دوار القمر : تراجيديا الفساد في قالب من السخرية الحلبية
تناول فترة الثمانينات في ظل الأزمات الاقتصادية الحادة التي شهدتها سورية دوار القمر : تراجيديا الفساد في قالب من السخرية الحلبيةدمشق ـ القدس العربي ـ من انور بدر: نتساءل أحياناً كثيرة عن مُبرر الذهاب إلي تفاصيل التنوع الجغرافي في الدراما السورية، وإن كان يحمل مُبرراته في فسيفساء التناقضات الاجتماعية أو الإشكالات البيئية التي يرصدها العمل، أم أنها مُجرّد موضة بلا هدف أو ضرورة، موضة لا تتكئ إلا علي التلوين في اللهجات المحلية والتي قد تثير سخرية الآخرين في بعض الأحيان؟أعتقد أنّ هكذا مُلاحظات راودت الكثير من المشاهدين الذين تابعوا مسلسل دوار القمر الذي أنتجته الهيئة العامـة للإذاعة والتلفزيون ضمـــــن إطار الدراما الحلبـــــية التي انتشرت مؤخراً، مع أنّ كاتبي النص والسيناريو : خطيب بــدلة وفيصل خرتش حاولا تلوين العمل بتفاصيل الواقع الحلبي الذي عايشاه بدقة وبموقف انتقادي، كما حاولا تلوين العمل بحسهما الأدبي الساخر، الذي أعطي للمسلسل نكهة ساخرة لم تبلغ حدود الكوميديا والتهريج ، نوع من السخــــرية التي يلجأ إليها المواطن في مواجهة الواقع والسلطـة أو القوي المتحكمة في هذا الواقـع، دون أن يقــــع في مطب الابتذال كما أشـرنا، بل شكلت خلفية لهذا العمل الذي يرصد تراجيديا الفساد في واقعنا، نكهة ساخرة محببة، رغم أنّ العمل يُشكل محاولة لرصد تراجيديا الفساد في واقعنا.هذا الواقع الذي جري التأكيد عليه من خلال حارة دوار القمر في مدينة حلب، ومن خلال التحديد الزمني في عام (1987) كما يقول المخرج خالد الخالد حيث شــهدت البلاد أزمات ترافقت بنقــص حاد في المواد الغذائية، مع حالة من التضخم النقدي الذي أدي بدوره إلي انخفاض حاد في سعر الليرة السورية. يُقابله بالطبع ارتفاع مواز في الأسعار، في هذه الأجواء ظهرت طبقة مُستغلة تتاجر بكل شيء بدءاً من علبة المحارم الورقية وتجارة الأبنية والعقارات وصولاً إلي تجارة حليب الأطفال وأدوية الأمراض المستعصية والخطيرة .هذه الطبقة التي أضحت مُتحكمة بالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية أفرزت مصطلحاتها ومفاهيمها وقيمها الأخلاقية، من خلال ما يُعرف بالسوق السوداء، فكل شيء يُمكن أن يتحوّل إلي صفقة، حتي العلاقات الإنسانية، ونكتشف أنّ هذه الطبقة غدت فوق الجميع، تشبه أخطبوطاً يتحكم بمصائر الجميع، وتمتد أذرعه داخل السلطة والأجهزة الحكومية.في هذه الدائرة تحرّكت كاميرا المخرج خالد الخالد لتكسر السياق الدرامي للحدث، حيث بدأت من النهاية، من مقتل أبو خيري حبيكات لتعود بنا في حبكة بوليسية مشوقة لتقصي القاتل وأسباب الجريمة، لكنها في هذه العودة كانت تعري وتفضح تلك العلاقات التي نشأت ولا تزال مُهيمنة في البلد، وكلما تعمقــــــت تلك الكاميرا في البحث عن الجاني، كلــــما اكتشفنا مزيداً من الضحايا الذين قهـــــرهم أبو خيري واستغلهم، بدءاً بعـادل الطالب الجامعي الذي خطــــف منه أبو خيري حبيبته حياة إلي والدتها التي تخـدم في مــــنزله، ومن منافسـيه في ســـوق التجـارة أبو مراد وأبو سعيد وصولاً إلي سائقه جدوع الذي لم يلبث أن استغني عن خدماته في النهاية.وقد لجأ المخرج إلي كسر الرتابة في السرد الدرامي، من خلال عرض المشكلة في قالب مسلسل ضمن المسلسل، فنحن نتابع الضابط عبد المعين وزوجته، وهما يتابعان مسلسل عنوانه دوار القمر كتبه صحفي اسمه فيصل في محاولة لرصد التطورات التي حدثت في هذه الحارة الشعبية، من خلال متابعة علاقات أبو خيري واستقصاء أسباب الجريمة.وقد جاءت حوارات عبد المعين اللاحقة مع زوجته، استكمالاً لتلك الاستقصاءات، بل يُمكن أن يُقال أنّ مسلسل فيصل لم يكن إلا الجانب الدرامي للمهمة البوليسية التي أعطت العمل مزيداً من التشويق والتحفيز علي المتابعة.واذا كان المسلسل أو الكاتبين عمد إلي قتل أبو خبري منذ البداية، فإنهما أشارا إلي استمرار أبو خيري كطبقة وكعلاقات في واقعنا من خلال عودة ظهــــــوره في النهاية، وهو ما يُمكن تجـاوزه، فليس من مهمة الأدب أو العمـــل الفني أن يقول كل شيء، بل الأجمل أن يتـــرك مساحة للقارئ أو المشاهد للخـــــروج باستنتاجاته الخاصة. لاسيما وأن العمـل حاول الخروج من الثنائية الأيديولوجية للخير والشر، إذ عمد إلي تقديم وإظهار الجوانب الإنسانية لشخصياته الشريرة، أمثال أبو خيري وأبو رياض.بالطبع هناك العديد من الخطوط الدرامية الأخري في هذا العمل كخط الطالبة أو خط أبو رياض، وخط فارس شقيق حياة أو خط أبو وحيد إلي خط أبو رأس الفساد وزعيم السوق السوداء، لكنها جميعها تلتقي في حارة دوار القمر وفي شبكة أبو خيري للفساد والإفساد.بطاقة العمل:المسلسل: دوار القمرتأليف: خطيب بدلة ـ فيصل خرتش.الإخراج: خالد الخالد.إنتاج: الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيونمدير الإنتاج: مصطفي الحكيم.مدير التصوير والإضاءة: إسماعيل جمول.مشرف الصوت: عامر بشاش.تسجيل ومونتاج: معتز دياب ـ إياد يوسف.الممثلون:رضوان عقيلي ـ فاديا خطاب ـ عبير شمس الدين ـ عمر حجو ـ ناهد حلبي ـ جلال شموط ـ وضاح حلوم ـ ميلاد يوسف ـ سحر فوزي ـ قمر عمرايا ـ جيهان عبد العظيم ـ ريم عبد العزيز ـ طارق مرعشلي ـ أسامة السيد يوسف ـ أحمد حداد ـ سلوي جميل ـ عبد الرحمن عيد ـ والمرحوم محمد حريري إذ كان هذا العمل آخر مشاركة درامية له. إضافة لضيوف الشرف: هاني الروماني و زهير رمضان.2