د. سعيد الشهابيالمصاعب المادية التي تواجه الشعوب العربية من بين اهم العقبات التي تعترض عملية التحول من الاستبداد الى الديمقراطية، ومنها التراجع الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ مشاريع التنمية. ولكن ربما يفوق ذلك من حيث انعكاساته على الرغبة في التغيير العوامل النفسية التي تسعى قوى الثورة المضادة لغرسها في نفوس الجيل الشاب الذي يعول عليه لمواصلة مشاريع التغيير. فهناك مشاريع حثيثة للقضاء على آمال هذا الجيل بامكان احداث تغيرات ايجابية في المنطقة باساليب شتى تهدف جميعا لكسر تطلعاته وتعميق الشعور لديه بان الانظمة القائمة، برغم ديكتاتوريتها فانها هي التي تحقق الامن والاستقرار وتوفر مستوى من المستويات المعيشية المقبولة، وتجنب البلدان شرور التوترات الداخلية: العرقية او المذهبية. غير ان هذه الانظمة الاستبدادية ليست هي التي تهندس سياسات الثورة المضادة، بل انها عوامل مساعدة في تلك المشاريع التي تخططها القوى التي يسوؤها تطور امة العرب والمسلمين وتحولها الى انظمة ديمقراطية تمارس شعوبها حقها في ادارة نفسها وتحديد سياساتها ومواقفها. ومن المؤكد ان وجود عوامل داخلية ملائمة لنمو تلك الحالة يسهل مهمتها. وبالتالي فان قوى الثورة المضادة تتشكل اساسا من القوى الغربية التي ترى في التغير الديمقراطي العربي تعارضا مع سياساتها خصوصا في ما يتعلق بضمان امن الكيان الاسرائيلي، ومن انظمة الحكم البالية التي تسعى للتشبث بالحكم باي ثمن.من هنا بدا المشهد السياسي العربي خصوصا في العام الماضي أقل نضارة، وأكثر تشاؤما، وأقل قدرة على التطور السياسي او الاقتصادي. فما المشكلة؟ وكيف نشأ هذا الوضع؟ ولماذا تحول الامل الذي صاحب انطلاق ربيع الثورات الى ما يشبه التشاؤم في مناطق عديدة من العالم العربي؟ ربما هذه تساؤلات تصعب الاجابة عليها، خصوصا لدى من يبحث عن الشكل والاسم والصورة، ولكن الاجابة لا تستعصي على من يبحث عن صورة اطارية شاملة بعيدا عن تفصيلات المشهد وتداخلاته. فالفاعلون معروفون بالهوية والانتماء، وقد لا يعرفون بالاسم والعمر وطول القامة.عندما انطلقت ثورات التغيير في اوروبا الشرقية متزامنة مع تداعي الاتحاد السوفييتي بعد انسحابه من افغانستان، كان واضحا مدى حماس الغربيين لذلك التغيير، وسرعان ما تحولت تلك الدول التي كانت اعضاء بما كان يسمى ‘حلف وارسو’ الى دول اعضاء بالناتو او الاتحاد الاوروبي. تلك الدول لم تكن من النواحي الاقتصادية افضل حالا من الدول العربية التي انتفضت شعوبها ضد الاستبداد، كما لم تكن شعوبها اكثر وعيا من الشعوب العربية الثائرة. الامر الواضح ان التغيرات السياسية والايديولوجية هناك كانت مطلوبة من المعسكر الغربي الذي رأى فيها حسما للحرب الباردة يصب في صالحه، وطيا لصفحة من التوترات التي كادت تتحول في بعض لحظاتها الى حرب نووية. كان الدعم الغربي لتلك الثورات واضحا، سواء بالاعلام ام السياسة ام الدعم المالي والاستخباراتي. كما ان التحولات الديمقراطية في امريكا اللاتينية التي سبقت ثورات اوروبا الشرقية استطاعت، هي الاخرى، تحقيق تقدم كبير بالقضاء على انماط الحكم الشمولي، ولكن ذلك التحول حظي بدعم معنوي ونفسي من الاتحاد السوفياتي. وبرغم الرفض الامريكي لذلك التحول في ما تعتبره ‘الساحة الخلفية’ للولايات المتحدة الامريكية فان ارادة الشعوب وغياب المصالح الاقتصادية المباشرة والدوافع المالية الكبيرة، وفر للشعوب فرصة الثورة واسقاط انظمة الاستبداد. اما العالم العربي فمشكلته الاساسية انه يمتلك ثروة نفطية كبيرة كانت، وما تزال، تمثل بعدا مفصليا في العلاقات بين الغرب وانظمة الحكم في المنطقة، وان الكيان الاسرائيلي ووجوده وامنه الاستراتيجي من بين القضايا التي يضعها الغربيون في قمة الاولويات وهم يتابعون ما يجري. ولا يقل البعد الثالث اهمية عن هذين العاملين، فالمشروع السياسي الاسلامي الناهض، يمثل لدى الغربيين تحديا كبيرا لمشروعهم الايديولوجي، كما هو للحكام المحليين الذين يعملون ضمن الاطار السياسي الغربي ومصالحه. وطوال نصف القرن الماضي كان واضحا ان الحاكم المستبد لا يملك مشروعا امميا واسعا، ولا تهمه قضايا الامة الكبرى، وليس من ضمن اولوياته التصدي للاحتلال الصهيوني او تحرير فلسطين، او استعادة هيبة الامة وسيادتها على خيراتها.ثمة امور ثلاثة مؤكدة تتصل بهذا السجال: اولها ان الشعوب العربية ترغب في التغيير الحقيقي الذي يرفع عنها كوابيس الاستبداد والديكتاتورية، وثانيها: ان لدى الغرب اجندته الخاصة التي قد تشمل رغبة في التغيير المحدود ولكن مع بقاء المنظومة السياسية التي ساعد على اقامتها وبقائها منذ الحرب العالمية الثانية، وثالثها: ان هناك ارضية مشتركة بين انظمة الحكم الاستبدادية وهذا الغرب ‘الديمقراطي’. والغربيون هنا متفقون على اجندات التغيير المحدود من جهة وعلى الاطر العامة لكياناتهم السياسية على اختلاف ايديولوجية الحكم القائمة. فالحاكم الاشتراكي في فرنسا لا يختلف كثيرا عن حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا في ما يتصل بايديولوجية التغيير والعلاقات مع العالم العربي وما يسمى ‘أمن اسرائيل’.وفي ظل هذه الحقائق يجد الشاب العربي الراغب في التغيير نفسه محاصرا بالاجندات الخارجية المتناغمة مع طبيعة النظام الاستبدادي الجاثم على صدره. ويجد نفسه كذلك محاصرا حتى عندما يحقق التغيير ويسقط طاغيته. وبعد مرورعامين على الربيع العربي لا تبدو خطوط التمايز بين الثورات ‘المنتصرة’ والانتفاضات التي ما تزال تعيش مخاضاتها المؤلمة واضحة جدا. فقوى الثورة المضادة التي اوقفت المد الثوري باساليبها المتداخلة والمعقدة والتي لا تعرف الرحمة او الرأفة، ما تزال متحالفة، ربما بشكل أشد، مع انظمة الاستبداد خصوصا التي تمتلك مدخولات نفطية هائلة كالسعودية مثلا. هذا التحالف ساهم في تأجيل حسم الثورات القائمة، واستهدف الانظمة الجديدة التي انتخبتها شعوبها في مصر وتونس وليبيا. ولكل من هذه التجارب قصته مع قوى الثورة المضادة، وهي قصص يجمعها خيط واحد ممتد من العواصم الغربية الى صحراء ليبيا ودلتا النيل وجامعالزيتونة. فمهما كانت اخطاء الحكم المصري لم يكن متصورا ان يكون استهدافه بعد ان انتخب بشكل ديمقراطي بهذا الحجم والشراسة. ومن يخطط لاستهداف نظام منتخب في مصر (برغم اخطائه وقصر نظر قادته، وربما عدم كفاءتهم) لا يختلف عمن يغتال المعارض التونسي الليبرالي شكري بلعيد. والقائمون بذلك هم انفسهم الذين يوزعون السلاح في ليبيا بهدف اثارة البلبلة والفتنة. كما ان من يهدم مساجد مالي وتونس وليبيا ومصر هو نفسه الذي هدم مساجد البحرين.واذا عجز اهل الثورة في اي قطر عربي عن استيعاب الصورة الشاملة للمشهد السياسي في المنطقة، فلن يستطيعوا حماية انفسهم من خطر التدخلات الخارجية وقوى الثورة المضادة، ولن يستوعبوا الخيط الذي يجمع حبات المسبحة السياسية لدى قوى الثورة المضادة.في الاسبوع الماضي بثت وكالة انباء رويترز تحليلا حول الثورات العربية بعنوان ‘العرب غارقون في فوضى التحولات بعد عامين من انتفاضات عنيفة’، تطرق لمشاعر الشباب العربي وهو يشاهد العواصف التي تحيط بمحاولات التغيير في الدول العربية. قد لا يكون محتوى التقرير موضع خلاف جوهري، ولكن فحواه غير مكتمل الصورة. فهذه ‘الفوضى’ ليست بريئة او عفوية، بل هي النتيجة المخطط لها من قبل اعداء الثورة. ولا بد من التأكيد هنا على ان معارضي التغير السياسي في العالم العربي قوى عملاقة: فهي اما ان تكون عسكرية وامنية كالولايات المتحدة وبريطانيا، او قوى اقتصادية تملك المال الضروري للتأثير على المواقف الدولية. فقوى الثورة المضادة لديها اجندة واضحة المعالم مع غموض الكثير من التفصيلات. هذه القوى تجتمع على امر واحد وهو منع التغيير السياسي المؤدي لقيام انظمة ديمقراطية بديلة. ولكنها تختلف في المنطلقات والاهداف وراء هذا الامر. فانظمة الحكم التي تتخذ اشكالا قبلية وعائلية ترفض الربيع العربي لانه يستهدف وجودها ويسعى لاستبدالها بانظمة حكم من اختيار الشعوب، واقامة انظمة سياسية غير قمعية، تحترم الحريات العامة وتقيم حكم القانون، وتساوي بين المواطنين وفرصهم المتكافئة في مجالات الحكم والادارة. اما الدول الغربية فتعارض التغيير لخشيتها من وصول حكام جدد لا يوفرون للغرب ما يريد من نفط باسعار هابطة، ولا يرضى بالصمت على الاحتلالالاسرائيلي، ويرفض اخضاع العالم العربي وقيمه وسيادته للهيمنة الغربية. وهنا التقت المصالح على واحد من الاهداف المشتركة، ولكن بأي ثمن؟ الواضح ان الغربيين لم يعودوا اوفياء لشعارات التغيير والديمقراطية، كما ان حقوق الانسان اصبحت وسيلة للضغط على مناكفي الغرب من الانظمة المستقلة. وبالتالي فسرعان ما تتلاشى اهمية هذه القضايا عندما يلتقي المسؤولون الغربيون مع نظرائهم من دول العالم العربي، خصوصا النفطية منها. فالنقاش هنا يتحول الى مساومات حول النفط والغاز والقواعد العسكرية والموقف من ايران وروسيا والصين، وما يقابل ذلك من دعم امني او عسكري او سياسي من دول الغرب. وتصبح الشعوب هنا سلعة للبيع والشراء، وتتحول حقوقهم المشروعة الى قضايا هامشية ليست ذات شأن يذكر.ان البعد الاخلاقي والانساني والقيمي في السياسة الدولية قد تدنى كثيرا، واستبدل بمنطق المصالح المادية الضيقة وقضايا النفوذ السياسي والاقتصادي، وتراجعت القيم الانسانية الى الوراء في اجندات اصحاب القرار السياسي الغربي.وفي ظل ما يسمى ‘حكم القانون’ في الغرب يتعرض معارضو انظمة الاستبداد لمضايقات متواصلة بذرائع شتى، وفجأة يكتشفون الطبيعة البوليسية لهذه الكيانات السياسية، وكيف ان السياسي لا يستطيع تجاوز ما تفعله اجهزة الامن المتعددة. وبهذا تحولت الدولة الحديثة الى مارد يستهدف الآخرين بدوافع مادية وسياسية وايديولوجية وبوسائل تبدو قانونية. وقد تم تطويع التشريعات ومبادىء الحكم لرغبة اجهزة الامن المسكونة بقضايا الارهاب بدون دراسة اسبابها او التصدي لها بما يناسبها من اهتمام واستعداد. وعندما تصبح صفقة ‘تايفون’ المزمع توقيعها بين السعودية وبريطانيا مبررا لقمع المعارضين السياسيين بدواع شتى، او الضغط على المعارضين البحرانيين، يصبح الوضع السياسي كئيبا، ويشعر المرء بمرارة وألم كبيرين، ويكفر بالقيم الغربية التي طالما اعتقد انها مطلقة وثابتة وخارج اطر المساومة بين الفرقاء السياسيين. تقرير وكالة انباء رويترز يقدم جانبا من صورة الشاب العربي المحبط، ولكنه يحصر الاحباط بغياب كفاءة الحكام الجدد، او فوز فريق من المعارضين دون غيره في صناديق الاقتراع.لكن التقرير لم يتطرق لجهود قوى الثورة المضادة التي تنخر في جسد الامة وشبابها بهدف كسر الرغبة في التغيير خصوصا اذا كان مكلفا. دهاليز السياسة هذه يمكن اعتبارها من اكثر الوسائل ردعا للثوار، ودعما لمنطق القوى الكبرى الاعوج الذي يصر على التعاون مع الحكومات القائمة ويرفض التصدي لها محليا او على الصعيد الدولي خصوصا في قضايا حقوق الانسان والديمقراطية. مع ذلك فقد اصبح التغيير محتوما بعد ان استيقظت الشعوب على واقعها المؤلم وتحررت من لباس الخوف، وانطلقت في ميادين الكفاح بهدف تحرير ارادتها وعدم الاستسلام لواقع فرضه التحالف الشيطاني بين قوى الثورة المضادة منذ عقود. مطلوب من اصحاب الثورة التمتع بنظرة شمولية لما يجري حولهم، والالتحام مع بقية الثورات ودعمها بدون تردد او تراجع او تشكيك في نوايا روادها ومنفذيها. فالثورة اما ان تنجح في كافة الاقطار الثائرة او ستسقط فيها جميعا. ولكي تتمع جميعا بالنصر الثابت فلا بد ان يدعم بعضها بعضا، ويستعلي على سياسات التشويش والتضليل وتحريف الحقائق، كما تفعل وسائل اعلام قوى الثورة المضادة. لقد انطلقت الثورات لنتصر وعلى الحكام المستبدين تطويع انفسهم معها، او ترك الحكم لاصحابه الشرعيين الذين تنتخبهم شعوبهم ضمن مبدأ حرية الاختيار. الامر المؤكد ان رغبة التغيير السياسي جامحة في نفوس ابناء الجيل العربي القائم، ولكن المشكلة تكمن في غياب المرجعية الفكرية والسياسية لدى العديد من هؤلاء الشباب، وشعورهم بصعوبة احداث تغيير حقيقي في ظل ما يعتبره ‘تعاونا شيطانيا’ يستهدف الثوار وقوى التغيير ويدعم القوى التابعة لانظمة الحكم. وفي هذه المرحلة ليس المطلوب تنظيرات كثيرة حول ضرورة الحراك السياسي السلميضمن آليات الانظمة، بقدر ما هو قرار شعبي اما بالتواصل مع انظمة الاستبداد او مقاطتهم.وما ظواهر الاحباط واليأس الا مؤشر للقمع الداخلي المدعوم بالنفاق الدولي الذي يمارس اولوياته، ضمن آليات انتقائية واضحة القصور. هذا الغرب الداعم للاستبداد مطالب باعادة نظره في معاني التغيير السياسي وهيمنة القبيلة وتحول الدولة الى مارد يفتك بالمواطنين باوامر شخصية من المسؤولين العسكريين الذين يأتمرون باوامر الديكتاتور وينتهون بنهيه.فالتغيير لن يتحقق ما دام هؤلاء المستبدون مدعومين بالقوى الغربية التي طالما ادعت انها تروج الديمقراطية. وبالتالي لن يستتب الامن والاستقرار المطلوبان لتنمية المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وانسانيا. الثورة التي بدأت قبل عامين لا بد ان تتواصل لكي تنتعش المنطقة في ظل انظمة حكم ديمقراطية تحل محل الاستبداد والديكتاتورية.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندنqraqpt