دور الفكر التنويري في مواجهة الواقع الراهن

حجم الخط
2

إن معالجة مفهوم دور الفكر التنويري في مواجهة الواقع، يتطلب طرح أسئلة تخص البنية الفكرية للمحتوى الذي عليه الفكر التنويري في ما يخص مفهوم (المثقف، السياسي، الثقافة، السياسة والسلطة).
هذه المفردات دخلت في إشكالية بنيوية من منطلق الفهم الذاتي. فكان للسياسي أن لا يتخلى عن موقفه. والثقافي يعتد بعقله الذي صاغ له الرؤى بعيدة المدى، لذا نجد أن الذي أضاف لكل هذا هو إشكالية استيعاب التغيير الذي حصل ما بعد 2003 في العراق، وتسميته وتصنيفه وفق المعطى العام، لاسيّما إن هذا البلد تعرض عبر التاريخ إلى أكثر من احتلال جائر كالعثماني والفارسي والبريطاني، وآخرها الأمريكي، تحت أغطية مبتكرة الجمال والتشويق، وإزاء ذات معطلة وضعيفة، جراء ضرب مطارق الأزمنة المتوالي، وسوء الفعل السياسي في تغيير نمط التفكير، ابتداء من رياض الأطفال وحتى الجامعات، لذا نرى، كما رأى التنويري عبر التاريخ، وما شهدته الثورات العابرة للتكتل العسكري، اعتماد الوعي في مجال البنية التحتية، والأمثلة كثيرة.
إن التنوير مرتبط بالعقل، والعقل مرتبط بالتمرين الفكري المنفتح والقابل للأخذ والعطاء، فالاختلاف حول سؤال: هل دخول الأمريكان تحرير أم احتلال؟ والجواب مشتبك، ولّد عوائق خطيرة، لا تشكل صفة المقاومة، بقدر ما حازت مراكز قوى للوجود في السلطة بالتوالي، فلا بديل هناك لفعالية وسط الشارع، فثمة من يعد العدة لاحتلال المنصب في الدولة. ثمة رهانات مؤجلة، الإشكالية هنا تتشعب مردوداتها التبريرية. فالسياسي يحتكم إلى السلطة ومركز القرار والنمو على حساب الخاص والعام، ويتشبث بالانتخابات والبرلمان، وإن كانا لا يستوفيان شروط الديمقراطية، لأنهما خضعا للسبب والنتيجة. والثقافي خضع للتراكم المعرفي الواسع، وللخبرة الميدانية وكشوفات الرؤى المستدامة من مصادرها الفكرية. ولا فرصة متاحة وسط كون ملتهب، وديمقراطية منقوصة، بسبب عدم وجود إشارات تشجع وتنمي الفكر في مجالات عدة، ابتداء من المراحل الأولى في التعليم حتى أعلاها، كذلك الشارع الذي سادت فيه الفوضى، خاصة فوضى الادعاء بالتدين من باب خرافة البدع والشعائر، التي لا تمت للدين بصلة، بينما أصبحت هي السائدة.. إذن نحن سنبقى على تواصل ضمن هذه الإشكالية (العزلة الذاتية) التي لا تتحدد مساراتها ولا تُكسر أطرها وحدودها، لأنها أيضاً تخضع للزمان والمكان، وإلى السبب والنتيجة. فالسياسي لا يغادر موقعه عن طيب خاطر، وفق الموقف المبدئي والكفاءة، بل يتقاتل كي يعود ليراكم الخطأ. العلة ليست في الإجراء الوطني (حرية، انتخابات، ممارسات ديمقراطية، أشكالا طموحة لتأسيس دولة) كل هذا مستباح، ويشكل واجهة لكل مناسبة سياسية وفعالية جماهيرية. غير أن المتحقق على صعيد الواقع غير هذا، إذا ما احتكمنا إلى النتائج المترتبة لصياغة مستقبل البلد.
إن صورة الإشكالية هنا تتجسد في مفهوم المثقف، وليس في نوع الثقافة. ذلك من منطلق مبدئي، إن المصادر الثقافية تمنح خصائص في بناء الشخصية. وهذه الخصائص وإن تباينت وفق النوع الثقافي، إلا أنها تصب في إلغاء الفراغ، حيث يتمركز في شقين بنيويين للثقافة، والكيفية التي انتقلت فيها الثقافة إلى المعرفة. وفي كلا المنحيين هناك علل، أو بالأحرى خلل بنيوي. ولنبقى في حقل الثقافة والمثقف، وليس المعرفة والعارف. في هذا نجد أن المثقف يختزل وجوده في جملة مفردات ثقافية، يمارس خلالها سلوكاً يفترش الواقع، لأن الإنسان هذا وسط حيّز، أي يخضع للأثر والتأثير. فهو يتأثر ويؤثر.

إن صورة الإشكالية هنا تتجسد في مفهوم المثقف، وليس في نوع الثقافة. ذلك من منطلق مبدئي، إن المصادر الثقافية تمنح خصائص في بناء الشخصية.

فإذا كان مشتغلاً في حقل تربوي، فمقياس ثقافته إن كانت نمطية فإنها تضفي سلباً بظلالها على المتعلمين. والعكس يصح. كما أن الانجرار وراء مستجدات خارج تشكل المجتمع صعوداً، تنتجها الثقافة النمطية، غير المبنية على مبادئ الإسهام في تطوير الواقع من مستَثمر للزمن مثلاً إلى متحرر من تأثيراته. ثم إن المثقف لا يشغل نفسه بالاختلاف في الكيفية، بل يبحث عن المشتركات. فليس في كل تشكيلات الأفكار منذ بدء الخليقة تطابق نوعي، بل مجموعة تراكمات كمية ينتجها العقل الجمعي المفكر، بما تتطلب الحياة زماناً ومكاناً. الأفكار والديانات لها خصائصها الذاتية والموضوعية. نحن نلزم أنفسنا بالموضوعية التي تقربنا من بعض. هنا تتجسد ظاهرة (الخلاف) في الموقف على حساب المبدأ، إذ لا يوجد تقاطع حقيقي بين الثقافات، وبالتالي بين المثقفين، ونقصد من بينهم السياسي حتى لو حصل نوع من تعالي هذا على حساب ذاك مثلاً. فالمثقف الحقيقي ينظر إلى الاختلاف في مفردات المبدأ سبيلاً إلى الحوار الذي بدوره يطوّر البنية الفكرية، فالمثقف حالة استثنائية في الوسط، لأنه قادر على تنبيه الآخر باشتباك أسس الواقع، واحتمال اقتراب وقوع الكارثة. فهو بهذا بارومتر الوجود، أو كما قال عنه إدوارد سعيد، إن صورته ستبقى خلابة على مرّ الزمن. تماماً كما ذكر بصدده غرامشي في كونه نموذجاً يؤدي مجموعة من الوظائف. فهو في صلب المكون الاجتماعي، تقع تأثيراته مباشرة على الواقع، وتكون حواراته مطورة لأنها تستند إلى جملة حقائق صاغتها المبادئ الخاصة والعامة. وهو عبّر عنها بـ(المثقف العضوي) ولعل ما استند إليه غرامشي، أو غيره من المفكرين العضويين، هو النظر إلى المثقف بعين فاحصة، حيث يضعونه في مركز الحراك الاجتماعي في كل بيّناته البنائية. فهو منتج للأسس التي تكون مؤثرة في الحياة والوجود البشري، وله تأثيراته في الصياغات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية.
ما نريد أن نؤكده خلال هذا الطرح، أننا ضمن إشكالية صعبة، تتطلب الكثير من الزمن والجُهد والموازنة، وحضور العقل، وعدم الانسياق وراء مكبرات الصوت، والجدل غير النافع. والانفعالات التي همها إخافة الغير لا حواره بالمنطق. فالحجة ضعيفة والمداول خلق لها المبررات، لأنها استندت إلى الدين، وهو خط أحمر استفاد منه المدعي، إذ يصعب على الإنسان البسيط خرق المحرم عليه، لأنه من اجتهاد النخبة، ومن إجراءات العقل. بينما الحقيقة أن ليس ثمة علاقة بين الدين وما يجري من مصادرة لحقوق الغير، والعمل على تفتيت وحدة البناء لشعب آمن ووطن يتوفر في حاضرته الموضع الذي يؤمّن السلامة وتقديم أبسط أسس الحياة. فالمتسولون كثر، بل لا يعدون، والذي يراقب باب منزله سوف يُحصي عدد الطرقات على صفيحه طلباً للحاجة، ويتأسف لما يشاهده من هدر للمال والعطاء (الحاتمي) في المناسبات الدينية، بدون مبرر أو حجة. في الوقت نفسه يمكننا العمل وبرأس عامر بالمشاريع، أن نؤسس بهذا المال مشروعاً يدر الأرباح، ويُنسق المسعى، لتلافي استفحال مثل هذه الظواهر في مجتمعنا، لأنها تشكل عاراً في تاريخ الشعوب. الجوع والتشرد وامتهان حِرف تمس بكرامة الإنسان ظاهرة مقززة، وتشكل ملمحاً يخص الأخلاق التاريخية، إن صح التعبير، شأنها شأن بعض الأحداث في التاريخ.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية