دور السياسة في موازين القوى

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

السياسة ليست (فن الممكن) وفق التعريف الغورباتشوفي لها، فهذا التعريف أوصل الاتحاد السوفييتي والدول الأشتراكية الى الدمار والتفكك والانحلال والخراب. السياسة هي المواءمة بين العقيدة الاستراتيجية وممارسة التكتيك السياسي اليومي، وبذلك يخدم كل منهما الآخر. السياسة هي اجادة خدمة الهدف. السياسة هي الامساك الجيد بعوامل القوة. السياسة هي تجاوز موضوعي ذكي لعناصر الضعف. وان جاز لنا عنونة المرحلة الحالية بيننا وبين إسرائيل، فليس من الصعوبة بمكان الوصول إلى نتيجة مؤداها: أن إسرائيل تصنع يومياً حقائقها على الأرض، وأن الحالتين الفلسطينية والعربية بالنسبة للصراع معها، تتسمان بالعجز، الذي يقود إلى مزيد من العجز، في نفقٍ مظلم يبدو بلا نهاية. إسرائيل هي المعتدية والمحتلة للأرض الفلسطينية والعربية. بمعنى أنها الغاصبة للأرض وإرادة الإنسان، وهي المخالفة لقرارات الشرعية الدولية والمجتمع الدولي. والفلسطينيون والعرب هم أصحاب الحق، وهم المعتدى على حقوقهم في وضح النهار، وقرارات الأمم المتحدة أنصفتهم بعض الشيء، إن بالنسبة لحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، وحقهم في تقرير مصيرهم في دولة مثل باقي شعوب العالم، أو حق سورية في استعادة هضبة الجولان، ولبنان في استعادة الأراضي المحتلة في جنوبه من قبل إسرائيل، بالإضافة إلى أنه وفقاً لكل المقاييس والموازين الإنسانية والدولية، فإن قضاياهم في غاية العدالة ولا يستطيع أحد على مستوى العالم كله إنكار حقوقهم عليهم. من زاوية ثانية، فإن إسرائيل (مع استثناء سكانها الفلسطينيين) يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين من المستوطنين الغرباء، في الحين الذي يقترب فيه العالم العربي من مئتي مليون نسمة. وبالنسبة للثروات، فالعالم العربي مليء بها، وبمختلف أنواعها، وبالنسبة لكافة المقاييس الأخرى، فبالحتم أننا نتفوق على إسرائيل في الكثير من المناحي. بمعنى آخر ان لدينا فلسطينيين وعرباً من أوراق القوة التي تخدم الأمة العربية في كل ما تواجهه من معارك، (ونحن نفصل الفلسطينيين عن العرب مجازا ولخصوصية صراعهم فقط). أوراق القوة الكثيرة والوفيرة التي من المفترض أنها ترجح المكاييل العربية في موازين القوى مع إسرائيل تتنحى جانبا للأسف بفعل عوامل كثيرة. لذا وعلى الرغم من كل هذه الأوراق التي هي مصادر رئيسية للقوة لو أُحسن استثمارها واستغلالها، فإن الحالتين الفلسطينية والعربية لا تنتجان سوى العجز في كل الصراعات.

مناسبة الحديث هي أن الرئيس الفلسطيني طلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في القدس الشرقية التي يجري تهويدها امام أعين العرب (بمن فيهم الفلسطينيون) والمسلمين جميعاً والمسيحيين من العرب أيضاً. فالقدس هي تراث ديني عربي إسلامي لها قدسيتها الخاصة عند المسلمين والمسيحيين، ولا تعني الفلسطينيين فقط. نتنياهو يجيب على دعوات المجتمع الدولي لوقف الاستيطان بـ(اننا لن نجمد الاستيطان في القدس العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل). ووفقاً للخطة الإسرائيلية كما أعلنها العديد من المصادر، يجري التخطيط لهدم مدينة القدس الشرقية بالكامل وإقامة قدس جديدة إسرائيلية عليها. القدس الجديدة تشمل مستوطنات جديدة تغير واقع البلاد القديمة بالكامل (القدس الشرقية) من خلال إقامة ما تطلق عليه إسرائيل (الحوض الوطني)، بحيث تكون البلدة القديمة وسورها القديم مجرد أثر في معالم كاملة لحدائق توارتية وجسور وكنس في منطقة الحوض، التي تشمل البلدة القديمة وسلوان والشيخ جراح وواد الجوز والصوانة. الاستيطان أيضاً يجري في الضفة الغربية، حتى لو تم تمديد تجميده بفعل صفقة المغريات الأمريكية التسليحية والاقتصادية واللوجستية لاسرائيل، فسيتم ذلك اعلاميا، تماما مثلما تم في فترة التجميد المؤقت لعشرة شهور، فوفقا لمنظمة بيتسليم الاسرائيلية الحقوقية: كان الاستيطان أثناءها يجري طيلة ساعات اليوم. ومع أهمية الشكوى التي رفعها الرئيس الفلسطيني، لكننا ندرك الفيتو الأمريكي الغربي الجاهز على أية توصية من مجلس الأمن بإدانة إسرائيل. وكل ما يستطيعه المجلس إصدار بيان خجول يناشد إسرائيل وقف الاستيطان. إسرائيل سترفض هذا البيان وستعتبره تدخلاً في شؤونها الداخلية، أي أن الشكوى لمجلس الأمن لن تؤدي إلى نتيجة مطلقاً. أوراق القوة بأيدي الفلسطينيين كثيرة، ولعل أبرزها الخلاص من حالة الانقسام الموجودة، والعودة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، على أساس الثوابت الوطنية، والعودة إلى برنامج المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها (وقد شكلت المقاومة مصدر القوة الأساسي لكافة حركات التحرر الوطني، وعلى قواعدها وأسسها انتصرت هذه الحركات)، من أوراق القوة أيضاً، العودة وبلا رجعة عن المفاوضات مع إسرائيل، والاستفادة من تجربة التفاوض العبثية، التي قاربت عقدين زمنين، لم تجلب غير المزيد من الويلات والمصائب للشعب الفلسطيني، التلاحم مع العمق العربي والدولي المؤيد للحقوق الوطنية الفلسطينية. هذه أوراق قوة كبيرة بين أيدينا من المفروض العمل الدؤوب من أجل استعادتها. للأسف، فالحالة العربية أيضاً عنوانها العجز، ارتفاع لمنسوب الصراعات الطائفية والمذهبية في غالبية الأقطار العربية، مؤامرات تحاك لتمزيق البلدان العربية وتفتيتها، العراق، السودان، اليمن، لبنان، الصومال وأقطار عربية كثيرة أخرى على طريق التمزيق، الثروات وبدلاً من كونها مصدر قوة للبلدان العربية تحولت إلى مصادر للنهب الخارجي. التفوق الديموغرافي والجغرافي العربي تحول بفعل القطرية إلى نزاعات حدودية في بعض الأحيان، وإلى مظاهر ريبة وشك في العلاقات البينية العربية. لو وجد التنسيق السياسي والتكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية (ولا نقول الوحدة الاندماجية) لتحول العالم العربي برمته إلى قوة عربية إقليمية دولية يحسب لها الحساب، ولكن وبدلاً من ذلك هناك إغراق متنام في القطرية العربية.

لجنة المتابعة العربية أمهلت الولايات المتحدة فترة شهر للضغط على نتنياهو من أجل تمديد تجميد الاستيطان. الحكومة الإسرائيلية رفضت وما تزال ترفض هذا الطلب، وليبرمان يصرح من الجولان بان الاستيطان لن يتم تجميده لا لثلاثة أشهر ولا لثلاثة أيام او حتى لثلاث ساعات، ويعلن أن هضبة الجولان ستظل أرضا اسرائيلية. وأوباما يصرّح من العاصمة الاندونيسية جاكرتا في جولته الآسيوية قائلاً (إن عقبات كبرى لا تزال قائمة على طريق مساعي الوصول إلى السلام في الشرق الأوسط). بمعنى آخر فإن الإدارة الأمريكية لا تستطيع الضغط على نتنياهو من أجل تمديد (فقط) تجميد (وليس وقف) الاستيطان. بمعنى آخر لقد أُسقط في يدي لجنة المتابعة العربية التي حتماً ستحتار في القرار الذي تتخذه.

الفارق بيننا وبين إسرائيل هو أنها تحول أوراق الضعف إلى عوامل قوة، بينما نحن لا نحسن الإمساك بأوراق القوة، بل نحولها إلى عوامل ضعف بالمقابل.

إسرائيل تصنع حقائقها على الأرض، ونحن لا نحسن إلاّ الشكوى، مع إدراكنا التام أن القاضي وفق ما يقول المثل العربي هو أيضاً (الغريم). هذا الوضع لا ينتج سوى المزيد من الإخفاقات والهزائم، وبالفعل لا يكفي أن تمتلك قضية عادلة من أجل تحقيق الانتصار، عليك اجادة الدفاع عنها… والعكس أيضا صحيح، فلطالما خسر كثيرون قضاياهم لأنهم لم يحسنوا الدفاع عنها.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية