دم فلسطيني لتحريك ماكنة الدعاية الحزبية خلط الأمن بالانتخابات سبب مركزي للتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة – «القدس العربي»:  منذ توالي العمليات الفسطينية داخل المدن الإسرائيلية عشية شهر رمضان الفائت ردا على جرائم الاحتلال والمستوطنين، أطلق جيشه حملة «كاسر الأمواج» ومن وقتها قتل نحو 100 فلسطيني داخل الضفة الغربية واصيب المئات وتم اعتقال المئات الأخرى بمداهمات ليلية. وبالتزامن مع عمليات الدهم والاعتقال التي تحتوي أيضا على محاولات احتلال وعي الفلسطينيين وقتل روحهم المعنوية والمساس بكرامتهم تتواصل عمليات اقتحام المستوطنين في الحرم القدسي الشريف ضمن مخططات تهويد المدينة وتقاسم الأقصى من ناحية المكان والزمان. رسميا تدعي إسرائيل لتبرير هذا التصعيد بالقول إنها مضطرة للانتقال من الدفاع للهجوم وإنها تريد ملء الفراغ الناجم عن تراجع دور السلطة الوطنية الفلسطينية وأجهزتها الأمنية وعن تصاعد أعمال المقاومة من قبل حركة الجهاد الإسلامي وحماس وفتح ومن قبل أفراد لا ينتمون للفصائل الفلسطينية. لكن هذه الحسابات المعلنة تختلط بحسابات إسرائيلية سياسية داخلية منها مزاودات المعارضة برئاسة نتنياهو على «حكومة التغيير» والآن تختلط باعتبارات انتخابية منذ حل البرلمان الإسرائيلي نفسه والذهاب لانتخابات خامسة في غضون أقل من أربع سنوات. وتأتي عمليات التصعيد التي تتجلى بجرائم قتل تطال مسنين ونساء وأطفال ومدنيين فلسطينيين من باب الخطوات الاحترازية من قبل حكومة الاحتلال الحالية للبقاء في السلطة التي تخشى فقدانها بسبب عملية فلسطينية ضد هدف إسرائيلي في ظل حملات تحريض شرسة يقودها نتنياهو على «حكومة التغيير» برئاسة يائير لابيد.

المعارضة تربح

وتدلل تجارب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية على أن التوترات الأمنية والتهديدات الخارجية أو الداخلية المرتبطة بفلسطينيي الداخل طالما صبّت الماء على طاحونة أحزاب المعارضة وعلى حساب الائتلاف الحاكم. في انتخابات الكنيست عام 1996 خسر شيمون بيريز أمام بنيامين نتنياهو لعدة أسباب منها التوتر مع لبنان بعد شن إسرائيل حربا على جنوب لبنان تورطت خلالها بمذبحة قانا وهذا ما يحاول نتنياهو استنساخه من خلال استدراج حزب الله للتصعيد بتأكيده أن لن يحترم أي اتفاق توقعه إسرائيل مع لبنان حول حقل الغاز في البحر المتوسط. ولذا وجهّت أوساط أمنية إسرائيلية كثيرة انتقادات لنتنياهو خلطه الأوراق وخلطه الحابل الأمني الاستراتيجي بالسياسي الداخلي مثلما حذرت أوساط أخرى من إفراط الاحتلال في عمليات الاعتقال والقتل بحق الفلسطينيين وقالوا إن من شأن ذلك التسبب بانفجار أكبر وبانهيار السلطة الفلسطينية وإلحاق ضرر متعدد الأبعاد بإسرائيل. في الأثناء يواصل المستوطنون استغلال هذه الحالة واستثمار أجواء الانتخابات وحاجة الأحزاب الصهيوينة لهم للمزيد من التهويد واستخدام سياسة فرض الحقائق على الأرض في الضفة الغربية وفي القدس المحتلتين مستفيدين من نزوح الإسرائيليين تباعا نحو اليمين المتطرف نتيجة عدة عوامل منذ سنوات.

