نصر شمالي ليست جامعة الدول العربية ندّاً للاتحاد اليوغسلافي المنهار، ولا للاتحاد الماليزي القائم، ولا للفيدرالية أو الكونفدرالية السويسرية، فهذه الجامعة هي حقاً أقلّ من ذلك، لكنّ الناس البسطاء في البلاد العربية نظروا عموماً إليها ككيان عملاق وملاذ آمن للمجتمعات العربية المعذّبة، بل إنّ بعض الناشطين السياسيين ما زالوا ينظرون إلى أمينها العام كأنّما هو ملك العرب أو رئيسهم جميعاً، فتسمعهم يتهمونه بالتقصير لأنّه لم يهبّ لنجدة غزّة، مثلاً، أثناء محنتها العظمى، بينما الرجل ليس أكثر من سكرتير عند الملوك والرؤساء، تقتصر وظيفته على متابعة تنفيذ ما اتفقوا عليه. لقد تأسست جامعة الدول العربية (ومجمل الهيئات الإقليمية الدولية الموازية في العالم) في تلك اللحظة التاريخية التي استدعت تأسيس هيئة الأمم التي نهضت لتحقيق أغراض محدّدة، فكان على الهيئات الدولية جميعها الدوران في فلك الهيئة المركزية الأم، أي في فلك هيئة الأمم، والتكامل معها في وظائفها، وقد حدث ذلك في نهاية الحرب العالمية الثانية، في أربعينيات القرن الماضي، حين خرجت الولايات المتحدة من تلك الحرب فتية قوية منتصرة، مسيطرة على حلفائها المنهكين ومتفوقة على أعدائها المهزومين، وحيث باشرت واشنطن إعادة ترتيب أوضاع العالم بما يتفق مع مصالحها الخاصة، ومع عقيدتها الاستعمارية الجديدة التي تناقض أسلوب الاستعمار العسكري الأوروبي، فجاء تأسيس هيئة الأمم، ثم تأسيس الهيئات الإقليمية الموازية في العالم، وفي جملتها جامعة الدول العربية، باعتباره الصيغة البديلة الكفيلة بملء الفراغ العسكري الاستعماري في البلدان التي سوف تستقلّ، إنّما سوف تبقى خاضعة للاستعمار والاحتكارات في الوقت نفسه!
وبالفعل، فإن حكومات الأمم ‘المستقلّة’ عموماً تكفلت بحفظ الأمن والاستقرار في بلدانها لصالح الاحتكارات الدولية الربوية، أي لصالح الاستعمار في حلّته الجديدة، وذلك من خلال انخراطها عضوا في شبكة الهيئات الدولية، وأولها هيئة الأمم التي أبدعها العقل الاحتكاري الأمريكي، والتي ليست في حقيقتها سوى مصيدة للشعوب، أو وعاء لاحتواء الاندفاع الأممي من أجل التحرر والنهوض، وهو الاندفاع الهائل الذي شهده العالم عقب تلك الحرب.
لقد انطلقت واشنطن تستبدل قيود الجيوش المحتلة بقيود المصارف والقروض والفوائد، وبقيود الخبراء الأجانب والاستخبارات، وأيضاً بقيود القوى المحلية الوطنية التابعة، العسكرية والمدنية، فهي كانت تعمل على كنس جيوش المستعمرين الأوروبيين، وإيهام المستعمرات أنها غدت مستقلة، لتحتوي الطرفين بأساليبها الجديدة، إنما في ظل القانون الرأسمالي الاحتكاري الثابت، الذي لا ينهض النظام الرأسمالي الاحتكاري الدولي من دونه، وهو فرض التفاوت في النمو والتطور بين الأمم! إنه القانون الذي يشكل روح العصر الرأسمالي، الذي جعل أربعة أخماس العالم يحصلون بشق الأنفس على أقل من خمس الإنتاج والاستهلاك العالمي، بينما الخمس يحظى لوحده بأربعة أخماس الإنتاج والاستهلاك. ولقد جاءت وظائف جامعة الدول العربية متفقة تماماً مع وظيفة هذا القانون، ولم تقدم الجامعة أبداً على أية خطوة تتعارض معه! إن هيئة الأمم، في تكوينها ووظائفها، أشبه بشركة رأسمالية عادية مساهمة، فاجتماعات هيئتها العامة تضم مالك السهم الواحد الذي يساوي سهمه مبلغاً تافهاً، وتضم مالك آلاف الأسهم الذي تساوي أسهمه ثروات طائلة. ومثلما يحدث في الشركة العادية، تتحول أسهم الأكثرية من الصغار/الفقراء، المجتمعين في هيئة الأمم، إلى أرقام ضخمة تنـــضم تلقائياً إلى أرقام الكبار من الأقلية/الثرية، الأعضاء الدائمين في مجلـــس الأمن وحلفائهم الأثرياء، وتنضم خصوصاً إلى أرقام أو أسهم رئيس مجلس الإدارة الأمريكي، أما المساهم الصغير/الفقير، وأقرانه في الأكثرية الساحقة، فيبقى ضعيفاً يعاني الإحساس بالعجز والدونية، ويعزّي نفسه بأنه يحتل مقعداً ويملك صوتاً في الهيئة العامة، مثله مثل الفرنسي والبريطاني والأمريكي، مع أنّ هذا الصوت يكتم غالباً بمطرقة حق النقض (الفيتو) الذي يحتكره الكبار! لقد ساهمت خمس دول عربية في تأسيس هيئة الأمم، ثم في تأسيس جامعة الدول العربية، لكنها في الحالتين لم تكن مبدعة مبادرة، بل مستجيبة طائعة! فبصدد تأسيس الجامعة رأت لندن توظيف نضال العرب الوحدوي لصالحها، مستفيدة من وجودها العسكري في مصر وفلسطين والأردن والعراق، محاولة وإن على مضض التكيّف مع الصيغة الاستعمارية الحديثة التي فرضها الأمريكيون، فأعلن وزير الخارجية أنطوني إيدن أمام مجلس العموم، في 7/11/1943، ما يلي: ‘لعلمكم الخاص، فقد زار رئيس وزراء العراق القاهرة ليبحث مع رئيس الوزراء المصري تنشيط روح التعاون العام بين الأقطار العربية، وخلال الاجتماع بين الرجلين وافق النحاس على الدخول في محادثات مع حكومات الدول العربية الأخرى بهدف اكتشاف ما بينها من أسباب اتفاق، وإذا تمخّض عن هذه المحادثات قدر كاف من الاتفاق فالمقترح عقد مؤتمر في القاهرة تحضره جميع الدول العربية المعنية للتوصل إلى اتفاق عام’. لقد كان هذا التصريح البريطاني بداية الانطلاق العملي لتأسيس الجامعة. وبالطبع، أرادت لندن من وراء ذلك تدعيم نفوذها الدولي المتقلقل، على حساب الفرنسيين وفي مواجهة الأمريكيين، مؤمّلة أن تبقى الجامعة تحت سيطرتها. وأرادت أيضاً قطع الطريق على النضال العربي الوحدوي الحقيقي، وتقديم الجامعة للعرب باعتبارها الوحدة التي ينشدونها. كذلك هي أرادت التحكم بالوضع العربي ممثلاً بالجامعة كي تحول دون أية مقاومة مجدية لعملية اغتصاب فلسطين. وواقع الحال هو أن ما تحقق ليس سوى تشكيل هيئة عربية إقليمية، من طراز الكومنولث البريطاني، والفرانكفونية الفرنسية، هيئة تتناغم مع طبيعة التشكيلة المركزية الأم (هيئة الأمم) وتدور في فلكها، ولكن سرعان ما اضمحل النفوذ البريطاني دولياً وإقليمياً ليحل محله النفوذ الأمريكي، وصارت جامعة الدول العربية، منذ الخمسينيات، حاضرة فعالة في بعدها الدولي، تقوم بمهمة ملء الفراغ الذي خلّفه الاستعمار المباشر إلى حد كبير، وهي عاشت طويلاً لأنها كذلك.
لقد شهدت الجامعة محاولات عديدة لتغيير وظائفها الأصلية في خدمة النظام الدولي، ولجعلها تنصرف لخدمة أمتها، لكن تلك المحاولات باءت عموماً بالفشل. وحين جرّبت بعض الحركات والأنظمة العربية الخروج على الترتيبات الاستعمارية فإنها لم تصطدم بالعواصم الاستعمارية وحسب، بل بالجامعة قبلها. ولا غرابة حيث ميثاق الجامعة ينص على الاعتراف بسيادة واستقلال كل من الدول الأعضاء بحدودها القائمة. وعلى الاعتراف بالمساواة التامة بين الدول الأعضاء كبيرها وصغيرها. وعلى الاعتراف لكل دولة بحق إبرام المعاهدات والاتفاقات وأنه ليس هناك إلزام لانتهاج سياسة خارجية موحدة. وينصّ على عدم اللجوء إلى القوة لفض النزاعات، وأنّ مجلس الجامعة يقوم بالوساطة بين الدول الأعضاء بناءً على طلبها.. الخ. أي أنّ مهمة الجامعة، باختصار، هي تكريس التجزئة العربية، بما يترتّب على العرب من ضعف وهوان، لصالح وحدة النظام الدولي وما تحققه للاحتكاريين من قوة وعنفوان. ‘ كاتب سوري