ليزيل مولر
ولدت الشاعرة ليزيل مولر في الثامن من فبراير/ شباط عام 1924 في ألمانيا. نشأت في أسرة مُثقفة ذات مكانة علمية مرموقة، عندما أصبح الوضع في فترة النظام النازي خطرا، اضطرت عائلتها إلى ترك البلاد المتدهورة والهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. التحقت مولر بجامعة إيفانسفيل وأكملت دراستها العليا في جامعة إنديانا. وأتقنت اللغة الإنكليزية إلى درجةٍ مكنتها من كتابة ما يلي: في اللغة الجديدة، كان الجميع يتحدثون بسرعةٍ كبيرة، مؤخرا تمكنتُ من اللحاق بهم.
نالت جائزة بوليتزر للشِعر عن إحدى مجموعاتها الشعرية عام 1997 وجاء في اقتباس بوليتزر أن كتابها هو شهادةٌ على القوة المعجزة للُغة في تفسير وتحويل عالمنا، إنها شهادة تدعو القُراء إلى مشاركة رؤيتها للتجارب المشتركة بيننا جميعا: الحزن، الحنان، الرغبة، إيحاءات الفن والفناء – ضربة الموت القاسية والجافة على الزجاج.
لم تكن تدرك أنها في خضم سباق شِعري، ولم تكن منافسة لأحدٍ في حياتها؛ إذ كانت تؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يتنافس كما يفعل الآخرون السذج. اهتمت باللغة والذاكرة إلى حد كبير ولافت، على الرغم من أنها شعرت دائما بأن كان في إمكانها أن تكونَ شخصا آخر، وهو شعور يطارد المرء الحاذق، أو رُبما هو إحساس يلاحق مَن نشأ في بيئةٍ غير بيئته الأصلية!
لو أن مولر كبرت في ألمانيا وفي ظل ذلك النظام الصارم الهجين، هل كانت تعيش كما عاشت في الولايات المُتحدة؟ هل تستمر في أن تصبحَ شاعرة ومُترجمة ذواقة؟ لا أعتقد أن مولر كانت ستصبح شيئا آخر غير كونها شاعرة من الطراز الرفيع، مَن يولد شاعرا لا يستطيع أن يعيش خارج اهتماماته، ولا يمكنه أن يسكن بعيدا عن المنفى، غالبا ما يصنع التاريخ أُناسا يكون من الصعب إنجاب مثلهم ببساطة. يولد كُل بضع عقود شاعر حقيقي جدير بالحياة، يكون فعالا حقا في المُجتمع بسلوكهِ وأخلاقهِ وعملهِ الأدبي، هذا ما فكرتُ فيه أثناء تحليل طبيعتها وشِعرها الرقيق.
كتبت ذات يومٍ الآتي: «أنقذتني أمريكا وخدعني التاريخ/لم أسحق تحت الأنقاض/ ولم أتعرض للضرب /على طريقٍ سريعٍ مُتجمد/أطفالي لم يموتوا/من جوع ما بعد الحرب/لقد عاد حُبي وعقله سليم /لم أرغم أحدا/ على الدخول إلى غرفة الموت».
قالت لكارين ديبرولي كروز عن ميولاتها التاريخية التأملية: «أكتب الكثير من القصائد التي فيها توتر بين ما يجري الآن في المجتمع، وما كان موجودا دائما. قصائدي تهتم كثيرا بالتاريخ، الرسالة واضحة. مرت عائلتي بأوقات عصيبة في أوروبا، لم يتمتع أحد بحياة خاصة لم تتأثر بالتاريخ، أنا أدرك مدى الامتياز الذي نتمتع بهِ نحنُ (الأمريكيين)». اعترفت لصحيفة «فوليو برس» أن عائلتها سكنت في مدن وضواحٍ حضرية إلى أن تزوجت وانتقلت إلى مقاطعة ليك الريفية الهادئة، حيث تغير وعيها وبدأت تعرف الوقت في اليوم من خلال الطريقة التي يميلُ فيها الضوء. يرى مُعظم النقاد أن قصائدها مُعقدة ومُتعددة الطبقات، تجمع بين الغرابة أحيانا والسخرية الماكرة أحيانا أُخرى، لكن الحزن لم يهرب من أعمالها ومستويات سردها، مُؤثرا بلا شك في اختياراتها ومشاريعها؛ لذا صرحت بأن الحزن الكبير جعلها ترغب في التعبير عن نفسها في قصيدة، وبعد أن فعلت ذلك كانت بحاجة إلى الاستمرار في القيام بذلك.
وصفت الشاعرة ريتا دوف قصائد مولر بأنها: «القصائد الغنائية المُخادعة التي يتردد صدى نغماتها الداكنة لفترة طويلة، بعد أن طفنا على سطحها المضاء بنور الشمس». تأثرت مولر بالشاعرة إدنا سانت فنسنت ميلاي وجذبتها المدرسة الغنائية الحداثوية في الكتابة، من وجهة نظرها يجب أن تكون حياتنا قد تلاقت في مكان ما في وقت ما، لا بُد أننا مررنا ببعضنا بعضا، مثل القطارات القديمة والمقبلة، وكل منا ينظر في الاتجاه الآخر. قدمت ليزيل مولر تصورا عميقا حول بداية تجربتها الشعرية في قصيدتها «عندما يتم سؤالي» مستعينة بمشهدٍ طبيعي غير مُبالٍ ومليء بالتناقضات بين بهاء الطبيعة وشقاء الفقدان الشخصي وهو فقدان والدتها. تسوغ الدافع وراء كتابتها قائلة: «عندما سئلت/كيف بدأت بكتابة القصائد/أتحدث عن لا مبالاة الطبيعة/كان ذلك بعد وقت قصير من وفاة والدتي/ يوم رائع من شهر يونيو/كُل شيء يزهر». ثم قالت عن الطبيعة الجامدة، غير الواعية بمشاعرها الداخلية المُضطربة التي تتخذ من اللغة وسيلة للفرار من النهاية المُترعة بالاغتراب المر: «جلست على مقعد حجري رمادي /في حديقة مزروعة بمحبة،/ لكن زنابق النهار كانت صماء/كآذان النائمين السكارى/ والورود منحنية إلى الداخل/ لم يكن هناك شيء أسود أو مكسور/ ولم تسقط ورقة /وأطلقت الشمس إعلانات تجارية لا نهاية لها /لقضاء عطلة الصيف/ جلست على مقعد حجري رمادي/ محاطة بالوجوه الغريبة/ لأُناس بيض ضجرين/ ووضعت حزني في فم اللغة/الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يحزنَ معي»!
لم تسمع الزنابق البيضاء صوتها، ولم تلتفت إليها الورود الذابلة، على الرغم من أنها على دراية تامة بأسماء وعادات الزهور البرية والطيور التي تعيش في العالم وفي قصائدها المؤلمة، فضلا عن ذلك لم ينكسر أو يتألم معها أي شيء مما يحيط بها، وهُنا كان صوتها الشعري رُومانتيكيا لا يهدأ ولا يستكين، بما أنها استخدمت التشبيه والنفي للإفصاح عن شكواها من النائمين ورواية إهمالهم الطويل لها.
شرحت عن الريح العاتية التي تعوي خارج منزلها وصرير الأشجار الفظيع في وقتِ الأخبار السيئة البعيدة. فكرت في القدر والحتمية والمتوقع والواقع: «مهما كان لا بُد أن يحدث/ في قصتي لم يحدث/إلا أنني أعلم أن هناك قواعد لا يمكن كسرها/رُبما امرأة لا أعرفها/تواجه اليوم بقلبٍ مثقلٍ/الذي بكُل الحقوق، كان ينبغي أن يكونَ لي». هكذا رددت مولر بخيبةِ أملٍ، واثقة من أن القانون الكوني يصعب التغاضي عنه وأن هذا النظام المُحدد يؤدي إلى إسقاط الذات على الآخر، الذي يعاني من الحالة نفسها وهي جزءٌ من حياته المُتقلبة.
تصف كيف يلجأ الإنسان في سعيه لمواجهة الوحدة، ومحاولاته للتعامل معها، إلى إضفاء خصائص إنسانية على الأشياء غير الحية من حوله، فيعكس انتقاله من التفاعل البشري إلى التفاعل المادي للتخفيف من الشعور بالوحدة والحفاظ على الثبات. استحضرت في قصيدتها «أشياء» رموزا موحية مثل: الساعة التي تومئ بمرور الزمن والكرسي الذي يرمز إلى السند والراحة والطاولة التي تدل على القوة والاستقرار، تقول: «ما حدث هو أننا أصبحنا وحيدين/ نعيشُ بين الأشياء/فأعطينا الساعة وجها/الكرسي ظهرا/الطاولة لها أربع أرجل قوية/والتي لن تعاني من التعب أبدا». تعيد في هذه القصيدة تشكيل العالم الخارجي بإضافة صفات بشرية مُعينة إلى الطبيعة، بحثا عن الأمان والارتياح النفسي، مُستعملة قلب الإنسان العاطفي وعينه المُبصرة وفمه القادر للغاية على تجسيد الأُلفة والتواصل المعرفي: «حتى ما كان في الخارج منا/تمت إعادة صياغته في تصوراتنا/أعطينا الوطن قلبا/العاصفة عينا/الكهف فماً/كي نتمكنَ من العبور إلى برِ الأمان».
توفيت السيدة مولر متأثرة بآثار الالتهاب الرئوي عن عُمر ناهز 96 عاما. كما أفادت ابنتها جيني، أعلنت حينها: «إنها قصة نجاح كلاسيكية للمهاجرين الأمريكيين، وهي أيضا قصة كلاسيكية ليس فقط لنجاح المهاجرين، لكن لمساهمة اللاجئين في ثقافة هذا البلد».
صارت رحلتها من هامبورغ إلى هارفارد مُثيرة للاهتمام، إلى جانب مساهمتها وأثرها في الشعر الأمريكي بعد خوضها تجربة اللجوء وتأرجحها بين الوطن والمنفى، وبين الذاكرة والنسيان، مع لمسة بارزة من الألم والأمل في أسلوبها المُخاتِل.. تمثل تجربة ليزيل مولر في الشعر أنموذجا حيا لدور الشعر في الاندماج الثقافي، من خلال أعمالها وتجاربها الشخصية كلاجئة تسلط الضوء على انتصاراتها في مواجهة العثرات اللغوية والتحديات الصعبة، أثبتت أن الشعر يمكن أن يكون أداة قوية لتطوير اللغة، تعزيز الانسجام مع الآخرين وخلق مساحة لصوت الثقافة المهاجرة وتأثيرها على المجتمع المتنوع.
كاتبة عراقية