تحذيرات من التصعيد
في الضفة الغربية

أشار تقرير أعده موقع «واينت» إلى الإشكاليات الكامنة في مواصلة عمليات الجيش الإسرائيلي على نحو جريء وناجح، في قلب الضفة الغربية وفي وضح النهار، «لمكافحة النشاط المسلح في صفوف الفلسطينيين، الذين يشكلون تهديدًا مباشرًا على أمن إسرائيل والمواطنين الإسرائيليين».
ويأتي التقرير في أعقاب «عملية استثنائية» في جنين والتي تم خلالها القضاء على شقيق منفذ عملية ديزنغوف الدموية، عبد حازم (27 عامًا). يشار إلى أن الجيش الإسرائيلي طلب مرارا من والد رعد حازم منفذ عملية ديزنغوف تسليم نفسه للسلطات فيما واصل التهرب والدعوة للمزيد من المقاومة علما أنه عمل سابقا في الأمن الوقائي الفلسطيني. وحسب التقرير فإن المستويات الأمنية في إسرائيل تشعر بالقلق حيال اتساع رقعة التصعيد الهادف إلى تطويق النشاط الفلسطيني المسلح، الذي قد يترتب على نتائجه في الجانب الفلسطيني انخراط الشباب غير الضالعين سابقا في أي نشاط مسلح في أعمال انتقامية لا سيما أمام الجثث المكدسة لشباب فلسطينيين. يذكر أن عملية إطلاق الرصاص قرب الخليل، قد تبنتها كتائب المجاهدين وضمنت الرسالة توضيحًا بأن العملية تأتي «ردًا على جرائم العدو وحق أهلنا في جنين». ويضيف التقرير أن جنين التي حاول الجيش الإسرائيلي عزلها عن باقي الضفة الغربة باتت الآن نموذج اقتداء وتقليد في أعين الكثير من الفتية وسط أجواء متوترة يغذيها الصراع حول المسجد الأقصى.
وتجدر الإشارة كذلك إلى تقرير سابق حذر من خلاله مسؤولون أمنيون من محاولات مسلحين فلسطينيين في الضفة الغربية استدراج مقاتلين إسرائيليين لكمائن يتربص فيها المزيد من المسلحين الفلسطينيين وطلب من الجنود في الميدان توخي الحيطة والحذر من سيناريوهات مشابهة.

دور السلطة الفلسطينية

وتراهن إسرائيل في الوقت الحالي على دور السلطة الفلسطينية في احتواء التصعيد وفرض النظام في جنين على غرار المحاولة التي قامت بها في نابلس. ويقول معد التقرير الإسرائيلي أنه تجدر الإشارة إلى أن الانتفاضة الثانية اندلعت قبل 22 عامًا في التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2000 بعد يوم واحد على زيارة استفزازية لرئيس الوزراء آنذاك أريئيل شارون لباحة الحرم القدسي ما أثار مشاعر الفلسطينيين وزج بعد ذلك المنطقة في أتون حرب حصدت أرواح 1500 إسرائيلي ونحو 6000 قتيل فلسطيني. وفي هذا المضمار قال رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس في تصريحات لراديو «الناس» التي تبث من الناصرة إنه يشارك بطريقة معينة في مداولات سرية تجري بين حكومة الاحتلال وبين السلطة الفلسطينية لتحقيق حالة هدوء رافضا الكشف عن تفاصيل.
وقالت تسريبات إسرائيلية أيضا أن هناك نية لمكتب رئيس الحكومة الإسرائيلي إلى عقد لقاء يجمع يائير لابيد، بملك الأردن عبد الله الثاني مجددا من أجل تجنيد نفوذه لوقف التدهور الأمني في الأراضي الفلسطينية.

