بغداد ـ «القدس العربي»: مع غياب أية مؤشرات على نهاية دوامة العنف الأسري المتصاعد في العراق منذ سنوات، لا يكاد يمر يوم إلا وتطالعنا الأخبار عن قصص جديدة من العنف الأسري الذي يستشري كالنار في الهشيم في المجتمع العراقي ضمن تداعيات تدهور البلد، وسط دعوات للحكومة والبرلمان للتحرك وحماية المرأة والأسرة، وضرورة إصدار القوانين التي توفر الحماية للأسرة وتردع مرتكبي الاعتداءات.
وفي آخر حوادث الانتهاكات والاعتداءات على المرأة والأسرة، ارتكب رجل مجزرة عندما أقدم على قتل زوجته ووالدها ووالدتها واختها، بإطلاق النار عليهم في محافظة بابل جنوب بغداد بسبب خلافات عائلية، وقد لاذ القاتل بالفرار إلى جهة مجهولة.
كما عثرت قوة أمنية في العاصمة العراقية بغداد قبل أيام، على جثة فتاة عراقية تبلغ من العمر نحو 20 عاما «مقطوعة الرأس» وعليها آثار طعنات سكين، ضمن مدينة الصدر شرق العاصمة بغداد. وقد تمكنت السلطات الأمنية من اعتقال المتهم بارتكاب الجريمة الغامضة، الذي لم يكتف بقتل الفتاة وفصل رأسها عن جسدها، بل قام بحرق الرأس بهدف إخفاء الملامح، دون الإعلان عن الدوافع وراء ارتكاب هذه الجريمة البشعة.
وفي العمارة جنوب العراق، أعلنت وزارة الداخلية عن تحرير فتاة مختطفة منذ ثلاثة أشهر واعتقال خاطفها. وقالت الوزارة في بيان، إن «قوة من قيادة شرطة محافظة ميسان/ قسم مكافحة الإجرام، حررت فتاة مختطفة وألقت القبض على الجاني بعد استدراجه بكمين محكم».
فيما تداول ناشطون وقنوات فضائية محلية فيديو عن قيام أب بتعذيب أطفاله وتصويرهم للضغط على مطلقته التي تركتهم عند أبيهم. وظهر الأب في الفيديو الذي صوره بنفسه وهو يوقظ طفليه من النوم ليفاجأهم بوصلة من الضرب والتعذيب وسط صراخهم وتوسلهم لأمهم لتأتي وتأخذهم. وقد تمكنت السلطات الأمنية من الوصول إلى بيت الأب الذي هرب، وتم أخذ الأطفال إلى عائلة والدتهم.
وكان الرأي العام قد انشغل مؤخرا بحادثة قتل المدونة طيبة العلي على يد والدها في الديوانية، بعد فرارها إلى تركيا وزواجها من سوري. وازاء تفاقم العنف الأسري شهدت مدن العراق العديد من التظاهرات والتجمعات الاحتجاجية، أبرزها التظاهرة التي نظمتها مؤخرا ناشطات ومنظمات المجتمع المدني، أمام مجلس القضاء الأعلى في بغداد، للتعبير عن الاحتجاج والغضب على الجرائم التي ترتكب بحق النساء، ودعوة القضاء إلى توفير قوانين رادعة لمرتكبي العنف ضد المرأة المتزايد، فيما أكدت المشاركات في التظاهرة الاحتجاجية على مواصلة التحرك ضد زيادة العنف الأسري وحالات قتل النساء. وفي البصرة نظمت محاميات وناشطات، حملة ضد العنف الأسري وخاصة العنف ضد المرأة وطالبن عبر لقاء تلفزيوني، السلطات الأمنية والجهات القانونية بوضع حد للانتهاكات المتصاعدة ضد النساء ومطالبات بتشديد القانون ضد مرتكبي الاعتداءات.
الدكتورة ندى محمد الجبوري، العضوة السابقة في مجلس النواب ورئيسة منظمة المرأة والمستقبل العراقية أكدت لـ«القدس العربي» ان «ظاهرة ازدياد العنف الأسري جاءت جراء تراكمات كثيرة من سنوات العنف التي مر بها العراق والأسرة العراقية. وان انتشار المخدرات بشكل كبير وفقدان فرص العمل والبطالة، هي من الأسباب الرئيسية للعنف الأسري وازدياد حالات الطلاق».
وأشارت الجبوري «تعمل منظمتنا (المرأة والمستقبل) منذ تأسيسها عام 2005 في الشأن النسوي وخاصة العمل على إيقاف العنف المبني على النوع الاجتماعي للمرأة والفتاة الصغيرة، وكذلك العنف الجنسي، حيث نظمت المنظمة العديد من حملات المناصرة والمدافعة بهذا الشأن. وخلال فترة كوني عضوة سابقا في لجنة المرأة والعلاقات الخارجية النيابية، عملت من أجل تفعيل القوانين الدولية وتعديل التشريعات العراقية لتمرير قانون مناهضة العنف الأسري داخل مجلس النواب العراقي والذي لم يمرر حتى الآن».
وكشفت الجبوري ان «تمرير مسودة قانون العنف الأسري مر بمراحل كثيرة منذ نحو عشر سنوات، ولا توجد هناك إرادة سياسية للأحزاب الكبيرة بتمرير هذا القانون، لأن هناك تفسيرات خاطئة بان هذا القانون قد يكون ضد الشريعة الإسلامية وهذا ليس صحيحا بل بالعكس، ان الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم نصا على حماية الأسرة واحترام المرأة ورعايتها بالتالي هذه أفكار ليست صحيحة. وأعتقد ان هناك مصالح شخصية تخص شريحة من الرجال المطلقين والذين لا ينصفهم القانون عند مشاهدة أطفالهم، لكن كما نرى، يوميا تزداد حالات العنف الأسري من قبل الأزواج أو زوجة الأب أو من قبل أولياء الأمور ومن يصرف لإعالة الأطفال في حالة أخذهم من الأب أو عندما تكون الأم فقيرة ولا تستطيع رعاية أطفالها».
وأضافت «أما بالنسبة للملاذات الآمنة للنساء، ورغم كل الاجتماعات حول الموضوع مع الجهات الحكومية ولجنة الأمومة والطفولة، نجد انه لا يوجد قانون يشكل المظلة الكبيرة لهذه الملاذات ولا يوجد عمل مشترك وواضح بين منظمات المجتمع المدني وبين وزارة العمل من أجل إدارة مراكز الإيواء في المرحلة المقبلة».
ويذكر انه لا توجد في العراق سوى 6 «ملاذات آمنة» للنساء المعنفات، 3 منها في إقليم كردستان و3 في بغداد والأنبار ونينوى. وتوفر الملاذات المأوى المؤقت للنساء والفتيات المعنفات والمهددات وتوفر إيضا الحماية والمبيت والطعام وخدمات التوعية النفسية والصحية والاجتماعية لحين حل مشكلاتهن والعودة إلى حياتهن الطبيعية.
إحصائيات العنف الأسري
وحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية العراقية في أيلول/سبتمبر 2022 فإن النصف الأول من العام، شهد «معالجة 754 حالة تعنيف للنساء، و233 حالة تعنيف مماثلة لرجال، و55 حالات تعنيف أطفال، بالإضافة إلى إعادة 62 فتاة هاربة، ورصد ومتابعة 22 طفلاً هارباً، فضلاً عن إنقاذ 22 من كبار السن وأربعة أطفال نتيجة التعنيف». كما أعلنت وزارة الداخلية العراقية عام 2020 عن وقوع 15 ألف حالة عنف منزلي.
أما في كردستان العراق، فقد ذكرت إحصائيات مديرية الشرطة في عام 2022 أن «العنف ضد المرأة في تصاعد بحيث بلغت الحالات التي سجلتها مراكز الشرطة 1079 حالة، مقارنة مع 715 حالة عام 2008».
ويذكر ان منظمة الأمم المتحدة للسكان، كشفت عام 2021 ضمن نتائج مسح الأوضاع الاجتماعية والصحية للمرأة في العراق، عن تعرض 29 في المئة من النساء في العراق لكافة أشكال العنف. ولذا حثت الأمم المتحدة، البرلمان العراقي على الإسراع في إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، وقالت إن هناك «تقارير مثيرة للقلق عن ارتفاع في حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الأسري في جميع أنحاء البلاد».
وغالبا ما توجه انتقادات واسعة للحكومة والبرلمان، بسبب التقصير في مواجهة تصاعد العنف ضد المرأة والأسرة، وقصور القوانين الحالية عن التعامل مع هذه القضية الحساسة، التي تلحق الضرر الفادح ببناء الأسرة السليمة، وهي تعود إلى ثقافة مجتمع عشائري مدعوم من قوى الإسلام السياسي، التي تسعى إلى تقييد حرية المرأة وطاقاتها الإبداعية. وهذا ما يجعل تشريع قانون «الحماية من العنف الأسري» ضرورة لا بد منها للحد من استمرار وقوع المزيد من الجرائم ضد النساء ومنع إفلات الجناة من العقاب.