د. بشير موسي نافع
تتسع الفوضي الامريكية بلا هوادة، عاصفة باستقرار المنطقة العربية وشعوبها. ولكن هذه الفوضي ليست فوضي مطلقة، بلا ناظم ولا هدف، كما قد يتصور البعض. هذه فوضي خلاقة، بمعني أنها تستهدف قوي وأوضاعاً معينة، مهما كان الثمن الذي تدفعه الشعوب، من أجل إعلاء قوي أخري وخلق أوضاع جديدة، مختلفة. وهي فوضي ما كان يمكن لها أن تتحقق لولا وجود قوي وتيارات وشخصيات من أبناء المنطقة، يقف بعضها في مركز موقع القرار، تعمل بكل جهد ممكن لوصولها إلي أهدافها. بل أن جهود وقناعات القوي المحلية تفوق أحياناً جهود وقناعات مهندسي الفوضي الأصليين وراسمي اتجاهاتها. حتي بعد الغزو والاحتلال ما كان للعراق أن ينحدر إلي هذه الفوضي الدموية التي انحدر إليها لولا وجود سياسة دفعته إلي هذا المنحدر. عندما يأتي المحتل إلي بلد موحد، تجمع أبناءه روابط التاريخ والمعتقد والهوية القومية والوطنية، كما المعاش والمصاهرة وآلام الحصار والحرب، ويعيد بناء اجتماعه السياسي علي أساس الجنوب والوسط والشمال، المسلمين وغير المسلمين، السنة والشيعة، والعرب والأكراد، فكيف يمكن لهذا البلد الحفاظ علي وحدته؟ لو أن دولة من أكثر الدول الأوروبية الغربية استقراراً تعرضت لاحتلال كالذي تعرض له العراق، ووجدت نفسها بين عشية وضحاها وقد أقيمت حكومتها وبرلمانها ووزاراتها وجيشها وقواتها الأمنية علي أساس نسب الطوائف والإثنيات التي يتشكل منها الشعب، وسلمت مقاليدها لحفنة من المنتفعين، الذين يمثلون كل ما هو نقيض لأهل الدولة والحكم، فلن تنتهي إلا إلي ما انتهي إليه العراق، وربما ما هو أسوأ. ربما كان صحيحاً أن إدارة الاحتلال لم تكن تخطط ولا هي أرادت أن يصبح العراق ما أصبحه، ولكن الصحيح أيضاً أن المحتلين حملوا معهم من البداية تصوراً لعراق (وللمنطقة ككل) منقسم علي نفسه، عراق مصطنع، ينبغي إعادته إلي مكوناته الأولية. تشظية العراق كانت في صلب مشروع الاحتلال. كل ما في الأمر أن مهندس التشظية فقد السيطرة علي العملية، التي سرعان ما انفجرت في وجه مصداقية وعود الازدهار والديمقراطية التي تعهدها.
ويعيش لبنان هو الآخر فوضي من شلل الدولة والحكم والنظام الدستوري، توتر طائفي، انقسام المجتمع السياسي علي نفسه، صدامات دموية وانفجارات وحوادث اغتيال، قوات دولية تحتل كل الجنوب والساحل، ميليشيات تتلقي التدريب هنا وهناك، سلاح يكدس، ومستقبل مفتوح علي ما هو أسوأ. وكما العراق، لم يكن مهندس الفوضي اللبنانية قد وضع في حسابه وصول الأمور إلي ما وصلت إليه. كان يفترض بعد غزو العراق أن تنهار دول بدون أن يتكلف أحد غزوها أو احتلالها، وأن تصوب دول سياساتها بما يتفق وتوازن القوي والتهديدات الماثلة، وأن تعيش دول أخري حالة من الخوف والحصار. وقد كانت سورية علي رأس الدول المستهدفة. وعندما لم ينجح مشروع العراق، وضع سيناريو جديد، سيناريو الحصار اللبناني. خرجت سورية من لبنان ولكن نظامها لم يسقط، ولا سقطت القوي الحليفة لها في لبنان نفسه. ولأن هذه النتيجة لم تكن متوقعة كذلك، فقد كان لابد من اللجوء إلي أداة القمع والتغيير الرئيسية في المنطقة، إلي الدولة العبرية. ولأكثر من شهر في الصيف الماضي، وحتي بعد أن لم يتبق في جدول الأهداف ما يقصف، تعرضت مناطق نفوذ حزب الله وأغلب لبنان لقصف إسرائيلي غير مسبوق، ولاجتياح عسكري طاحن في الجنوب. لم يكن متوقعاً للبنان أن يصمد في مواجهة العدوان؛ ولكن لبنان صمد، رد العدوان، وأدخل الدولة العبرية ذاتها في أزمة. فكان لابد بالتالي أن تعيد سياسة الفوضي إنتاج نفسها، أن تدفع بالانقسام اللبناني الداخلي إلي مرحلة جديدة، أن تكسر القوي المعادية لها بأيدي قوي لبنانية، أو حتي بالإغراق في وحل الفوضي والانقسام.
ولا يبدو الوضع الصومالي مختلفاً كثيراً؛ فالنظام الذي حاولت المحاكم الإسلامية إقامته، كان النظام الوحيد الذي حمل للصوماليين أمل الاستقرار وبناء الحياة، للمرة الأولي منذ انهيار النظام الصومالي قبل أكثر من عقدين. ولكن السؤال في واشنطن وعدد من العواصم الغربية لم يكن سؤال مصلحة الصوماليين، بل العلاقة الوهمية بين المحاكم (التي جاء علماؤها من كافة الخلفيات الإسلامية) وتنظيم القاعدة. والمدهش، أنه لا خلال فترة سيطرة إسلاميي المحاكم علي العاصمة مقديشو، ولا بعد إطاحة نظام المحاكم، شهد العالم دليلاً واحداً علي مصداقية نظرية الصلة مع القاعدة. في النهاية، بالطبع، أسقطت المحاكم بغزو خارجي، قادته إثيوبيا، الدولة التي يفصل بينها وبين الصوماليين عداء تاريخي. وربما لم يكن الغزو الإثيوبي ممكناً بدون غطاء من الحكومة الصومالية المؤقتة، أو علي الأصح بعض من أطرافها، وهي الحكومة التي لم يكن لها من سيطرة علي الشأن الصومالي خارج المدينة الصغيرة التي تواجدت فيها. كان المفترض أن تضع هزيمة نظام المحاكم نهاية لها ولمناصريها، ولكن الواقع لم يتطابق مع المفترض، وعاد الصومال إلي دوامة الحرب من جديد، حرب مقاومة الغزاة الإثيوبيين وحرب الصوماليين ضد بعضهم البعض. أمل الاستقرار الذي راود الصوماليين قبل عام، يغرق الآن في حقبة الفوضي المستوردة من الخارج، بعد أن وقفت قوي الخارج تمنع موازين القوي الداخلية من أن تأخذ مجراها.
بيد أن أصعب حلقات الفوضي هي تلك التي تكاد تعصف بالحركة الوطنية الفلسطينية. ليس فقط لأن فلسطين هي قضية القضايا للعرب والمسلمين، ولكن أيضاً لأن الفلسطينيين يعتبرون من أكثر الشعوب العربية والإسلامية خبرة ووعياً وقدرة علي النفاذ خلف ظواهر الأمور. الصدامات التي شهدها قطاع غزة بين القوات التابعة لحركة حماس، وبعض أجنحة فتح المسلحة وعناصر الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس محمود عباس، مواقع الموت والقتل، والقتل الوحشي أحياناً، تستهدف إطاحة حماس، إدخال الوضع الفلسطيني في حالة من عدم التوازن، وتقديم صورة من الفشل والانهيار والتشظي لكل الحركة الوطنية الفلسطينية. ولكن الفلسطينيين لم يكونوا في وارد هذه الصدامات، علي الأقل بهذه السرعة، بعد شهور قليلة من توقيع مصالحة مكة. الحقيقة، أن مصالحة مكة، وما تبعها من تداعيات عربية، تقع في قلب هذا الانفجار الفلسطيني الداخلي. ثمة خلية شريرة، خلية من مسؤولين عرب كبار، يتوزعون علي عدد من الدول العربية، يجمعهم بالسياسة الامريكية (والإسرائيلية، بالتأكيد) هاجس إعادة رسم خارطة القوة السياسية في عدد من بلدان المنطقة، هاجس الإيمان القاطع بصواب رؤيتهم للأمور وبأن شعوب المنطقة والكثير من قواها لا تعرف حدود الخير والشر كما يعرفونها هم. ولا يبدو أن ثمة سقفا للمدي الذي يمكن لهؤلاء الذهاب إليه في محاولة فرض رؤيتهم علي المنطقة العربية ـ الإسلامية وشعوبها. وكما يعبث هؤلاء بالوضع اللبناني الداخلي، ولا يكترثون بدفع سورية علي ذات الطريق الذي دفعوا إليه العراق، فإنهم يبذلون كل جهد ممكن لإعادة عقارب الساعة الفلسطينية إلي الوراء. بالرغم من اتفاق مكة، بل ربما بسببه، لم يعد ممكناً بالنسبة لهؤلاء احتمال استمرار وجود حماس في الحكومة الفلسطينية، وكان لابد من دفع الوضع الفلسطيني إلي الانفجار، أولاً لتحويل حالة الصراع الداخلي إلي طقس معتاد، يتصاعد قليلاً، قليلاً، إلي مستوي الانفجار الشامل، وثانياً لإسقاط حماس في وحل الفوضي والاصطراع الداخلي، تمهيداً لعزلها شعبياً. التصريحات التي لم يقصد تسريبها للعلن لزعماء عرب كبار حول التهديد الذي تمثله حماس واليأس من التعامل معها، جلوس الرئيس الفلسطيني في رام الله متفرجاً علي صدامات قوي شعبه الدموية، الوهم المضخم الذي روجت له دوائر عربية حول ما يمكن أن تحققه إعادة تفعيل المبادرة العربية، المئات من قوات حرس الرئاسة الفلسطينية، التي فتح لها معبر الحدود المصرية ـ الفلسطينية خصيصاً للعودة من دورة تدريبها في مصر إلي قلب الصراع الدائر في غزة، كلها مؤشرات لا تخفي علي الاتجاه الذي يراد للفلسطينيين الذهاب إليه. فما الذي يغيب عن هذه الفوضي الممتدة، التي تحاول امتصاص الوضع الفلسطيني إلي غمارها؟
يغيب عن مهندسيها، مهندسو الخارج والداخل علي السواء، أن المتغيرات التي تعصف بالمجتمعات العربية ـ الإسلامية والتي أدت إلي بروز قوي مثل المقاومة العراقية، حزب الله، حماس، المحاكم الصومالية، وحتي حركة طالبان، هي متغيرات حقيقية. ربما لن يبقي أي من هذه القوي علي ما هو عليه بعد عام أو عامين، فهذه في النهاية ظواهر تاريخية وليست كيانات مقدسة، وهي بالتالي تؤثر وتتأثر بالظروف الموضوعية المحيطة بها. ولكن التخلص من هذه القوي بعملية جراحية أو بانقلاب سياسي ما ليس ممكناً. الأصوات التي أعطيت لحماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة هي أصوات حقيقية، انهيار الشرعية الذي تعانيه السلطة الفلسطينية منذ زمن هو انهيار حقيقي، وما تمر به فتح، سياسياً وتنظيمياً، هو أزمة حقيقية وملموسة. تماماً كما أن من المستحيل تجاهل الإنجاز الذي حققته المقاومة الإسلامية في لبنان في ربيع 2000 وفي صيف العام الماضي، أو التعامي عن فشل مشروع الاحتلال في العراق. عقارب الساعة لا تعود إلي الوراء، بغض النظر عما إن كان المستقبل سيكون أفضل أو أسوأ.
يغيب عن مهندسيها أن المشروع الأكبر الذي انطلق منذ أكثر من أربعة أعوام لتغيير وجه مجتمعات المنطقة وبنيتها قد أخفق، وأن هذا التوالد لاستراتيجية الفوضي هو في حد ذاته مؤشر إخفاق. عندما يصل وضع الاحتلال في العراق إلي ما وصل إليه، عندما يتهاوي أبطال غزو العراق، أنكلو ـ أمريكيين وعراقيين، الواحد منهم تلو الآخر، فمن العبث محاولة إنقاذ المشروع في لبنان وسورية وفلسطين والصومال. هذه محاولات دموية ومكلفة في الوقت الضائع، محاولات لن تنقذ المشروع، ولن تؤدي إلا إلي مزيد من الآلام لشعوب المنطقة، مزيد من الكراهية علي مستوي علاقات شعوب المنطقة بالولايات المتحدة والقوي الغربية، ومزيد من التطرف في علاقات قوي المنطقة السياسية بعضها بالبعض الآخر. ويغيب عن مهندسيها العرب والمسلمين، وفيما يتعلق بفلسطين علي وجه الخصوص، أنه حتي إن نجحت محاولات إعادة صياغة الخارطة السياسية في الساحة العربية، فإن أهدافهم النهائية غير قابلة للتحقق. القصف المستمر لقطاع غزة، الذي انطلق حتي قبل أن يتوقف إطلاق النار بين الفرقاء الفلسطينيين، هو دليل علي أن القيادة الإسرائيلية لا تريد لا المبادرة العربية ولا شركاء السلام في قيادة السلطة، لا حماس ولا فتح. القيادة الإسرائيلية لا تريد أصلا وجود الشعب الفلسطيني. 9