الشرفاء في الوطن العربي كُثُر، تماماً كما هم المتخاذلون والراجفون، وان كان صوت المواطن العربي العادي يتم التعبير عنه عبر مسيرة أو مظاهرة حاشدة أو زفرة آهٍ وراء جدران القهر وأبواب العجز المقفلة، فان بعض الأصوات الشريفة وصلت، بكل ما تتضمنه رسالتها من وقفة عز وفخار، ولأن الفن رسالة انسانية كما هو الأدب الفكر والثقافة والشعر، فان غالبية الفنانين الذين عرفناهم علي الشاشات زمناً طويلاً كممثلين مبدعين، أو مطربين ملتزمين وعاطفيين، لم يقفوا مع لبنان وفلسطين في محنتهما بقدر ما وقفوا مع ذواتهم وفنهم، واذا كان لا بد من الاشارة لبعض الأسماء فانها تأتي هنا علي سبيل الأمثلة لا الحصر، كون القائمة طويلة ويصعب أن تشملها مقالة سريعة كهذه، فقد سمعتم وسمعنا الفنان حسين فهمي، وكذلك عادل امام، وعبد العزيز مخيون، وحسين الشربيني، ومارسيل خليفة، وجوليا بطرس، وداود حسين، وخالد الشيخ، وجمال سليمان، ولطفي بشناق، ولطيفة التونسية، وعاصي الحلاني، والعشرات من الفنانين الآخرين علي امتداد ساحة الوطن العربي.. من مغربه وحتي خليجه.. وقوفاُ في محطة الفن الكبري.. مصر الشعب النقي والأصالة الفنية المتجذرة.
وربما يكون أكثر هذه المواقف انسجاماً، وصدقاً في الربط بين الكلمة الموقف.. والفعل علي الأرض هو ما قامت به الفنانة رغدة، فهي في اليوم الثاني للعدوان قالت علي الشاشات انها تتهيأ للذهاب الي أرض المعركة، حيث كانت تتواجد في مصر بحكم عملها، وبعد أيام قليلة وجدناها في بيروت بين جموع النازحين من الجنوب.. لتشكل أنموذجاً لترجمة القول الي فعل علي الأرض من ناحية.. ولتسهم ولو للحظات بالتخفيف من معاناة الآلاف الذين تركوا ديارهم تحت القصف.. وغادروها الي الساحات العامة والمدارس والجمعيات والحدائق.. عن غير رغبة منهم بالتنزه أو الخروج من روتين البيت والعمل.. ولكن كي تشكل هذه الحياة معادلاً وحيداً وبديلاً فرضته المعركة والقهر الصهيوني عليهم.. ، فكم هو مؤلم أن تنام وعائلتك.. نساءً وأطفالاً في الساحات العامة.. ، وعودة للفنانة رغدة التي كان لها العديد من المواقف السابقة مع جمهرة من الفنانين حين زارت بغداد تحت القصف والحصار عدة مرات ترافقها الفنانة سميحة أيوب.. ، وها هي اليوم في بيروت تعيد تشكيل رؤي الحلم العربي الذي عجز عنه أصحاب الأمر من الزعامات العربية التي تذكرت بعد شهر أن هناك ثمة لبنانا علي الخارطة يتعرض للحرق من جنوبه وحتي أقاصي الشمال.. لم تسلم منه سوي بعض أحياء بيروت العاصمة بقرار أمريكي لم يكن ليستمر لولا التهديد المباشر بقصـــــف تل أبيب، ولموقف رغدة أكثر من معني.
يوسف الديكشاعر وكاتب مقيم في الامارات6