الناصرة ـ «القدس العربي»: كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة تعتزم تمرير أجندتها التشريعية الشاملة لإصلاح النظام القانوني والقضائي في إسرائيل بحلول نهاية آذار/مارس الماضي، لكن الاحتجاجات الواسعة اللافتة من ناحية التصميم والتنظيم نجحت بإعاقتها فلم يتم تمرير سوى قانون واحد هو قانون إلغاء حجة المعقولية قبل أيام. وصوت الكنيست على مشروع القانون المذكور الذي تعتبره المعارضة انقلابا على النظام السياسي برمته واحتفل بعض الوزراء بالتشريع الجديد ما صب الزيت على نار السجالات الداخلية الساخنة أصلا وسط استمرار لتراشق غير مسبوق ومواصلة حالة التمّرد داخل وحدات الاحتياط في الجيش ما يدفع جهات إسرائيلية التحذير من خطورة التهديدات الداخلية على مستقبل إسرائيل وبعضها يتحدث بمصطلحات يوم القيامة كـ»نهاية المشروع الصهيوني» و«خراب الهيكل الثالث» وقال رئيس الموساد السابق باردو تامير يوم الخميس الفائت إنه لا يقوى على النوم لشدة قلقه على تبعات الانشقاق الداخلي، ويقول إنه يصلي كي يبقى أولاده في البلاد متشككا حيال عدم هجرة أحفاده للخارج. لكن وزير القضاء ياريف لافين (الليكود) المعروف بتشدده ومناصبته العداء للجهاز القضائي لا يكترث بتبعات هذا الشقاق وبالمحذرين فقال إنه لن يتردد في تطبيق بقية خطة «الإصلاحات القضائية» فور عودة الكنيست من العطلة الصيفية في بداية الخريف المقبل.
سيمحا روتمان، رئيس لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست، قال إنه يتم حاليا صياغة مختلف التشريعات التي تشكل المكونات الأربعة للإصلاح الرئيسية المخطط لها وسيتم عرضها على اللجنة الوزارية للتشريع التابعة للحكومة لاحقا. شمل اتفاقيات «الليكود» مع جميع الأحزاب الائتلافية، باستثناء حزب «نوعم» فقرات تتطلب تمرير «قانون أساس: التشريع» الجديد والذي سيشمل آلية تجاوز للمحكمة العليا وتؤكد جميع الاتفاقات على إعطاء أولوية قصوى للتشريع لإصلاح النظام القضائي.
وينص الإصلاح الذي كشف وزير القضاء في حكومة الاحتلال ياريف ليفين النقاب عنه، بعد ستة أيام فقط من تولي ائتلاف اليمين المتطرف السلطة، على فرض قيود شديدة على قدرة المحكمة العليا على إلغاء قوانين وقرارات حكومية؛ تمرير «بند تجاوز» يسمح للكنيست بإعادة تشريع مثل هذه القوانين؛ منح الحكومة السيطرة على اختيار القضاة؛ منع المحكمة من استخدام حجة «المعقولية» للحكم على التشريعات والقرارات الحكومية؛ والسماح للوزراء بتعيين مستشاريهم القانونيين، بدلا من تعيين مستشارين يعملون تحت إشراف وزارة القضاء.
الانقلاب القضائي لنتنياهو
ومنذ مطلع العام كثرت التساؤلات: تقدّم حكومة نتنياهو مشاريع قوانين من شأنها أن تضعف بشكل كبير النظام القضائي في إسرائيل فماذا يريد نتنياهو؟ ومن يحتج؟ وما الذي على المحك؟ ورطت إسرائيل نفسها في أزمة سياسية عميقة حيث تعمل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة على تعزيز التشريعات التي من شأنها إضعاف النظام القضائي في البلاد بشكل كبير وإعطاء سلطة غير محدودة للائتلاف الحاكم وهناك من يقول تحويلها لدولة استبداد كما في دول العالم الثالث، بل إلى مملكة يحكمها الملك بنيامين نتنياهو السادس أو «سيدنوا موسى» الجديد كما قال رئيس إسرائيل السابق رؤوفين ريفلين.
فصل السلطات
يشتمل التشريع الذي اقترحته الحكومة على «بند الاستقواء» ومن شأنه أن يسمح لأصغر أغلبية ممكنة – 61 من أصل 120 نائبا في الكنيست، وهو البرلمان الإسرائيلي – بإلغاء قرارات المحكمة العليا. ويتنبه مراقبون ومحللون إلى أن إسرائيل لا تملك دستورا، كما أن الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ضعيف للغاية؛ حيث تتمتع الحكومة دائمًا بدعم الأغلبية في الكنيست. وهذا يجعل المحكمة العليا المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بالسلطة لمراجعة الإجراءات الحكومية والتشريعات التي تم تمريرها بأغلبية برلمانية ولذلك تريد حكومة نتنياهو تجريد المحكمة من تلك السلطة.
في ميزان القوى الحالي، يمكن للمحكمة العليا إلغاء التشريعات إذا كانت تتعارض مع أحد القوانين الأساسية لإسرائيل ولذلك، على سبيل المثال، إذا أقرت الحكومة قانونًا يضر بحقوق المرأة الإسرائيلية، يمكن للمحكمة أن تلغيه لأن ذلك يتعارض مع قانون إسرائيل الأساسي بشأن كرامة الإنسان وحريته ومع ذلك؛ فإن بند الاستقواء المقترح سيسمح للحكومة بإعادة فرض هذا القانون التمييزي في حال حصوله على تصويت 61 نائبا في الكنيست. ويحذّر خبراء قانونيون من أن هذا التشريع قد يفتح الباب أمام احتمالات لا يمكن تصورها حتى الآن في النظام الديمقراطي الإسرائيلي. من الناحية النظرية؛ يمكن للحكومة إغلاق صحيفة «هاآرتس» أو حظر أحزاب المعارضة أو تغيير قواعد الانتخابات بطريقة من شأنها أن تفيد الائتلاف الحاكم بشكل واضح. بالإضافة إلى ذلك؛ سبق وصرح بعض معارضي خطة الحكومة بأنهم على استعداد لدعم بند الاستقواء أكثر تحفظًا؛ أي أن يكون البند يتطلب أغلبية أكبر في الكنيست من أجل نقض قرارات المحكمة العليا، لكن حكومة نتنياهو تصر على النسخة الأكثر تشددا.
القوانين الأساسية
تمثّل القوانين الأساسية لإسرائيل «مسودة عمل» لدستور مستقبلي، وذلك في حال قررت إسرائيل في يوم من الأيام كتابته علما انها تحاشت ذلك حتى اليوم لانها خشيت ان يكرس حالة الانشقاق بين مكونات المجتمع فيها ولرفضها تحديد حدودها النهائية علاوة على رفض المتدينين تعريفها كدولة علمانية تعتمد القوانين الدنيوية بدلا من الشريعة. وتتمثل إحدى المشكلات الحالية في أن إسرائيل لا تحدد بوضوح مفهوم القانون «الأساسي» ولا تفرق بين عملية تشريع القوانين الأساسية والقوانين العادية.
ويُعد هذا الأمر بالغ الأهمية، لأن حكومة نتنياهو تريد منع المحكمة العليا تمامًا من إلغاء القوانين الأساسية، وقد تم بالفعل تمرير مشروع قانون في تصويت أولي للكنيست يوم الإثنين. تكمن المشكلة في أنه بينما تريد الحكومة منع المحكمة من إلغاء القوانين الأساسية، فإنها ترفض في المقابل التطرق إلى كيفية تشريع تلك القوانين الأساسية وما يميزها عن القوانين العادية، التي لا يزال بإمكان المحكمة إلغاؤها، وفقًا لخطة الحكومة، ولو كان ذلك مع احتمال حدوث إلغاء لقرار الكنيست. ما يعنيه هذا هو أنه بموجب التشريع الذي تقترحه الحكومة، فإن أي قانون تختاره أغلبية بسيطة من المشرعين لتعريفه بأنه «أساسي» سيصبح تلقائيًا محصنًا ضد المراجعة القضائية. بمعنى آخر، إذا أقرت الحكومة قانونًا يميز ضد الأقليات في إسرائيل كفلسطينيي الداخل أو ضد المثليين ووصفته بأنه قانون أساسي، فلن تكون هناك حاجة لاستخدام بند الاستقواء لأن المحكمة لن يكون لها سلطة التدخل في المقام الأول وهذا مثال آخر على الموقف المتطرف الذي تتبناه حكومة الاحتلال الحالية ورفضها للأفكار الأكثر اعتدالًا للإصلاح القضائي. ويعرب بعض معارضي خطة الحكومة عن دعمهم لمبدأ عدم قدرة المحكمة على إلغاء القوانين الأساسية، لكنهم قالوا إن الكنيست يجب أن يتبنى أولا تعريفًا واضحًا لخصائص القانون «الأساسي» ويفصله عن التشريع العادي، ولكن حتى الآن، لم تبدِ حكومة نتنياهو أي اهتمام بالقيام بذلك.
التعيينات القضائية
إلى جانب حقيقة أن التغييرات المذكورة أعلاه قد منحت الحكومة ما يكفي من السلطة، فإن الإصلاح الشامل سيغير أيضًا بشكل جذري عملية التعيينات القضائية، وهذا من شأنه أن يقلل بشدة من استقلال النظام القضائي عن الضغوط السياسية. ويقول المحلل اليهويد امير طيبون في هذا المضمار في صحيفة «تايمز اوف إسرائيل» إنه اليوم يتم تعيين القضاة في إسرائيل من قبل لجنة تضم تمثيلًا متساويًا للسياسيين والقضاة والمحامين وقد واجهت هذه اللجنة تدقيقًا عامًا خلال السنوات الأخيرة بسبب إبرام صفقات فاسدة مزعومة بين مختلف الممثلين، ونتيجة لذلك هناك دعم واسع لإصلاح اللجنة، لكن السؤال الأهم هو كيفية تحقيق ذلك؟ عن ذلك يضيف طيبون: «في الواقع؛ سيغير اقتراح الحكومة ميزان القوى في اللجنة بحيث تحظى الحكومة، في جوهرها، بالأغلبية التلقائية وتتمتع بالسيطرة الكاملة على جميع التعيينات القضائية». منوها ان هناك العديد من الديمقراطيات، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث يشارك السياسيون في تعيين القضاة لكن في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يصادق مجلس الشيوخ على القضاة- والذي غالبًا ما يشغله حزب مختلف عن الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض، وحيث يُنتخب أعضاء مجلس الشيوخ على أساس إقليمي، وهذا يعني أن لديهم التزامٌ معينٌ تجاه دولتهم الأصلية وليس فقط تجاه حزبهم.
ويتابع في مقارنته بالقول «أما في إسرائيل، يُعد النظام مختلفا تمامًا؛ فغالبًا ما تستخدم الحكومات آلية تسمى الانضباط الائتلافي، والتي تجبر أعضاء الائتلاف الحاكم على التصويت بدقة وفقًا لخط الحزب. ولا يُنتخب المشرعون، بمن فيهم أولئك الذين يمثلون الحكومة في لجنة التعيينات القضائية، مباشرة من قبل الشعب وهم يدينون بوجودهم في المجلس التشريعي للحزب الذي ينتمون إليه. نتيجة لذلك، إذا صُودق على التغيير الذي اقترحته الحكومة، فلن يمكن أبدًا الطعن في أغلبيته في اللجنة».
صوت أجنحة التاريخ يصرخ: هذا هو وقت ضبط النفس والمسؤولية
في محاولة جديدة وتزامنا مع ذكرى ما يعرف بـ «خراب الهيكل» توجه رئيس إسرائيل مجددا للإسرائيليين في محاولة لوقف النزيف في مقال نشرته الصحف العبرية جاء فيه: «أخواتي وإخواني، في عشيّة يوم «خراب الهيكل» – يوم الخراب الوطني الخاص بنا – أود التوجّه إليكم من كُل قلبي. نحن نعيش أياماً صعبة جداً. أنا أرى الصور وأسمع الأصوات من الشوارع، والكنيست، ووسائل التواصل الاجتماعي. أرى إسرائيليات وإسرائيليين كُثر، لديهم التزام كبير، وألم كبير، وإحباط، وخوف عميق وحقيقي ممّا يحدث وممّا يمكن أن يحدث بعد. أنا أرى وأسمع جيداً عن قرب، والأمور التي تخرج من القلب تدخُلُه وتزعزعه. أطالب إخواننا وأخواتنا الجنود في جيش الاحتياط والمتطوعين في جميع وحدات الجيش، الوطنيين من كُل قلبهم، ممن يحبّون الشعب والدولة، وأقول: أنا أحبكم حباً جماً، وأقدّر التزامكم، وتضحيتكم وقلقكم العميق والمؤلم. أنتم فعلاً الأفضل بيننا. لكن في الوقت ذاته، أنا قلق على أمن إسرائيل الذي لحق به الضرر بمجرّد التهديد بعدم التطوّع أو عدم القيام بالخدمة، والأسوأ بكثير هو القيام بذلك. أطلب منكم أن تفكّروا أكثر من مرة بكُل خطوة. أنا أعتمد عليكم في أن تحافظوا على دولة إسرائيل مستقرة وآمنة، فهي كانت طوال الوقت، وستكون إلى الأبد، بيتنا جميعاً، وبيتكم أيضاً، وبيت أبنائكم وعائلاتكم. نحن في عشيّة «خراب الهيكل» وصوت أجنحة التاريخ يصرخ: هذا هو وقت ضبط النفس، هذا وقت المسؤولية، والمحافظة على الهدف الأسمى؛ إياكم والحرب الأهلية. أنا أؤمن بشعبنا، وأؤمن بأننا يمكن أن نحوّل يوم «خراب الهيكل» بجهودنا المشتركة، وبروح أقوال النبي إلى يوم خلاص، إن طبّقنا فقط ما كُتب في نهاية النبوءة: «أحبوا الصدق والسلام».
كما ناشد الكونغرس اليهودي العالمي في بيان نشرته الصحافة العبرية الإسرائيليين الجمعة وقال فيه إن إسرائيل دولة صغيرة تجابه تهديدات خارجية لكن أكثر ما ينطوي على خطر على وجودها هو الشقاق الداخلي داعيا للحوار الفوري والمسؤول.
وقبل ذلك أشار هرتسوغ إلى زيارته التي قام بها مؤخراً إلى الولايات المتحدة، فقال إنه أعلن خلالها أمام الكونغرس الأمريكي أنه يؤمن بقوة الديمقراطية الإسرائيلية، وتعهد بحمايتها والمحافظة عليها بأي ثمن، وأكد أنه يقف وراء كل كلمة قالها. وأشار هرتسوغ إلى أنه يشعر بالقلق على أمن إسرائيل جرّاء التهديدات المتواترة بعدم التطوّع في الخدمة العسكرية الصادرة تباعاً عن جنود تشكيلات الاحتياط والمتطوعين في جميع وحدات الجيش الإسرائيلي، لكنه في الوقت عينه أكد أنه يثق في أن جميع هؤلاء لن يتخلوا عن دورهم في المحافظة على دولة إسرائيل مستقرة وآمنة. وهاجم الائتلاف الحكومي رئيس الدولة بحدّة لأول مرة. وقال رئيس كتل الائتلاف في الكنيست عضو الكنيست أوفير كاتس «الليكود» إن أقوال الرئيس مؤسفة للغاية. وأضاف كاتس: «بدلاً من إيصال رسالة مصالحة والانضمام إلى دعوة الائتلاف للعودة إلى المحادثات، وجّه هرتسوغ أصابع الاتهام نحو الائتلاف، وتجاهل أن قادة المعارضة هم الذين تصرّفوا بغير مسؤولية، عندما فجّروا المحادثات تحت ضغط الاحتجاجات». واتهم كاتس هرتسوغ بتجاهل الجهود الكبيرة والتسويات بعيدة المدى التي قدمها الائتلاف من أجل الاتفاق على بنود خطة الإصلاح القضائي.