خليل قانصو
لو تدخل الجيش التونسي لانقاذ السيد بن علي، لكان هذا الاخير اليوم رئيسا في تونس، ولو اراد قادة الجيش المصري ان يبقى السيد مبارك في السلطة مدة اطول، لما تنحى ولاستطاع ربما توريث منصبه لولده. ما الفرق بين هذه الجيشين من ناحية، والجيوش في اليمن والبحرين وليبيا والسعودية من جهة ثانية، التي تخوض في هذه البلاد، بدرجات متفاوتة، معارك ضد الجماهير الشعبية التي خرجت ‘تريد اسقاط الرئيس’ او ‘اسقاط النظام’؟ لماذا تتدخل بعض الجيوش العربية دفاعا عن الحاكم ونظامه؟ لقد تناهى الى العلم، منذ بدء الانتفاضة الليبية في 17 شباط/فبراير، ان لكل ولد من اولاد العقيد، فرقته العسكرية. فلقد ترددت اسماء: قوات الساعدي، قوات خميس الخ. وفي اليمن ايضا تفيد المعلومات المتوفرة بان قواد الجيش هم من ابناء الرئيس وابناء اخوته واقاربه. وتاسيسا عليه، اغلب الظن ان المهمة الاولى لهذا النوع من الجيوش هي الدفاع عن نظام حكم العائلة او الطغمة او الطائفة او المذهب، ضد من؟ ولكن هذا يعني ايضا ان سكان البلاد، حيث يوجد مثل هذا الحكم الفئوي، لم يتفقوا على مشروع وطني، وليسوا بصدد العمل على انجازه، اي ان علاقتهم ببعضهم البعض وبالارض، لا تتعدى اطار العلاقة بالشيء الموروث، التي تـُخفي في ثناياها رغبة في الدفاع عن الحصة الاكبر من الرغبة في الدفاع عن الكل، على عكس العلاقة التي تنظم العمل الجمعي من اجل الابتداع والانشاء، التي يغلب عليها الحرص على الوحدة والتضامن كشرطين ضرورين من شروط العطاء والاستمرارية والديمومة. الوريث يدافع عن حصته ويريدها اكبر من حصة الاخرين، اما المواطن فانه يدافع عن الوطن لانه شريك فيه، ولان الوطن ملكية جماعية لا تقبل التقسيم.
لماذا تراجعت جيوش ابناء صاحب الجماهيرية الليبية، خلال الاسبوعين الاولين بعد انطلاقة انتفاضة الليبيين، ولم تستخدم الطائرات والزوارق الحربية والمدافع في قصف المدن التي سيطر عليها الثوار؟ ولماذا كانت تصريحات القادة الغربيين تتواتر في تلك الفترة، من دون توقف، تحذر العقيد وابناءه من مغبة التعرض للناس بواسطة هذه الاسلحة؟ ولماذا كان احد انجال العقيد، والناطق باسم نظام عائلته، ينفي ويُقسم باقدس مقدساته، ان تكون الاوامر صدرت لسلاح الجو بضرب المعارضين؟ فجاة، انقلبت الصورة رأسا على عقب. توقف قادة الغرب عن التنديد والتهديد. فاعلن العقيد واولاده الحرب الشاملة على الليبيين الذين خرجوا ضدهم، وكأن القيود التي كانت تعترضهم في الاسابيع الاولى ازيلت من امامهم دفعة واحدة، او ان امدادات كبيرة من العتاد والعديد، ارسلت اليهم، فضربت طائراتهم وقصفت مدافعهم المدن الليبية بوحشية، من دون حرج. حتى بات المخيال يرتجع صور العدوان الاسرائيلي على لبنان سنة 2006، ثم العدوان على قطاع غزة سنة 2009 ، لاسيما ان العقيد وقد اخذته نشوة انتصاراته، بدأ يتهم الثوار بالارهاب ويلقي عليهم مسؤولية الدمار والقتل بحجة انهم يستخدمون المدنيين ‘دروعا بشرية’. وهذه لازمة اسرائيلية يعرفها الفلسطينيون واللبنانيون. ولكن من المفروض ان مثل هذه ‘الدروع البشرية’، لو وجدت فعلا، كفيلة بمنع القذافي من المس بها، وهو الثوري وابو الجماهيرية كما يزعم، على عكس المستعمر الصهيوني. واغرب ما في هذ المحاكاة بين حرب القذافي وعدوان الاسرائيليين، هو توجيه الرسائل الهاتفية القصيرة الى السكان، بالتلازم مع تحليق الطائرات على علو منخفض ودوي الانفجارات القوية، للتأثير على معنوياتهم وايصال اخبار كاذبة عن انهيار المقاومة وسقوط مواقعها وفرار قادتها او موتهم. وهذه الاساليب من الحرب النفسية يعرفها كل لبناني كان في لبنان في تموز/يوليو 2006 جيدا. فلقد اخطر مستشارو العقيد الناس بواسطة الرسائل الهاتفية، بان اجدابيا سقطت بايدي قواته، قبل 48 ساعة من وصول هذه القوات الى تخومها، علما بانها لم تتمكن من السيطرة عليها بعد ثلاثة ايام من بدء هجوم باسناد من كافة انواع الاسلحة، وكانت هذه القوات تخوض حربا حقيقية دفاعا عن الوطن الليبي نفسه، ولكن بكفاءة رديئة. كيف يدافع الليبيون عن وطنهم؟ ولا منأى، في السياق نفسه عن السؤال لماذا تتسابق الصحف والقنوات التلفزيونية في الغرب على اتنزاع مقابلة من العقيد او من نجله؟ رغم انتهاكه الصارخ لحرية الصحافيين والتعتيم الاعلامي المفروض على المناطق الليبية الواقعة تحت سيطرة قوات ابنائه. فلا يكاد يمر يوم من دون ان يخرج على الملأ باسلوب خطابي جديد، وبطروحات جديدة ومعلومات جديدة. اغلب الظن ان هذا الاداء الاعلامي هو من صناعة وكالات النصح في مجال العلاقات العامة، في انكلترا وغيرها، وليس صادرا من اعماق فطنته وهدي قريحته. كم هو ثمن المقابلة والاستشارة والدمار والدماء.
ومهما يكن فلا مفر من القول بان الجيش عندما يكون في خدمة فئة وطنية ضد فئة اخرى انما هو مشروع تقسيم للبلاد وللفرقة بين الناس. وبأن مسؤولية استخدام السلاح الثقيل، في داخل الوطن، لا تقع فقط على العائلة التي وضعت يدها على ثروات البلاد فتمكنت من شراء انواع منه وبكميات كبيرة، وانما تقع ايضا على بائعي هذا السلاح الذين يعرفون لا شك في ذلك ما تعلنه تلك العائلة وما تخفيه. كم من الحكام العرب انشأوا جيوشا قادرة على قصف المدن في الممالك والجمهوريات التي يتربعون على عروشها؟ واخيرا، من المرجح ان موج الانتفاضات الشعبية طال فلسطين المحتلة ايضا، والدليل على ذلك هو ان الناس يتجمعون بين الفينة والفينة، في رام الله وفي غزة. والظاهر ان ‘السلطة’ بما هي سلطة عربية لا تتسامح مع الاحتجاج حتى في ظل الاحتلال، ليست مطمئنة لهذه الارهاصات، لذا فأنا اسأل: لماذا وجهت سلطة القطاع الدعوة لسلطة رام الله لزيارتها؟ هل عادت المياه الى مجاريها بقدرة قادر وطويت الصفحات والوثائق هكذا؟ ما هي شرعية كل سلطة في نظر الاخرى؟ لماذا الاجتماع والتشاور، في هذا الوقت بالذات؟ ماذا يريد الشعب الفلسطيني؟ وماذا تريد السلطتان الفلسطينيتان؟ هل توصلتا الى فهم ما يعتمل في النفوس؟ ام انهما قررتا التنحي؟ كاتب لبناني