نهاية نهج إدارة الصراع

لكن مراقبين وباحثين إسرائيليين يحذرون من سياسات اقتناء الهدوء والوقت، وإدارة الصراع أو خفضه عوضا عن تسويته بشكل جذري. من هؤلاء أستاذ دراسات الشرق الأوسط المختص بالشؤون الفلسطينية دكتور كوبي ميخائيل من جامعة تل أبيب. في محاضرة له في معهد «موشيه ديان» لدراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب قال ميخائيل إن العملية التي حدثت في 4 أيلول/سبتمبر في الشارع رقم 90 مفاجِئة، لم تكن مفاجئة لا من حيث كونها عملية إطلاق نار – حتى ولو كانت استثنائية من حيث التخطيط والنية بإشعال الباص والركاب، ولا من حيث التوقيت أو المنفّذين. كذلك الأمر بالنسبة إلى الردود المشجعة لـ«حماس» والجهاد الإسلامي، وكتائب شهداء الأقصى، وأيضاً عدم الرد من السلطة الفلسطينية لم يكن مفاجئاً. برأيه هذه العملية كانت شجرة أُخرى تحترق في غابة «الإرهاب» التي تتوسع، وفصلاً جديداً في رواية المقاومة الفلسطينية التي تتشكل بروح الجهاد الإسلامي، وبالتعاون مع «حماس» وكتائب شهداء الأقصى التابعة لـ«فتح». وهذا كله، بدعم من إيران وحزب الله. وفي هذا الوقت، من المهم دراسة الغابة بشكل كامل، وعدم التركيز على واحدة من الأشجار. ويضيف «عملياً، إن العملية ضد الباص في الشارع رقم 90 هي جزء من اتجاه واضح بدأ منذ آذار/مارس 2022. إذ كانت الانطلاقة من عمليات داخل حدود إسرائيل. منطقة جنين كانت بؤرة تصدير للعمليات، بعد فترة طويلة نجح خلالها الجهاد الإسلامي، وبتمويل من إيران وحزب الله، وبمساعدة نشطائهما في تهريب السلاح إلى الضفة الغربية، في التحول إلى التنظيم الأقوى والأكبر في المنطقة». زاعما أن التنظيم الذي يتم تشغيله على أنه «ذراع إيرانية» متحرر من كافة الالتزامات تجاه المجتمع المحلي. هدف وجوده هو الالتزام بفكرة المقاومة المسلحة، وهو أداة مهمة لإيران، بهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة، وفي الصراع ضد إسرائيل. أسس التنظيم شبكات تعاوُن مع «حماس» ومع الحركات المسلحة التابعة لـ«فتح» ويقود جهوداً مستمرة في تجنيد الأموال. و«حاضنة الإرهاب» التي تم تفعيلها من جنين بقيادة الجهاد الإسلامي، تحركت إلى منطقة نابلس بسبب الصعوبات التي تشكلها أجهزة الأمن الإسرائيلية التي عملت بكثافة في المنطقة، لكنها لم تقضِ عليها كلياً. والدليل أن منفّذي العملية جاؤوا من هناك. ويقول إن هذا بالإضافة إلى أن نشاط قوات الأمن الإسرائيلية في منطقة جنين أدى إلى ارتفاع ملحوظ في درجة الاحتكاك بالمجتمع المحلي، وفي حدة العنف خلال لقاء مجموعات مسلحة فلسطينية. النشاط الإسرائيلي، الذي يركز على عمليات محددة في إطار عمليات الاجتياح، يتم الرد عليها من النشطاء المسلحين في محاولة لتشويشها من خلال المواجهة والاشتباك. منبها أن الحديث يدور حول مئات معدودة من النشطاء الذين يركزون جهودهم في مقابل قوات الجيش الإسرائيلي ويوثقون ما يحدث وينشرونه على شبكات التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من عدد المعتقلين الكبير، وارتفاع عدد الفلسطينيين الذين «قُتلوا» خلال هذه العمليات، فإن رواية المقاومة الفلسطينية تتعزز وتنتشر في الضفة الغربية، في الوقت الذي تتوسع حملات الاعتقالات وإحباط «الإرهاب» في هذه المناطق ذاتها.
لافتا أنه إلى جانب الجهود المستمرة للجهاد الإسلامي، تواصل «حماس» جهودها لتعظيم قوتها العسكرية في المنطقة من خلال صالح العاروري. من جانبها، تستمر كتائب شهداء الأقصى التابعة لـ«فتح» بتمييز ذاتها من السلطة الفلسطينية وانضمامها إلى المواجهة المسلحة ضد قوات الجيش في الميدان، وبجهودها في تنفيذ عمليات. وفي إطار التعاون بين التنظيمات في منطقة جنين، تم تعميق التعاون بين الفصائل.

الأزمة الاقتصادية؟

كما يرى الباحث الإسرائيلي وهو ضابط كبير في جيش الاحتياط سبق وعمل في شعبة الاستخبارات العسكرية إن الأزمة الاقتصادية بحد ذاتها ليست سبباً يفسّر الظاهرة، إنما يدور الحديث حول وعي يتسع بالصراع، تتم تغذيته بواسطة ارتفاع حدة الاشتباك العنيف مع الجيش، من الشعور بالنجاح، وبصورة خاصة من الفراغ السياسي بسبب غياب السلطة الفلسطينية. ويعتبر أن صورة السلطة ومكانتها تضررتا بشكل صعب في عيون المجتمع الفلسطيني، في إثر فشلها في الدفع قدماً بالرؤية القومية وطرح أفق سياسي. ويرى أيضا أنه بالأساس، يبدو هذا الفراغ واضحاً في تفضيل أجهزة أمن السلطة الامتناع من أعمال جدية ضد «الميليشيات» المسلحة. هذا باستثناء حالات خاصة من العمل ضد تنظيم «حماس» الذي يهدد، حسب فهم قيادة السلطة، استقرارها ووجودها. هذه هي خلفية مشاركة نشطاء من الأجهزة الأمنية أو أولادهم في العمليات. ويقول كوبي ميخائيل إن حجم الظاهرة، حتى ولو كان لا يزال صغيراً، مقلق جداً، ويشير إلى صعوبة في تعامُل الأجهزة ضد هذه التنظيمات.

بنى المقاومة

مرجحا أنه في الظروف الحالية، لن يحدث أي تغيير في وضع السلطة الفلسطينية الصعب وأن استمرار الجهود الأمنية الإسرائيلية لإحباط بنى «الإرهاب» سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع إضافي في الاشتباك وعدد المصابين الفلسطينيين. ويحذر من أن إسرائيل تقترب بخطوات كبيرة جداً من المعضلة الاستراتيجية: 1) الاختيار بين توجيه جهودها من جديد إلى مبادرة سياسية، تحضيراً للانفصال- حتى ولو كانت محدودة لعدم وجود أفق لاتفاق ثابت في المستقبل المنظور، لكنها تشير إلى اعتراف إسرائيلي بالسلطة الفلسطينية كشريكة في مسار اتفاق يساعد على تحسين حكمها والاقتصاد في مناطقها، ويشجع على تقويتها كبديل ممن يقود المقاومة المسلحة؛ 2) أو خطوة عسكرية واسعة، على نمط حملة «السور الواقي» لإعدام بنية «الإرهاب» التي تتطور في شمال الضفة وتمتد إلى مركزها وجنوبها. في جميع الأحوال، على إسرائيل بذل جهود مستمرة وجدية أكثر لإحباط تهريب الأموال والأدوات القتالية، بقيادة إيران وحزب الله بالأساس، والتي تغذي هذه البنى.

بين حماس وعباس

ويعتبر أن طريقة العمل المنفصلة التي تتبناها إسرائيل في الساحة الفلسطينية-احتواء في مقابل «حماس» في غزة تشمل تسهيلات اقتصادية، وبين الحين والآخر نشهد رداً عسكرياً محدوداً، وفي المقابل، هناك ردود حادة ضد العمليات في الضفة- تشكل أرضاً خصبة لنمو سردية المقاومة الفلسطينية وتساعد، من دون قصد، في مسار إضعاف السلطة الفلسطينية. ويتابع «لذلك، يتم التعامل مع أجهزة الأمن الفلسطينية كمن يتعاون مع إسرائيل على حساب المصلحة القومية الفلسطينية. من جهة المسلحين الفلسطينيين، فإن ثمن الاشتباك مع إسرائيل بعنف ليس كبيراً جداً. ثمة أبطال فلسطينيون يولدون كل يوم والشعور بالقدرة ونجاعة الاشتباك المسلح تستوطن القلوب والوعي الجماعي للجيل الشاب، وتغذي الدافع إلى الانضمام إلى المواجهة. وفي المقابل، فإن نهج إدارة الصراع من جانب إسرائيل بطريقة «جزّ العشب» يصل إلى نهايته، ومن الممكن أن يؤدي إلى انفجار واسع عنيف، في الوقت الذي يشكل رداً على الأشجار المنفردة، وليس على الغابة-وهذا هو التحدي الاستراتيجي الحقيقي الماثل أمام إسرائيل».
وكان رئيس معهد دراسات الأمن القومي الأسبق رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية سابقا الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين قد قال إنه في المدى القصير، يبدو أن المصلحة السياسية للقيادات الإسرائيلية (الانتخابية) تتفوق على المطلوب استراتيجياً وأمنياً، لذلك، فإن مسؤولية القيام بالأمر الصحيح ملقاة على عاتق قيادات أجهزة الأمن، في إطار الحدود التي يفرضها الظرف السياسي القائم. مشددا على قيادات الدولة الارتقاء فوق الحسابات السياسية الراهنة، والمبادرة إلى مسارات تضمن الاستقرار الأمني الطويل المدى، والهدف الاستراتيجي الحيوي دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة، وعادلة كي لا تتورط في دولة ثنائية القومية وتكون لا يهودية ولا ديمقراطية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية