دور الجيش الأردني في الضفة الغربية

حجم الخط
0

جمال الطاهات

بعد دور إنساني واقتصادي أردني في الضفة الغربية علي مدي فترة طويلة، يأتي الحديث عن دور أمني أردني في الضفة الغربية. وبغض النظر عن صيغة وعنوان هذا الدور، أكان تحت لافتة جيش التحرير الفلسطيني (قوات بدر)، أو من خلال وحدات عسكرية أردنية أخري، سيبقي هذا الدور مشبعا بالقيمة السياسية. وبالرغم من أنه لا يوجد موقف أيديولوجي ضد هذا الدور، ولا يوجد ما يبرر موقفا مطلقا يمنعه أو يعترضه، ولكن هناك حاجة لتوفر إطار سياسي له.

وحتي توضع الأمور في نصابها، فإن طبيعة الجيش الأردني كمؤسسة وطنية أردنية، تجعل من المستحيل الحديث عن دور له في الضفة الغربية دون إطار سياسي، يربط هدف هذا الدور بالأمن الوطني الأردني.

ولنقل بصراحة ووضوح فإن الجيش الأردني ليس قوات مرتزقة تبحث عن دور. إنه مؤسسة وطنية لا يمكن لها أن تقوم بأي دور دون سياق سياسي واضح، ودون مشروع سياسي يحمي ويصون دور وقيمة وروح الجيش. فرغم الحرفية العالية للجيش الأردني، إلا انه أحد أهم روافع الشرعية السياسية. وهو أيضاً أحد أهم ديناميكيات تشكيل الوطنية الأردنية. وهذا الدور السياسي الاجتماعي يعيد إنتاج سبب آخر من ضرورات توفر سياق سياسي واضح المعالم لضمان فاعلية دور المؤسسة العسكرية والأمنية.

لقد كان الجيش الأردني، وحتي وقت قريب، هو عماد عملية التحول الاجتماعي والاقتصادي، وهو أحد أهم روافع مشروع النهضة والتقدم في الدولة. فالجيش الأردني يحظي بإجماع وتأييد كمؤسسة تمسكت بفكرة الوطن وحمت هذه الفكرة من كل محاولات التقسيم وكوتات دوائر النفوذ. والتصق الجيش بفكرة الأردن التي تأسست كنقيض للمشروع الصهيوني. وبقي الجيش الأردني هو الرافعة المركزية للحفاظ علي مساحة ومنصة لأغنية تغذي الفرح وتذكر بالشهداء. فالجيش وحده الذي مكن فكرة الأردن أن تتجدد علي إيقاع زغرودة في جنازة شهيد. والجيش الأردني، منذ تشكيله، وما زال، يبني رصيده علي التضحيات والشهداء. فهو وإن قل محصوله من مجد الانتصارات العظيمة، لكنه يحافظ علي مجد التمسك بالفكرة العظيمة. وقد قاوم، وما زال يقاوم، كل المحاولات لإلحاقه بدكاكين السمسرة وتجار القيم والمعاني والأرض. ومن العار أن نخذله ونزجه بمعركة أو دور سياقه السياسي غير واضح، وأهدافه لا تنسجم مع روح الجيش. ورغم أن دور الجيش، إذا توفر الإطار السياسي، ستكون له انعكاسات إيجابية علي كل من فلسطين والأردن، وهو بلحظة من اللحظات ضرورة، إلا أن قيمة هذا الدور معلقة بالسياق السياسي، وقدرة الدبلوماسية الأردنية علي صيانة السياق السياسي المناسب الذي يبلور هدفا محددا للجيش الأردني في الضفة الغربية. هل سيأتي دور الجيش الأردني ضمن الترتيبات الراهنة التي تسعي إسرائيل من خلالها إلي محاصرة الشعب الفلسطيني وتقطيع أوصاله، وتحويل الجيش الأردني لممسحة تلم آثار الجرائم الإسرائيلية، وتتحمل تبعتها الأخلاقية، وتحرر إسرائيل من تبعة هذه الجرائم؟ أم أن الجيش الأردني سيدخل للضفة الغربية ضمن إطار سياسي مناسب مرتبط بتصورات واضحة لحل القضية الفلسطينية؟ الإطار السياسي هو الذي سيحدد إن كان دخول الجيش الأردني للضفة الغربية يأتي في سياق تصفية القضية الفلسطينية، أم في سياق حلها وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه، باعتبار ذلك ضرورة أمنية وطنية أردنية؟ التكامل الضروري بين العسكري والسياسي ميزة، يقود إهمالها أو التفريط بها إلي تعثر كل من السياسي والعسكري. الرؤية التي تدفع الجيوش للتحرك هي رؤية سياسية. والحقيقة التي تفرض نفسها حتي علي العميان هي استحالة أن يكون الجيش والمؤسسة الأمنية الأردنية قادران علي مواجهة استحقاقات الخطوات الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، دون توفر مظلة مبادرات سياسية وطنية تحمي سياق القضية الفلسطينية، وتحرم إسرائيل من التفرد بصياغة تفاصيل المشهد السياسي والأمني علي الساحة الفلسطينية. إذ أن توفر السياق أو الإطار السياسي، الذي يعترض جهود إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية ضرورة أمنية وطنية أردنية. فهذه أولوية وطنية للجهود السياسة وأولوية للجيش الأردني. ودور الجيش يجب أن يبقي متعلقاً بالمطلب الأمني الوطني الأردني، أكان ذلك بدور في الضفة الغربية أم بغيره. غياب الفعالية السياسية الأردنية المبادرة، إضافة إلي أنها تعرض الأمن الوطني للعديد من المخاطر، هي أيضاً سوف تجعل أي دور امني وعسكري أردني في الضفة الغربية تخليا عمليا عن الجيش وتسليمه للأقدار. فكل جيوش العالم تستنبط أهدافها من السياق السياسي الذي توضع فيه. وفي حال غياب الإطار السياسي الذي يرسم معالم حركة الجيوش فإنها تفقد قدرتها علي تحقيق أهم شروط النجاح وهي وحدة الهدف ووضوحه، وانسجامه مع قواعد التعبئة والحشد. الجيش الأردني عام 1948، استطاع أن يحمي القدس واستطاع أن يمنع الجيش الإسرائيلي من دخولها، وجرح في تلك المعارك شارون. وخسائر إسرائيل في تلك الحرب (حسب ألون قاديش احد مؤرخي العسكرية الإسرائيلية) وصلت ستة آلاف قتيل منهم 3800 في معارك القدس مع الجيش الأردني. منهم 450 من القوة التي كان يقودها رابين في اللطرون، حسب ما جاء في مذكراته. فحين كان السياق السياسي واضحاً استطاع الجيش أن يقاتل ويحقق إنجازات علي الأرض. ولكن هذا الجيش الذي حارب عام 1948 هو ذاته الذي هزم بسبب ارتباك المشهد السياسي عام 1967. وهو ذاته الذي استطاع رغم الهزيمة والخسائر الكبيرة التي لحقت به أن يسترد ثقته بنفسه وثقة المجتمع به بعد أقل من تسعة شهور علي تلك الهزيمة. والفارق الوحيد بين تلك الحروب هو توفر المظلة السياسية للهدف العسكري. المشهد الراهن به الكثير من التشابه لمشهد عام 1967. مع فارق واحد، هو أن الحسابات السياسية زجت الجيش عام 1967 لمعركة بأهداف ضبابية، والآن الحسابات الصغيرة تحرمه من وضوح الهدف السياسي لدور متوقع. لنعترف أن مصدر الارتباك عام 1967 هو أن خيار الحرب كان يتشكل في سياق ضبابي. والحديث عن دور أردني امني وعسكري في الضفة الغربية دون تبلور سياق سياسي واضح يحدد المصالح الوطنية بشكل حاسم سوف يؤدي إلي كارثة شبيهة بكارثة 1967. فالدور الأردني الأمني والعسكري يجب أن يتشكل في سياق يعطي أولوية مركزية للأمن الوطني الأردني، وليس في أي سياق آخر. والدور العسكري الأردني في الضفة الغربية لن يكون شبيهاً بدوره المشارك في قوات حفظ السلام الدولية. إنه دور مضمخ بالفاعلية والأثر والقيمة السياسية، ولا يمكن أن يكون أي جيش فعال في مثل هذه الحالة إن لم يكن السياق الذي يحدد الخيارات السياسية والأهداف التي يخدمها الجيش واضحة ومتبلورة بشكل حاسم ومنسجمة مع روحه. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية