ما لا ينتبه إليه البعض أحيانا، أن لكل ظاهرة عوارضها التي يمكن ملاحظتها ورصد مدى كثافتها، واضطراب منهجية التفكير لا تشذ عن هذه القاعدة، اللهم إلا لدى من يعانون من متلازماتها المزمنة، التي تعيق قدراتهم الذهنية عن إمكانية ملاحظة الأعراض المحايثة لها، التي أفرزتها كوضعية عقلية فاسدة، عليها هي نفسها مجاوزتها، لتكون حقلا أو بنية ابستمولوجية مهيأة لملاحظة التمظهرات السلوكية الباثولوجية المختلفة، كمظاهر عضوية لذلك الاضطراب، الذي تحولت فيه الفكرة بحيثيات بنيتها إلى سلوك نموذجي أو ممثلن، يدعم ديمومة بنيته باستمرار، هكذا دواليك. فحيثما لا ترتبط الحقوق بالواجبات أو المراكز والأدوار، بحيث يغدو الدور الذي يحتاج إلى خبرات ومهارات ومزايا شخصية، أقل أهمية في جلب مستوى الجاه لصاحبه، من ادوار أصحاب ‘المواهب الغنائية المحدودة’ أو الانتساب للهويات البدائية أو غير المنطقية في عصر العولمة، ‘قبلية فئوية طائفية جنسية أو نوعية’، من دون أن يتفطن المجتمع إلى ذلك، أو يسمح للأخصائيين فيه بمجرد النقد والتحليل لمظاهره الفاسدة، عقلية كانت أم سياسية أم مالية، فثمة اضطراب مفض إلى تدني الوعي بمفهوم الزمن، بما يترتب عليه من تدني مستوى الديناميكية الحيوية، ومن ثم تراكم الأمراض الاجتماعية الثقافية المزمنة، وترحيلها عبر الأجيال. وحيثما يكون ‘وضع التخلف’ هو الخيار أو الإستراتيجية المتاحة أو الأفضل لماهية الهوية وتوصيفها، بحيث كلما أغرقت فيها نفسها، تدعم تميزها عن المتطورين ‘الحداثويين’ بحيث تكون متطلبات المزايا في الانسجام مع الهوية، مزيدا من تبني مظاهر التخلف، ويكون أقصر الطرق للحفاظ على مصالح المتعلمين وتبجيلهم وترقيتهم، بل ومقياس تعلمهم، ينحصر في مدى إصابتهم بالعمى عن كشف ونقد الظواهر المرضية لمجتمعاتهم، والرضا بالتسليم بان التعليم مجرد أداة مطورة للدفاع عن الجهل وتبريره، أو التعبير بشكل أفضل عن أفكار الأميين المسيطرين، بدلا من مقارنة مستوى تطور مجتمعاتهم بغيرها، وملاحظة مدى تخلف وخطا سيرها، والنضال من أجل مساعدتها على تجاوز خاصيتها المتردية، على أسس علمية موضوعية، كما تجاوزت الأمم الأخرى ظلاميتها، فثمة اضطراب مفض إلى أن مظاهر التطور ما زالت منافية للذوق العام، بحيث لم يتجاوز مرحلة الإشباع الحسي، للوصول إلى مستوى رفاهية تذوق، وان التجريدية الجميلة أو الراقية، واستيعاب القواعد الثانوية المنظمة لدولة الأمة على أسس ديمقراطية متجاوزة لما هو أولي، أو سابق على المزايا الشخصية، وتوطين المعارف الفكرية والعلمية والتكنولوجية، المنبثقة من الثقة في إمكانية العقل البشري على المساهمة في حل مشكلات المجتمع، باعتبار ذلك قلة أدب مع تفرد القدرة الإلهية في فهم النفس البشرية والتحكم في قوانين الطبيعة والاجتماع البشري والرزق الاقتصادي وشفاء المرضى، نظرا لسيادة العقلية الكسولة أو غير المحفزة بقيم تفضيل الانجاز، وإعفاء الذات من استحقاقات الفاعلية، عبر توظيف ‘مسوغات انتقائية’ لاعجازية الفعل الإلهي في القرآن ‘إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون’ وتجاهل الربط القرآني المتكرر بين الإيمان والعمل، لأن الشخص أو الفاعل الاجتماعي، مثل الإلكترون، انبثاق من الحقل، حسب رأي (بورديو) فلا يوجد مفكر أو فنان إلا ضمن حقل فكري أو فني غير متصحر من مجال إبداعه. وحيثما تكون الدولة مجرد فرصة عقد عمل أو تحسين في مستوى الجاه للقائمين على السلطة، وأداة لهدر الحقوق الإنسانية ‘الضرورية’ لمواطنيها، من خدمات المنظمات الدولية، في التطعيم من الامراض السارية، وتوفير مياه شرب ووجبات مأمونة، بحجة ‘السيادة الوطنية’ فثمة اضطراب يفضي إلى معاداة هذا الكيان بتمظهرات عديدة، في عدم احترام قوانينه، واعتبار مظاهر التطاول عليه من مصادر العزة والجاه، ومن ثم تناسب مجاله مع ممارسة مختلف دروب الفساد، بما في ذلك التآمر على مساعدة الأبناء على الغش في الامتحانات المدرسية، بدلا من اعتبارها مقياسا موضوعيا لمستوى تحصيلهم، نظرا لانعدام الثقة في كل ما يشير إليه ذلك الكيان، لتداخله مع الاستعمار والذكريات غير البهيجة، فباسم مشروع الدولة الوطنية القزمية تكرست محنة الأمة، ودمرت مصائر أبنائها ومصالحهم، وآخر حلقاتها التطاول على حقوق مصر المائية، التي ما كانت لتخطر على البال لولا النزعة الانفصالية لبعض قادتها. وحيثما يكون الدين مجرد شكليات لإضفاء الشرعية على مصالح مجموعات بعينها، ودرء وصف ممارساتها بالفساد، رغم أنها لا تختلف عن سلوكيات الآخرين، بما في ذلك قتل النفس البشرية التي حرمها الله، وهتك العرض، إلا من حيث أنها ترتكب باسم الله، فثمة اضطراب يفضي إلى تحويله إلى أداة ايديولوجية مختطفة من جماعة أو طبقة معينة، وباسم الله ترتكب الفظائع. ـوحيثما تكون المرأة ‘كائنا مؤمما’ كملكية جماعية، يحق للجميع التحكم في خياراتها حتى الشخصية منها بحيث تجسد وضعيتها ‘نموذج الاضطراب’ فعندما يتعلق الأمر بحقوقها، تصدق أنها مساوية للرجل في إمكانياته، ومن ثم في حقوق المواطنة، وتطالب بنصيبها من الغنائم أو الفوائد، ولكن عندما يتعلق الأمر بدورها في أداء واجبها، أو منطلق استحقاقها لمركزها، تتنكر لجدارتها بمساواة الرجل تلك، وتتذرع بتسويق تدني خاصيتها البيولوجية، وفي نفس الوقت لا تجد حرجا في مساومة الرجل حول ثمن زواجها منه، ‘مهر الزواج’ كشيء ما، قابل للشراء والتأجير، مع البقاء على التطلع إلى حقها في المساواة الأسرية، بل وباسم ‘الحق المقدس’ لعلاقة الأم بابنائها حسب تعبير (باخوفن) تعتبرهم ملكية خاصة بها، ومن ثم لا تتورع في حالة الانفصال، عن التلويح بالاستخدام ‘الباغي’ في ‘مقايضة’ رغبة الآباء في إشباع عاطفتهم الأبوية من أبنائهم بمال النفقة، ما يفضي إلى اضطراب في كينونة هويتها ‘ككائن بلا أنا أو كائن بغيره’ ومن ثم تكون عرضة لتدني الإدراك والعجز عن ملاحظة المتناقضات، والانتقال من النقيض إلى النقيض، فهي دائما خاضعة للتشيؤ، فإذا تحجبت استحالت إلى موضوع لفضول شهوة الاستطلاع، وإذا تسفرت استحالت إلى موضوع للفرجة الفاجرة، وحيث يكون ذلك كذلك، فثمة اضطراب يفضي إلى ضرورة التساؤل عن إمكانية من لا يأتمنها المجتمع بذكوره وإناثه، حتى على شرفها الشخصي، في السماح لها بالمسؤولية القانونية الأولى على غيرها، مثل أطفالها؟ فما بالك بالمسؤوليات العامة والحساسة التي تتعلق بتقدم وسلامة مجتمع بكامله، تربويا، طبيا وقانونيا؟ فهل العرب بحاجة إلى عيادة إصلاحية جماعية؟ وهل يمكن لتشكيل كتلة تاريخية من المثقفين العضويين، تدبر ذلك عبر وسائل الإعلام، ومناهج التربية و التعليم، والمؤسسات الدينية والاجتماعية المختلفة؟ أم أن روافد تلك الدوامة من الجهل والتخويف والطمع، كفيلة باستمرارها إلى حين؟