة الباشوية، اذ كانت القبيلتان من اهم القبائل التي قاتلت الي جانب القوات العثمانية، لطرد الصفويين من العراق، ومن هؤلاء الباشوات، صبري باشا واحمد جودت باشا وزكي باشا، ممن ذكرهم عباس العزاوي في كتابه (موسوعة العشائر العراقية)، واستمرت عشيرة (العزة) تمد الجيش بعدد من ابنائها، مثل اللواء ابراهيم الحاج خلف، واللواء يوسف العزاوي، والعقيد كامل شبيب احد قادة الحركة العسكرية ضد الوجود البريطاني في العراق سنة 1941، والعقيد عبد العزيز الرشيد الذي استشهد علي اسوار القاعدة البريطانية في الحبانية سنة 1941، ومن اهل الفضل، اللواء طاهر محمد القيسي الذي قاد اول مجموعة عسكرية عراقية دخلت فلسطين سنة 1948، ورابطت في مثلث (نابلس ـ جنين ـ طولكرم) وطهرته من الوجود الصهيوني. ومن العسكريين ايضا اللواء عبد المطلب الامين احد كبار الاكاديميين العسكريين الذي كان اول سفير عراقي في اندونيسيا. وقبله هناك العقيد الطيار محمد علي جواد قائد سلاح الجو العراقي، وكان واحدا من سبعة طيارين تدربوا في بريطانيا، واصروا علي قيادة طائراتهم سنة 1931 من لندن الي بغداد، ورفضوا شحنها بحرا (كما كان مقررا)، فكان ذلك حدثا تاريخيا ليس للعراقيين وحدهم، بل وللعرب عامة، بتأسيس اول قوة جوية عربية.

وبرز من اهل الفضل عدد من كبار المحامين، مثل الاستاذ عباس العزاوي، احد اعضاء المجمع العلمي العراقي والمجمع العلمي العربي بدمشق، ومصنف موسوعتين هما (تاريخ العراق بين احتلالين) اي الاحتلال المغولي والاحتلال البريطاني في 7 مجلدات، و(موسوعة العشائر العراقية) سالفة الذكر في (5) مجلدات، وله اخ ضرير لا يقل عنه في ميدان المحاماة. وهناك ايضا المحامي البارز (شاكر الغصيبة العزاوي) ثم المحامي عبد الرزاق شبيب الذي تولي رئاسة نقابة المحامين العراقية، ثم هناك آل الخطيب الذين برز منهم عدد غير قليل من الادباء والشعراء، وعلي رأسهم الشيخ عطا الخطيب الذي كان نائبا في البرلمان. كذلك برز من ابناء هذا الحي عدد ممن تولي الوزارة في اعلي مراتبها، يأتي في مقدمتهم ياسين الهاشمي واخوه طه (وقد كان ابوهما السيد سلمان مختار حي الفضل)، اللذان بلغا اعلي الرتب المتاحة في العهد العثماني للعسكريين، وكانا من مؤسسي الجيش العراقي. وفي الميدان السياسي تولي كل منهما منصب رئيس الوزراء، ومثلهما رفيقهما السياسي العراقي البارع (نوري السعيد) الذي تولي رئاسة الوزراء اكثر من عشر مرات. وعلاوة علي ذلك كان بين ابناء الفضل من الوزراء، خليل كنة وجميل عبد الوهاب سالف الذكر.

قصة رئيس المصارعينواكمالا لهذه النبذة، يهمني ان اشير الي احد اعلام (الفضل)، وهو الحاج محمد بن ابريسم الذي كان صوفيا، ولكن شهرته تعتمد علي كونه رئيس (المصارعين) في العراق، وقد كان له في هذا الحي ناد تقليدي لهذه الرياضة يسمي (زرخانة)، اي (نادي القوة). وعلي يديه تخرج العشرات من كبار المصارعين، مثل عباس الديك الذي تغلب علي اقوي مصارع عالمي الماني الجنسية هو (هريكريمر)، في اوائل الثلاثينات من القرن الماضي.

هذا هو الحي الذي دمرته قوات العدوان، اذ تصدت لتدمير معلم تاريخي عريق، ولكن لا غرابة في ذلك لانها من امة لا تاريخ لها، انما نشأت من جمع شذاذ الافاق الذين لفظتهم بلادهم، فاغتصبوا بلاد غيرهم وطاردوا اهلها، ومن هنا جاء تعاطفهم مع الصهاينة لانهم يغترفون من معين واحد، و(المجرمون ملة واحدة)!! واعود الان الي ما قالته جريدة (تايمز) من ان حي (الفضل) يقع في بغداد الشرقية (الشيعية)، وقد آلمني هذا الوصف لاحياء بغداد، ليس فقط بسبب تعارضه مع الواقع، بل لانه انطوي علي تسميات لم نعرفها في العراق قط بأي شكل من الاشكال، ولم نألف وصف منطقة ما، او مدينة ما، بانها شيعية او سنية. اقول هذا وانا البغدادي العراقي (وقد جاوزت الثمانين منذ عدة سنوات) واتحدي من يقول بغير ذلك.

فالعراقيون نشأوا علي عروبتهم، مع الاعتراف بمن يشاركهم في الوطن من الاكراد والتركمان وغيرهم، ويعترفون بمواطنيهم من اهل الاديان الاخري كاليهودية والنصرانية والصابئية واليزيدية. في الحقيقة ان الحكومة العراقية (بل وقبلها العثمانية) لم تقم باحصاء السكان حسب مذاهبهم، وهنا ايضا اتحدي من يزعم بخلاف ذلك، وان هويات النفوس (اي الاحوال المدنية) كانت خالية من ذلك، وانما يذكر فيها دين حاملها فقط، بسبب ان الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية (من زواج وطلاق وميراث وما اشبه) فانها تحسم وفقا للشرائع الدينية، ولكل فئة محاكمها الشرعية. ولذلك فلا يوجد سجل يتحدث عن شيعة او سنة او كاثوليك او ارثوذكس، وما الي ذلك، بل ولم يكن فيها ذكر للانتماء القومي، كالقول بأن حاملها عربي او كردي. واظن ان حكومة البعث سمحت بوجود هذا الوصف (عندما منحت عام 1970 الحكم الذاتي للاكراد لاجل تحديد المناطق التي تعد كردية، وبالتالي تدخل ضمن تلك المناطق، ويصبح للكردي حق الاشتراك في انتخاب ممثليه في المجلس المحلي الكردي). ولذلك فان وصف منطقة ما، او مدينة ما، بأنها شيعية او سنية، هو وصف لا يقوم علي اساس، وانما هو من دسائس الاعداء الذين يحتلون البلاد ويهدفون الي تمزيقها، ليس لمصلحتهم فقط، بل ولحماية اسرائيل من قوة عربية ذات شأن.

محلة الست هديةوهنا اود ان استشهد بنموذج لاوضاع السكان في محلة (حي) عرفتها منذ ولادتي، وهي تجاوز حي (الفضل) واسمها (محلة الست هدية ـ ومنها الزعيم عبد الكريم قاسم) نسبة لزوجة احد الخلفاء، وهي في وسط بغداد الشرقية، ويسميها اهلها (محلة الصقارة) لان اهلي كانوا اكبر كتلة فيها، وكان مختارها عمي (والمختار شخص ينتخبه اهالي الحي ليمثلهم امام السلطات الحكومية، ويحفظ سجلات لمواليدهم، وبأسماء من يتوفي منهم. ويبدو ان هذا المنصب يرجع الي العهد العثماني، اذ لا يزال معمولا به باسمه العربي في تركيا الحديثة. ان محلتي هذه كان اكثر اهلها من السنة وفيها عدد غير قليل من الشيعة، وكان فيها عدد من التركمان القادمين من كركوك، وكنا نسميهم (اكرادا)، فيغضبون، ويقولون: ان اهل كركوك وما حولها، ليسوا اكرادا، والاكراد هم في السليمانية واربيل وما حولهما. والمهم ان اهل محلتي جميعا كانوا يعيشون كأسرة واحدة، يشاركون في الافراح والاتراح. وكان في المحلة الي جانب هؤلاء نسبة عالية من اليهود تكاد تفوق عدد السنة حتي اضطر عمي الي اتخاذ معاون يهودي يتولي شؤون اهل دينه، وكان طيبا جدا وثقة الي درجة ان عمي ترك لديه (ختم المختارية). وسبب اختيار اليهود لهذه المحلة، كونها قريبة جدا من سوقهم المسمي (عقد اليهود) وفيه تباع اغذيتهم ولا سيما اللحم (الكوشير) علاوة علي قربها لعدد من معابدهم، وتقع علي مرمي حجر من دواوين الحكومة، مع وجود مخفر للشرطة غير بعيد عنها، فضلا عن وجود عدد من المدارس الرسمية والاهلية (وبعضها يهودية) قرب تلك المحلة. اقول: هكذا كانت التركيبة السكانية لمختلف احياء بغداد. وفي ضوء هذه الحقيقة الا يحق لنا ان نتساءل: هل يمكن وصف هذه المحلة او تلك بانها سنية او شيعية؟ خاصة اذا علمنا بأن التزاوج بين ابناء الطائفتين اكثر بكثير مما يتصوره الانسان. وهنا ايضا اعود لكي آخذ النماذج مما اعرفه حق المعرفة. ان لي خالين تزوج كلاهما بزوجة شيعية، وان من بناتهما ثلاثا تزوجن من شيعة. وانا شخصيا لدي احد ابناء شقيقة لي تزوج بشيعية، واثنتان من بناته تزوجتا برجلين من الشيعة، وابنة شقيقتي الاخري تزوجت بشيعي ايضا. في الحقيقة لو اردت ان استعرض ابناء عشيرتي وبناتها، لوجدت الكثير الكثير من هذه النماذج، وجميع تلك الزيجات ناجحة وسعيدة والحمد لله.

وهكذا لم يكن بين المحلات (الاحياء) البغدادية وغير البغدادية ايضا، احياء تسمي شيعية او سنية، فقد كانت تسمي تبعا لبعض الاعتبارات الاخري، كأن يكون اغلب سكانها من قبيلة واحدة، ففي بغداد مثلا احياء لقبائل (العزة والمهدية وبني سعيد والبوشبل وعقيل والفراغول)، وكلها قبائل معروفة، ومحلة (الفضل) بالذات اغلب سكانها من العزة والعبيد كما اسلفنا، او يكون الاسم نسبة الي شخصية اسلامية بارزة، مثل (الاعظمية) التي فيها قبر الامام ابي حنيفة ومسجده، و(باب الشيخ) التي فيها مرقد الشيخ بعد القادر الكيلاني وجامعه (وهو من آل النبي، حسني الاب وحسيني الام)، او يكون الاسم نسبة لمجموعة من المهاجرين القادمين من مدن اخري، مثل محلات التكارتة والسوامرة القادمين من تكريت وسامراء، او نسبة لوجود اسواق معينة، مثل محلتي (سوق الغزل) و(سوق حمادة)، او نسبة لمبان بارزة (رسمية وغير رسمية)، مثل محلة (السراي) التي تضم مقر الوزارات، او محلة (السور) لانها ملاصقة لسور بغداد، ومحلة (حمام المالح) لوجود حمام كبير فيها، وهكذا ليس بين المحلات (وجميع التي ذكرتها هي من محلات بغداد) اسم ذو صبغة طائفية اسلامية. واؤكد مرة اخري بأنني علي قدم سني لم اعرف شيئا قط مما تقوله وسائل الاعلام الاستعمارية التي لم يكفها غزو البلاد، وتدمير مؤسساتها المادية والمعنوية، وتحقيق حلم (بوش) الاب باعادة العراق الي ما قبل العصور الحجرية، فانها عمدت الي تحطيم نسيجه الوطني، وزرع نعرات لم يعرفها العراقيون قط، وذلك امعانا في تدمير بلادنا ماديا ومعنويا. تعزيز الوحدة الوطنيةفي الحقيقة ان الحكم الوطني في العراق الحديث منذ تأسيسه سنة 1920، حرص علي تعزيز الوحدة الوطنية، ليس بين العرب فحسب، بل وبين القوميات العراقية الاخري، كالكردية والتركمانية. وحرص المؤسسون علي اشعار جميع من تضمه البلاد (من تلك القوميات او من اصحاب الديانات الاخري)، علي ان البلاد هي لهم جميعا عملا بمبدأ (الدين لله والوطن للجميع)، فيسرو لهم سبل التعليم ومنحوهم فرصا متساوية للعمل في دواوين الحكومة. ويهمني ان اركز علي الشيعة في هذا المجال، لانهم عند اعلان الحكم الوطني لم يتوفر بينهم من هو مؤهل للعمل في الجهاز الحكومي، لسبب معروف لانهم لم يسمحوا لابنائهم بدخول المدارس العثمانية، وقد اتجه اهتمامهم الي التعليم الديني والي ممارسة الاعمال التجارية، كما هو معروف. وقد لاحظ ذلك احد العراقيين من السنة (هو علي البازركان) الذي كان صديقا حميما لرئيس تجار بغداد (الحاج داوود ابو التمن) الذي كان كغيره من التجار يعتمد علي كتبة من اليهود (ممن ثبتت خيانة احدهم للامانة في حادث ليس هذا موضع سرده)، فاقنع (البازركان) الحاج داوود بضرورة تأسيس مدرسة حديثة لابناء الشيعة سنة 1908، وتكفل له بالحصول علي ترخيص رسمي لها مع مشاركة في التدريس فيها، وهكذا تأسست (المدرسة الجعفرية العثمانية) التي ثقفت الكثيرين من ابناء الشيعة الذين عملوا في دواوين الدولة. وحسب علمي انها قد توسعت واظنها باقية الي الان تؤدي رسالتها. والسيد علي البازركان، لمن لا يعرفه اقول انه من رجال الثورة العراقية سنة 1919 الي جانب الحاج داوود الذي دعم الاضرابات خلال تلك الفترة بما يقدمه من مال للمضربين، فسماه البازركان علي ما اتذكر باسم (مجهز جيش العسرة)! وعلي اي حال فان الحكومة العراقية عند تأسيسها لم تجد بين الشيعة من له خبرة بالعمل الحكومي (او من يريد المشاركة فيه) الا افرادا قلائل، ولذلك كانت مشاركتهم في الوزارات محدودة آنذاك، الا انها توسعت بمرور الايام، خاصة وان وزارة المعارف (اي التعليم) اسندت في الغالب الي شخصيات شيعية لتعليم الشيعة بان ارسال ابنائهم الي مدارسها ليس فيه محذور ديني. والي جانب ذلك حرصت علي الاكثار من ايفاد ابناء الشيعة للدراسة في خارج العراق، حتي بلغ حملة درجة الدكتوراه منهم (في العهد الملكي) اكثر بكثير من اعداد الفئات الاخري من المواطنين.

كما ان رئاسة الوزراء التي تولاها رؤساء من السنة حتي عام 1947، اصبحت مفتوحة للشيعة، اذ توفر بين ساستهم من هو قادر علي ممارسة اعبائها، فتداولها عدد منهم، حتي ان آخر رئيس وزراء العراق في العهد الملكي كان شيعيا هو عبد الوهاب مرجان.

اما بالنسبة للولاء الي البيت النبوي الطاهر، فان هذا الولاء يشترك فيه جميع المسلمين قاطبة، وان ولاء السنة لهم ومحبتهم لا يمكن ان ينكرها احد، فحبهم هو جزء من الايمان وان الصلاة (اي صلاة كانت) لدي السنة لا تصح الا اذا ختمت بعبادة نصها (اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد، كما صليت علي ابراهيم وعلي آل ابراهيم، وبارك علي محمد وعلي آل محمد، كما باركت علي ابراهيم وعلي آل ابراهيم، في العالمين انك حميد مجيد). وقد عبر عن هذا المعني اكبر أئمة المذاهب الاسلامية من السنة، الامام الشافعي بقوله:

يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن انزلهالي ان يقول: من لا يصلي عليكم لا صلاة له. وهو القائل ايضا:

ان كان رفضا حب ال محمد فليشهد الثقلان بأنني رافضيوالذي اعرفه، ويعرفه كل عراقي هو ان النذور التي يقدمها الناس، اذا تحقق مبتغاهم، من ذلك مثلا، اذا رزق الله الاسرة ولدا بعد عقم طويل، او نجح ابنهم في دراسته، او شفي مريض من مرضه، او عاد غائب من ابنائهم من غيبة طويلة، فانهم يقدمون نذرا من مال يوزع علي الفقراء، او بذبيحة، فانهم يقدمون تلك النذور الي واحد من آل البيت النبوي حصرا، لا يشاركهم في هذه المزية احد، ولم يفعل احد من السنة غير ذلك اذ لم يقدموا نذرا الي احد من كبار الصحابة، من امثال ابي بكر وعمر وعثمان ولا لغيرهم من الصحابة علي الاطلاق، اللهم الا بالنسبة لسلمان الفارسي، بسبب ورود حديث نبوي يقول: (سلمان منا اهل البيت)، فصاروا يزورون ضريحه جنوبي بغداد، وينفقون بعض المال علي خدمه، وذلك عندما يتم فض الشعر لابنهم لاول مرة في طفولته ويتم ذلك في رحاب مجده، باعتبار ان سلمان كان حلاقا للنبي (صلي الله عليه وسلم). ويجري ذلك في وقت الربيع، حيث تقام المخيمات حول المسجد، ويتغني الناس بقول شعبي (من لا يزور السلمان عمرُ خسارة). ومما يحضره بهذا الشأن ما سمعته من اهلنا ان جماعة من نساء محلتنا ارسل ابناؤهم في العهد العثماني الي اسطنبول للدراسة في الكلية العسكرية التي تستغرق عدة سنوات، نذرت للامام موسي الكاظم (رضي الله عنه) ان يقمن بزيارة ضريحه محمد كل يوم جمعة حتي يعود الغائبون، فكن يذهبن سيرا علي الاقدام مسافة (7 كيلومترات) بعد منتصف الليل ليصلن في الوقت المناسب وكن يحملن بعض النقود لتوزيعها علي خدم ضريح الامام. ويبدو ان احد اللصوص علم بذلك فتصدي لهن في الطريق الذي يمر بين البساتين وحاول سلبهن، فقمن ببعض المقاومة مما ادي الي مقتل احداهن. اقول: كان بوسع هؤلاء النسوة تقديم النذر الي احد المشايخ الصالحين من السنة، كالشيخ عبد القادر الكيلاني (وهو علوي النسب)، ولكنهن اصررن علي تقديم النذر لخدم ضريح الامام موسي الكاظم بالذات، والتشرف بزيارة ضريحه (رضي الله عنه). وما لنا هنا لا نتذكر حرص الخلفاء العباسيين علي دفن امواتهم قرب ذلك الضريح، ومن ابرز من دُفن منهم هناك السيدة زبيدة زوجة الرشيد وابنها الخليفة الامين. كما ان واحدا من اكابر علماء الحنفية، وقاضي قضاة الدولة العباسية، ابو يوسف قد دُفن قرب الضريح الشريف، ولا يزال مسجده (وفيه قبره) ملاصقا لصحن المشهد الكاظمي، بل لماذا نذهب بعيدا وقد مر بنا ما نظمه الامام الشافعي في حب آل البيت، وازيد عليه قول شاعر سني (نسيت اسمه)، اذ قال: من لم يكن ببني الزهراء مقتديا فلا نصيب له في دين جدهمان هدفي من هذه المداخلة هو ازالة ما قد يعلق في الاذهاب بسبب سموم التفرقة التي بينها اعلام العدو للقضاء علي وحدة شعب هو اعرق شعوب الارض واشرفها منبتا، ولكنه سيمني بالفشل باذن الله تعالي القائل فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض (الرعد ـ الآية 17). صدق الله العظيم.* دبلوماسي وسفير عراقي سابق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية